تابعنا على لينكد إن

يتحدث الكثير ممن يدرسون الإبداع والابتكار عن قيمة “التهجين” (recombination)، وهو الجمع ما بين الأفكار الموجودة بالفعل أو الممارسات أو الإجراءات أو التقنيات، مع الطرق الجديدة أو استخدامها في سياقات أو أسواق جديدة. وهو نموذج قاد إلى الكثير من المنتجات الاستهلاكية الرائجة، مثل زجاجات المياه المقاومة للتسرب التي تأخذ فوهاتها من موزعات الشامبو، وأجهزة قياس الكوليسترول في المنزل، والتي تدمج فيها آلية الإدخال/الإخراج المأخوذة من مشغلات الأقراص المدمجة.

على مدار العقود الثلاثة الماضية، أظهرت البحوث أنّ الأشخاص الذين تزيد احتمالية ابتكارهم عن طريق التهجين يتحدثون مع مجموعات من الأشخاص لا يتحدثون مع بعضهم البعض. وفي لغة شبكات التواصل الاجتماعي، يضم هؤلاء الأشخاص مجموعة متنوعة، وهو ما يعطيهم “ميزة التصور” (vision advantage)، وذلك حسب تسمية الباحث الاجتماعي رونالد بيرت. ويتيح لهم وضعهم “كموصلي شبكات” (network brokers) رؤية أمور لا يستطيع الآخرون رؤيتها.

لذلك، إذا كنت تريد الابتكار، ينبغي عليك أن تصبح “موصل شبكات”، لكن لسوء الحظ، ليس الأمر بهذه البساطة. إنّ تغيير شبكتك أمر صعب، لأن الأمر لا يتعلق فقط بمن تتحدث إليهم. إنما يتعلق بمن يتواصل معهم أصدقاؤك وزملاؤك في العمل ـ ولا يمكنك أن تُملي هذا عليهم، حتى وإن قمت بتكوين علاقات جديدة.

ولكن لا داع للقلق. أظهرت آخر أبحاثنا باستخدام بيانات استطلاعات الرأي على شبكات الاتصالات بين مهندسي البرمجيات في شركة كبرى لخدمات الهواتف المحمولة أنّ الأشخاص الذين يستقرون بقوة بين مجموعة مجتمعية وحيدة مرتبطة ارتباطاً كثيفاً (يطلق عليها اختصاراً غير الموصلين non-brokers) يمكن أن يكونوا على درجة من الإبداع والابتكار مثل موصلي الشبكات إذا هم اتبعوا استراتيجية واحدة بسيطة تعمل على عكس التوقعات البديهية: أي تضييق نطاق تركيزهم.

على الرغم من استفادة الموصلين (brokers) من تخصيص انتباههم بطريقة متوازنة عبر جميع المجموعات التي يتصلون بها، بحثاً عن فرص التهجين عبر المجموعات والمجتمعات، إلا أنّ غير الموصلين (non-brokers) يحرزون قدراً ضئيلاً من النجاح عندما يضطلعون بمهمة مشابهة. لقد وجدنا أنّ احتمالية إبداعهم تقل بمعدل أربعة أضعاف عندما يقومون بمسح واستقصاء أفق شبكاتهم الأكثر تقييداً، أكثر منهم عندما يقومون بشكل انتقائي بمنح انتباههم لبضعة أشخاص في مجال التواصل يستطيعون مساعدتهم في رؤية مواطن الشذوذ والتضاربات بين الأفكار المحلية داخل نطاقهم المجتمعي.

لا يبدو أنّ هناك أهمية بشأن من أولئك الذين يعيرهم “غير الموصلين” انتباههم طالما كانوا يركزون بشكل مكثف على عدد قليل من أشخاص الاتصال الأساسيين الذين يكثر حديثهم إلى بعضهم البعض. وهم عندما يفعلون هذا لفترة طويلة، فإنهم يبدأون سماع اختلافات وفروق في طريقة تقديم أولئك الأشخاص للمعلومات، وطريقة تعاملهم مع المشكلات، وتفكيرهم في التوصل للحلول في نفس المواضيع.

إنّ الوعي والإدراك بهذه الفروق والاختلافات التي لا يلحظها أغلبية الأشخاص الآخرون ـ لأنهم لا يعيرونها ما يكفي من الانتباه الوثيق ـ يمكن أن يساعد “غير الموصلين” في تطوير أفكار جديدة ومبتكرة تقوم بالبناء بشكل متراكم على المعرفة. ونطلق على هذه الطريقة الابتكارية “الاستجواب”، حيث إنها تشبه بعض الشيء العمل الذي يقوم به محققو الشرطة عندما يقومون باستجواب عدة أشخاص، ومقارنة رواياتهم عن الوقائع، والبحث عن التناقضات التي ستؤدي إلى العثور على ثغرات في تلك الروايات.

وهذا في الأساس هو المنهج الذي انتهجه المهندسون في سبيس إكس (SpaceX) للحد من تكلفة بناء صاروخها “فالكون 1”. لم يقوموا باستكشاف أفكار أو ممارسات أو تقنيات يمكنهم استيرادها من شركات بناء صواريخ أخرى أو من مجالات أخرى. وبدلاً من ذلك، فإنّ فريق المهندسين المكلفين بالحد من تكلفة البناء ركزوا انتباههم على مهندسين آخرين في نطاق الشركة ممن يملكون أفكاراً مختلفة حول كيفية تصميم المكونات بتكاليف مادية أقل. وبمقارنة تلك الحلول، أو البحث عن الصفات المشتركة بينها أو البحث عن الفروقات والاختلافات، وتحديد تصميم جديد بناء على هذه المقارنات، تمكنوا من تغيير طريقة بناء الصاروخ تغييراً جذرياً. ونتيجة لذلك، فقد أنتجوا الصاروخ “فالكون 1” لقاء تكلفة قدرها 7 ملايين دولار في وقت كانت تكلفة أقل الصواريخ في السوق 65 مليون دولار.

في دراستنا، إنّ “غير الموصلين” الذين ركزوا انتباههم على عدد قليل من أشخاص الارتباط أو الاتصال، جاء حكم المدراء الأوائل عليهم على أنهم على نفس القدر من الإبداع والابتكار مثل الموصلين. في حين أنّ الموصلين الذين أعاروا انتباهاً متساوياً لكل شركاء التواصل لديهم، فكانت احتمالية تقييمهم من جانب المدراء الأوائل على أنهم مبدعين ومبتكرين أكبر من أولئك الموصلين الذين ركزوا انتباههم على مجموعة قليلة من أشخاص الارتباط أو الاتصال.

ولذلك، ولغرض الإبداع والابتكار، فليس بإمكان أي مجموعة من المجموعتين تغيير منهجيتها تجاه الترابط الشبكي (networking)، ولكن يجب على كلتا المجموعتين إيلاء الانتباه إلى أولئك الذي يعيرون انتباههم لهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz