يبدو أن علينا شكر وسائل التواصل الاجتماعي التي دفعت بالأعمال إلى إعادة التفكير بالتأثير، إذ يمكنك التحكم بما تقوله في إعلان أو اجتماع للمبيعات أو رسالة داخلية في الشركة، لكن عندما يتواصل الناس في ما بينهم تفقد سيطرتك على ما يُقال أو ما يحدث. ويبرز التحدي الجديد في كيفية التأثير عن بعد.

تُعتبر نماذجنا الذهنية – كتلك التي تأتي عادة من ميدان القتال أو من علم الأحياء – غير مهيئة تماماً لهذا التحدي. وعليه، من أجل فهم التأثير عن بعد، يجب النظر إلى نوع مختلف من القوة: ليست القوة الميكانيكية أو البيولوجية، بل قوة الجاذبية.

تعرّف الجاذبية بأنها قوة تجذب أي جسم له كتلة. وفي حقيقة الأمر أن كل عملية جذب من جسم لآخر في هذا الكون تعرف باسم قانون نيوتن للجذب العام. فالأجسام من ذوي الكتل الأكبر لديها قدرة عالية على الجذب، وتزداد قوة العزم بشكل مطّرد كلما كانت الأجسام أقرب إلى بعضها.

يمكن القول أن للجاذبية أربع سمات ذات صلة بالفكر حول الاستراتيجية في العصر الرقمي.

أولاً، الجاذبية هي قوة جذب

تتحول نماذج الأعمال من الدفع إلى السحب، وذلك كما أشار جون هيغل وجون سيلي براون. وبدل دفع الموارد لتلبية الطلب المتوقع، تقوم شركات مثل أوبر وزارا بتمكين عملائها كي يحركوا الموارد بسحبها كما تقتضي الحاجة. وهناك تغيير مماثل يحدث في التسويق مع تحول الإنفاق على الإعلانات من استراتيجيات الدفع التي تركّز على بث الرسالة إلى استراتيجيات السحب التي تستجيب أو تتنبأ باهتمامات العميل. وفي هذا الإطار، تمنحنا الجاذبية طريقة لمقارنة نسبية قوة استراتيجية السحب، سواء كان ذلك باعتبارها منصة أعمال أو أسلوب تفاعل.

ثانياً، الجاذبية تؤثر عن بعد

صحيح أنّ الأشياء أكثر ترابطاً مع بعضها البعض في عالمنا المتصل اليوم، لكنها أيضاً أكثر تشتتاً. وبالنتيجة، يزيد احتمال حدوث أشياء خارج مجال رؤيتنا: في السياسة، شهدنا انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والنتيجة المفاجئة للانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، فيما شهَدنا في عالم الأعمال حركات تمرد الزبائن كتلك التي حدثت ضد “التوازن الجديد”. كما أنّ العلامات المميزة تدرك الفعالية المحدودة للمحتوى الموسوم الذي بإمكانهم التحكم به. إذن، يأتي التأثير الحقيقي من تحفيز التوجهات والأيديولوجيات التي تحدث في الثقافة الأوسع.

ثالثاً، الجاذبية واسعة الانتشار

لم يعد ممكناً التحكم بالمنتج. إذ يتوجب علينا افتراض أنّ كل شخص بإمكانه أن يرى وسوف يرى كل شيء. لهذا تخطط أمازون لما تطلقه من منتجات على افتراض أنّ الأخبار سوف تُسرّب، حيث يفرض هذا الوضع على الشركات الحاجة للعثور على طرق تمكنها من أن تكون في كل مكان، وفي كل وقت. لقد أصبح المشهد الإعلامي متشظياً جداً بحيث أنّ استهداف جماهير محددة فقط لم يعد مجدياً. واليوم، يُعتبر الناس هم القناة الجديدة. وتمنحنا الجاذبية طريقة للتفكير في كيفية الوصول إلى أي شخص وفي أي وقت.

رابعاً، الجاذبية تضاعفية

تُعتبر القدرة على تسخير النمو التضاعفي سمة مشتركة بين نظم الأعمال الهدامة ومفتاحاً استراتيجياً ناجحاً للمنصات. لكن المشكلة هي أنّ الطرق التقليدية في التفكير بالاستراتيجية تُعتبر طرقاً ميكانيكية، ولهذا تُعد تصاعدية. أما الجاذبية فتمنحنا طريقة تضاعفية للتفكير في الاستراتيجية. وبينما تجذب الجاذبية الأجسام إلى بعضها، يزداد التأثير الجاذبي تضاعفياً.

