يدرك كثيرون منا أننا بحاجة إلى الاستفادة مما لدى الآخرين من معارف لحل المشاكل الكبيرة، إلا أننا نفتقر إلى الرغبة في التعاون رغم ذلك، إذ غالباً ما يتم النظر إلى العمل الجماعي على أنه لا يقدم الفائدة المرجوة منه (مثلاً، التكاليف والوقت الكثير اللازم للبحث والتنسيق)، ومحفوف بالمخاطر (هل يمكنني أن أثق في عمل الآخرين؟)، وذو قيمة منخفضة (خبرتهم لا تبدو بمثل أهمية خبرتنا)، فضلاً عن الجانب السياسي (إنها طريقة مواربة للشخص لترويج نفسه في أقسام أخرى من الشركة). إن كنت تنظر إلى التعاون وفق ما سبق، فإنك قد تخسر إمكانية الاستفادة من العمل الجماعي والتي قد تكون مهمة.

وجدنا في بحثنا أن أفضل السبل لمكافحة هذه المخاوف يتمثل في توضيح ما هو التعاون، واكتساب الخبرة المباشرة من خلال العمل في مشروع تعاوني واحد أو أكثر. وفي حال عرفت قيمة التعاون بنفسك، ستبذل جهداً أكثر للبحث عن مشاريع متعددة التخصصات وصقل مهارات التعاون لديك بشكل أكثر فعالية.

التمييز بين التعاون وبين ما هو ليس ذلك. يمثل التعاون وسيلة لجذب الناس وجعلهم منخرطين في مجالات بعيدة عن مجال عملهم ونطاق خبرتهم الرسمية لتحقيق أهداف مشتركة. ويعتبر فهم التعاون من الأمور المهمة لتحقيق الاستفادة القصوى منه.

ليس التعاون هو الأمر المهم هنا. يعتقد كثيرون أن أهمية التعاون تكمن في العلاقات على حساب المهمة التي يتم معالجتها. لكن التعاون يعني اتفاق الجميع على ذات الأمر. عليك هنا توضيح الأمور التي تقف على المحك وتفسير كيف أن النتائج هي المهمة هنا.

التعاون ليس "الترويج المتبادل للأفكار". هناك مفهوم خاطئ متمثل في أن التعاون هو الترويج لخدمات أو منتجات جديدة تكون عادةً تحت إشراف زميل آخر. إلا أن هذا أبعد ما يكون عن الهدف الأساسي من التعاون والمتمثل في معالجة المشاكل الموجودة والبحث عن حل لها.

الحل لا يكمن في التعاون دائماً. كانت الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة "أوغيلفي" (Ogilvy) "شارلوت بيرز" (Charlotte Beers) تقول: "يبالغ الناس في النظر إلى التعاون على أنه الحل السحري. لن ينجح ما لم يكن لديك الشيء الصحيح الواجب القيام به". التعاون مناسب لبعض المهام وغير مناسب لأخرى. في كثير من الأحيان، سيحاول الناس التعاون على كل شيء، ويعلقون في اجتماعات لا نهاية لها، ويناقشون الأفكار ويكافحون للتوصل إلى توافق في الآراء.

اكتساب الخبرة المباشرة. صحيح أن عليك تقدير أهمية التعاون والنظر إليه على أنه أمر مهم، لكن ذلك لا يعني أن تقفز إلى أول فرصة تعاون دون معرفة ما ستقدمه لك. عليك دائماً البحث عن تلك الفرص التي ستغني خبراتك وتفسح لك المجال لتطوير مهاراتك وقدراتك. لا تنظر للتعاون كفرصة عمل مع الآخرين بقدر ما هو فرصة لك لتعلم خبرات جديدة.

المساهمة في مشروع شخص آخر. العمل على معرفة كيف ومتى يحب أن يكون التعاون هو عملية تعلم متواصلة. سيؤدي عملك مع أصحاب الخبرات السابقة قبل تقديم مشروعك الخاص إلى مساعدتك على معرفة الخطوات التقليدية والعمليات والأدوات التي تجعل التعاون فعالاً. كما يمكن أن تساعدك هذه المعرفة على تحديد الحالات المستقبلية التي يكون فيها التعاون لازماً وقادراً على تحقيق النجاح لك.

