تابعنا على لينكد إن

باول لاينواند، وسيزار ميناردي، وآرت كلاينر

في استطلاع عالمي مستمر منذ مدّة ويشمل مجموعة من المدراء التنفيذيين، قال أكثر من نصف المشاركين فيه بأنّهم لا يعتقدون بأّنّ شركاتهم تمتلك استراتيجية رابحة، بينما أشار ثلثاهم إلى أنّهم لا يعتقدون بأن شركاتهم تمتلك القدرات الصحيحة لتنفيذ الاستراتيجيات. هذه النتائج فاجأتنا كثيراً، لذلك قمنا بدراسة لأمثلة عن شركات استثنائية لا تعاني من وجود فجوة بين الاستراتيجية النظرية للشركة والتطبيق العملي لتلك الاستراتيجية. وقد شملت قائمة الشركات التي اخترناها كلاً من أمازون، وآبل، و سيمكس (CEMEX)، و دناهر (Danaher)، وفريتو لاي (Frito-Lay) (وهي القسم المتخصص بالغذائيات في بيبسيكو)، وكذلك هاير (Haier). وقد شكّلت النتائج التي توصّلنا إليها مفاجأة لنا: فالشركات التي كانت بارعة في وضع الاستراتيجية وفي تنفيذها لا تتّبع ذات الممارسات الشائعة في قطاعاتها. وإنما وجدنا بأنّ قادة هذه الشركات يجيدون استعمال خمسة أساليب تكتيكية غير تقليدية في مجال تُعتبرُ مخالفة للحكمة الشائعة.

1- هذه الشركات تمتلك هوية واضحة وهي ملتزمة بالمحافظة عليها. وهي تتجنّب الوقوع في فخ الركض وراء النمو العشوائي ومطاردة الفرص المتعدّدة الموجودة في السوق، وخاصة في الأماكن والمجالات التي ليس لها فيها نصيب. بل على العكس من ذلك. هذه الشركات تمتلك تصوّراً واضحاً عن الأشياء التي تجيدها تماماً، وهي تعمل على تعزيز قيمة المنتجات التي تقدّمها إلى زبائنها، كما تبني قدراتها المميزة لتساعدها في تحقيق أهدافها على المدى البعيد.

دعونا نأخذ شركة ايكيا على سبيل المثال والتي بدأت على شكل متجر واحد في إحدى غابات السويد ثم تحوّلت لتصبح أبرز علامة تجارية عالمية في المفروشات المنزلية، محافظة دائماً على هويتها الحقيقية: “خلق حياة يومية أفضل لكل الناس”. فكلّ ما تفعله ايكيا – من أبحاثها المعمّقة في طريقة عيش الناس فعلياً لحياتهم في المنزل إلى نموذجها ذي الطابع المقتصد القائم على الاختيار الذاتي والنقل الذاتي والتجميع الذاتي للمفروشات – مصمّم للإيفاء بالوعد الذي قطعته الشركة على نفسها، وهو يُعتبرُ بمثابة ترجمة عملية للأشياء التي تبرع ايكيا فيها.

2-  يفترض الكثير من مدراء الشركات بأنّ عليهم تبنّي الممارسات الجيدة الشائعة في قطاعهم والتعامل مع المقاييس الخارجية بوصفها الطريق المضمون لتحقيق النجاح. لكنّ الشركات التي درسناها تؤمن بالعكس من ذلك. فهي تترجم الجوانب الاستراتيجية إلى تفاصيل يومية. فهي تصمّم وتبني قدراتها الذاتية التي تجعلها مميزة عن الشركات الأخرى المنافسة لها. ثمّ تضع هذه القدرات موضع التطبيق العملي بطرقها المميزة.

فعلى سبيل المثال، أسهمت شركة اندكس (Inditex) الإسبانية صاحبة متاجر بيع الملابس ومالكة العلامة التجارية زارا، في حصول تحوّل في قطاع الأزياء، أدى إلى انقلابه رأساً على عقب من خلال تطوير قدراتها في مجال التصميم السريع للأزياء والتصنيع السريع لتلك التصاميم. وهذا الأمر يسمح للعلامة التجارية زارا تقديم 36 ألف تصميم جديد مذهل سنوياً في أكثر من 1900 متجر في أنحاء العالم.

3- من الممارسات التجارية الأخرى السائدة على نطاق واسع لحل مشكلة التنفيذ التي تواجهها الشركة هي إدخال تغييرات بنيوية على الشركة من خلال تعديل هيكلها التنظيمي وإعادة النظر في نظام الحوافز فيها. فغالباً ما يُنظر إلى ثقافة العمل السائدة في الشركة بوصفها عاملاً معيقاً، هذا إذا ما أخذت بعين الاعتبار أصلاً. لكنّ الشركات التي درسناها تؤمن بثقافتها الذاتية وتضعها موضع التطبيق العملي عوضاً عن ذلك. وهي تستفيد من طرائق التفكير والسلوكيات المتأصلة في بنية الشركة والموجودة أصلاً، والتي قد لا تكون ظاهرة للعيان، وإنما تكون موجودة تحت السطح. وبالتالي فإن هذه الشركات تعتمد على الثقافة السائدة فيها وليس على هيكلها التنظيمي من أجل قيادة عملية التغيير.

ومن الأمثلة العملية الجميلة على هذه الحالة شركة ناتورا (Natura) البرازيلية. فالثقافة المؤسسية السائدة في هذه الشركة تثمّن عالياً العلاقات الإنسانية والطبيعة وتعليهما فوق كل شيء. وقد ساعدها هذا الأمر في استقطاب مليون ونصف المليون مندوب مبيعات. وهؤلاء الأشخاص المغرمون بالعلامة التجارية للشركة يحاولون بناء علاقة طيّبة مع كلّ سيدة تقريباً في أمريكا الجنوبية، الأمر الذي يجعل شركة ناتورا أكبر شركة في تلك المنطقة في مجال مستحضرات التجميل والعناية الشخصية.

4-  قد تحاول الشركة التقليدية التقليل من التكاليف والمصاريف في كل الأقسام والمجالات من خلال التقشف في جميع هذه الأقسام دفعة واحدة. لكنّ الشركات التي درسناها تخفّض التكاليف بطريقة تسمح لها بأن تصبح أقوى. فهي تستعمل مواردها بطريقة استراتيجية، بحيث تضاعف استثماراتها في عدد قليل من قدراتها الأهم بالنسبة لها، وبعد ذلك تخفّض استثماراتها في المجالات الأخرى كلّها.

هذه هي أيضاً الطريقة التي اتّبعتها شركة ليغو لكي تتحوّل من شركة تخسر مليون دولار يومياً عام 2004 إلى أكبر شركة ألعاب في العالم عام 2015. فالشركة كانت تتكبّد مصاريف هائلة في مجالات لم تكن تمتلك القدرة على الفوز فيها على المنافسين، مثل الثياب والحدائق المتخصصة. لذلك اتخذت قراراً بوقف هذه الأنشطة، ولجأت إلى الاستثمار بشكل أكبر في الأشياء التي تميّز ليغو بحق، حيث وسّعت نشاطها من عالم حجارة الليغو التقليدية إلى العالم الرقمي، وعملت على تنمية مجتمع أصدقاء ليغو في جميع أنحاء العالم. وهكذا تمكّنت الشركة وبعد أن وضعت حجراً فوق حجر من استعادة ربحيتها.

5- أخيراً، لا تحاول هذه الشركات أن تصبح شركات تعمل بأسلوب رشيق لمجرّد العمل بهذه الطريقة فقط. فهي لا تتجاوب مع التغيّرات الخارجية بأسرع وتيرة ممكنة. بل على العكس من ذلك، تحاول صنع مستقبلها بيدها من خلال إدخال التغييرات التي ترغب هي بإدخالها وليس ما هو مفروض عليها من الغير.