على سبيل المثال، حقق سمير، أحد مهندسي الزلازل، نجاحاً كبيراً عندما انضم إلى مشروع استقصائي حول الهياكل والذي يقوده فريق من كبار موظفي الشركة، إذ طبق خبرته المتخصصة لمساعدة الفريق على تقييم تأثير الاهتزاز الناجم عن التشييد على البنية التحتية للنقل العام المحيط. ووصل هو والفريق من خلال هذه العملية إلى إدراك مدى قيمة ما يتعلمه خارج نطاق خبرته التقليدية.

العمل على شبكتك. هناك عاملان يحولان دون التعاون، هما الجهل بخبرات الآخرين وعدم الثقة في قدرتهم على تلبية توقعاتك. يمكن أن يساعد بناء شبكتك على حل هاتين المشكلتين. أحد الأمور الهامة هو إقامة علاقات مع الموصلين، وهم أشخاص يملكون بالفعل شبكة كبيرة من الناس ويمكنهم مساعدتك عبر اقتراح من يمكنهم تقديم المساعدة اللازمة لك. سيساعدك هؤلاء على تحديد الخبرات التي تحتاج إليها من ناحية، والعمل كـ"وسطاء نزيهين" ليتحققوا من كفاءة المتعاونين المحتملين من ناحية أخرى. بطريقة مماثلة، تسهم هذه الشبكة -التي لم تكن قد سعيت إليها- ببناء سمعتك كشخص جدير بالثقة، وتجذب المشاريع والزملاء لك.

كن مواطناً صالحاً. تملك معظم الشركات مشاريع تمتد على أكثر من مجال عمل واحد وعلى أكثر من مستوى إداري أو تخصص وظيفي واحد. تستحق هذه المشاريع الوقت الذي ستقضيه فيها، إذ أنها ستسمح لك باكتساب مهارات جديدة، وتطوير قدرتك على الرؤية بشكل شمولي وزيادة الاتصالات الخاصة بك، كما يمكنها أن تؤدي إلى فرص تعاون مستقبلية على أفكار أخرى.

لنأخذ مالك على سبيل المثال، وهو موظف تم تعيينه حديثاً في شركة استشارية عالمية. رغم عمله على مجموعة واسعة من المشاريع، إلا أنه قرر التطوع للعمل على مسح ضخم لفهم مخاوف مسؤولي التشغيل الكبار. علق على تجربته بالقول: "أنا مندهش مما تعلمته، والذي سأتمكن من استخدامه فوراً لتطوير عملي الخاص. لم أدرك أبداً أن شركتنا تحوي خبراء اقتصاد سلوكي ممن يمكنهم تطبيق بحوث نفسية ومعرفية لمساعدة العملاء مع مشاريع تنفيذ تكنولوجية. كما أظهر لي العمل معهم لتطوير استقصاء حول العمليات التشغيلية مدى قوتهم، ثم تعاونّا في وقت لاحق حتى ننافس على الحصول على مشروع جديد آخر. طورت أيضاً تقديراً لأمور أخرى، مثل الاستعانة بمصادر خارجية والمجموعات الاستشارية للمخاطر، ودُعيت للمشاركة في التقدم لمشاريع معهم."

كن استراتيجياً بشأن المشاريع التي تعمل عليها. قد يكون العمل على مشاريع كثيرة أمراً سيئاً. هناك بعض الموظفين ممن يتولون الكثير من المشاريع الصغيرة، ويطبقون معرفتهم على شريحة صغيرة، كما أن منهم من يحاول العمل بشكل جزئي في الكثير من المشاريع وهو ما يجعلهم يتعرضون لمعارف أقل من باقي الأعضاء و احتمالية أقل لأن يكونوا في الغرفة لحظة الوصول إلى الحل. ونظراً لمشاركتهم المحدودة هذه، قد لا يحصلون على التقدير لمشاركتهم في المشروع إن نجح.

تتعدد التحديات الأكثر أهمية اليوم كما تتعدد تعقيداتها وأوجهها بحيث لا يمكن معالجتها إلا من قبل خبراء من مجالات متباينة. ويكمن الحل في امتلاك المهنيين القدرة على تسخير الأفكار والناس والموارد من مختلف الحدود التأديبية والتنظيمية. كما يعتبر إيجاد أول مشروع للعمل هو أفضل طريقة للبدء.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!