من الأمثلة الكلاسيكية على هذه الحالة شركة “ستاربكس”. فزبائنها كانوا يعتقدون بأنّهم يريدون احتساء القهوة فحسب، لكنّ الرئيس التنفيذي للشركة هوارد شولتز كان يعلم بأنّهم يريدون “مكاناً ثالثاً” ليجتمعوا فيه، أي خارج المنزل والمكتب. وها قد وصل عدد محلات ستاربكس إلى أكثر من 22 ألف مقهى والعدد في تزايد، والشركة لاتزال تطوّر مفهومها ولا تزال تهيمن أيضاً على هذا الفضاء الذي خلقته لنفسها في مجال المقاهي الاجتماعية.

إنّ السير على منوال هذه الشركات في طرق عملها تلك يحتاج إلى الكثير من الثقة. وهذا يبيّن مدى أهمية الصفات التي يتّسم بها كبار القادة والمؤهلات التي يحملونها. فالمدراء التنفيذيون في الشركات يتجنّبون الحكمة التقليدية الشائعة، ليس على قاعدة “خالِف تُعرَف”، وإنما لأنّهم يركّزون على الأسئلة الجوهرية المتعلقة باستراتيجية الشركة، مثل: من نريد أن نكون؟ ما هي القيمة التي اخترنا تقديمها للناس؟ وهم يركّزون أيضاً وبالقدر ذاته على الأسئلة الجوهرية المتعلقة بتنفيذ الاستراتيجية: ما هي الأشياء التي يمكننا فعلها بطريقة مذهلة لا يمكن لأحد آخر أن يقلدنا فيها؟ ما هي القدرات الأخرى التي نحتاج إلى تطويرها؟ وكيف سنحدد هذه القدرات ونبنيها ونوسعها ونضعها موضع التطبيق؟

هم يفكّرون في جميع هذه الأسئلة في الوقت ذاته، وفي المحادثات ذاتها مع الفرق ذاتها، ليضمنوا وجود تكامل وثيق بين الاستراتيجية والتنفيذ في كل قرار. وهم يفعلون كلّ ذلك بمنتهى الجرأة، والثقة، والفطنة التي تأتي من كونهم قد كسبوا الحق بالفوز، والقدرة على التفاعل في السوق التي اختاروها باستعمال قدراتهم التي تكون دائماً أعلى وأفضل من القدرات الموجودة لدى منافسيهم.

نحن لا نقول هنا بأنّ هذه الإجراءات الخمسة التي يتّخذها القادة هي الطريق الوحيد الذي يمكن للشركة الرابحة أن تسلكه. لكنّه الطريق الوحيد الذي نعرف بأنّه يسدّ الفجوة بين الاستراتيجية النظرية والتنفيذ العملي. ولا يبدو أنّ هناك طريقاً آخر يوفّر النوع ذاته من النجاح المستدام على المدى البعيد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

2 تعليقات على "خمس طرق لسدّ الفجوة بين الاستراتيجية النظرية والتنفيذ العملي"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Abdulkarim4587
زائر
Abdulkarim4587
2 سنوات 5 شهور منذ

السلام عليكم
الفقرة ثالثا غير موجودة

Dimah
Member
Dimah
1 سنة 9 شهور منذ

رائع و رأينا نماذج محلية نجحت من خلال اتباع كل او لعض هذه الطرق،
باختصار
١- الثبات على الهوية و من نحن
٢- بناء القدرات الذاتية
٣-التعامل مع الثقافة الذاتية المميزة للشركة
٤-وقف الإنفاق على مجالات لن تتمكن من الفوز فيها و زيادة الإنفاق حيث من الممكن تحقيق النجاح و التميز
٥- تدخل التغيير من خلال ما ترغب و ما يخدم توجهها و ليس لتطبيق ما هو سائد فقط.

wpDiscuz