تخبرنا الفيزياء أنّ الجاذبية أكثر تعقيداً من مجرد جسمين يجذبان بعضهما البعض كالمغناطيس. أظهر آينشتاين أنّ الجاذبية تشوّه الوقت والزمان، حيث تسبب الجاذبية انحناءً في الكون، مثل (كرة البولينغ) عندما تسقط في منتصف الصالة، فتغير المسار الذي كان يتّجه إليه ذلك الجسم. وبطريقة مماثلة، يمكن للشركات التي تستخدم نموذج الجاذبية للمنافسة أن تسبب انحناءً في السوق، وتغيّر ديناميكيات الصناعة. يمكن القول أنّ ما يفعلونه يتعدّى مجرد تحقيق أهدافهم ودفعها عبر قمع المبيعات: هم يخلقون علاقة مستمرة تغيّر مسار حياة العملاء وعمليات الشركات.

وللتنافس مع الجاذبية، يتوجب على استراتيجيتك توليد قوة جذب تسحب الناس إلى مداراتها وتساعدهم على سحب الآخرين أيضاً. إليك هنا ما تحتاجه:

مولدات الجاذبية. لتخلق قوة جذب، يجب أن تنطلق في تفكيرك إلى أبعد من القيم المعروضة والجمهور المستهدَف. إذ تنشأ الجاذبية من هدف مشترك يُخلق مع أصحاب المصلحة في عملك باعتبارهم مشاركين، ولا يُخلق لهم أو من أجلهم كمستهلكين. على سبيل المثال، تخلق شركة سيفورا جاذبية من خلال رسالتها “الجمال معاً”، وتربط نفسها مع العملاء باعتبارهم فنانين. أما شركة نايكي فتخلق الجاذبية عبر رسالتها لإلهام الرياضي الكامن في كل منا، وهي ترتبط مع الجميع باعتبارهم رياضيين. مقولتها المعروفة “إن كنت تملك جسداً، فأنت رياضي”.

المدارات التجريبية. لتحويل الغاية إلى ربح، تصمم الشركات مدارات تُبقي العملاء (وغيرهم من أصحاب المصلحة) في علاقة مستمرة تتجاوز التعاملات الفردية، أو تبقيهم في مدار ما. وبدلاً من استخدام العلاقات لدفع التعاملات المادية، تغرس شركات الجاذبية التعاملات ضمن العلاقات. يُعتبر برنامج برايم من أمازون مداراً متطوراً يجذب الأعضاء عبر مجموعة عريضة من التجارب، بدءاً من التسوق إلى الكتب الإلكترونية إلى بث الوسائط. من جهة أخرى صممت كل من جوجل وآبل أنواعاً مختلفة من المدارات. إذ يتضمن مدار جوجل البحث والبريد الإلكتروني والخرائط، أما مدار آبل فيتضمن “آي تيونز” و”فيس تايم” و”جينيس بار”.

افرض المضاعفات. تخلق الشركات التي تنافس على الجاذبية ما يشابه النظم الشمسية، بوجود هدف مشترك في المركز بينما يكون أصحاب المصالح في مدار محيط بتلك الغاية، كالكواكب. لكن الكواكب تولّد جاذبيتها الخاصة. ويمكن تشبيه شبكات أصحاب المصالح لديك بالأقمار حول الكوكب. وبمساعدتهم على توليد جاذبيتهم الخاصة تجذب الآخرين إلى مسارك. على سبيل المثال، تقوم منتجعات فيل (Vail Resorts) بذلك من خلال برنامج إيبيك ميكس (EpicMix)، الذي يحوّل التزلج إلى تجربة اجتماعية. إلى جانب ذلك، قامت توب غولف (Topgolf) بالأمر نفسه من خلال مساحات التدريب على الغولف. وبالنتيجة: عندما تساعد الأشخاص على جذب الآخرين، تجعل من نفسك قوة جذب أقوى.

ستساعدك الأسئلة التالية على فهم مدى إجادتك لتوليد الجاذبية وتطويع السوق لمصلحتك:

هل تركز روايتك أكثر على منتجاتك أم على رسالتك؟ هل من سبب يجعل الناس يريدونك أن تنجح في مهمتك حتى لو لم يشتروا منك؟

ما نسبة التفاعلات مع الشركة غير المرتبطة بمعاملة بيع أو خدمة؟ وهل تخلق للناس قيمة تتجاوز المنتجات التي تبيعها؟

ما نسبة التفاعلات التي تحدث حول علامتك المميزة أو منتجك من دون مشاركة مباشرة منك؟ وما مدى إجادتك لدعم هذه التفاعلات (دون أن تكون المتحكم بها)؟

كيف تبدو كل هذه الأمور لدى تجميعها معاً؟ تخيل صناعتك كما لو كانت مجرة. ولكل منافس نظامه الشمسي. ويطوف عملاؤك المحتملون في الفضاء. ويتمثّل هدفك في خلق ما يكفي من الجاذبية لسحبهم إلى مدارك، وإزاحة أولئك الموجودين على الأطراف الخارجية لنظم منافسيك وجلبهم إليك.

حالما يصبحون في مدارك، عليك أن تستمر في تقريبهم منك، فتزيد من ولائهم ودفاعهم عنك وتجذب زملاءهم من شبكاتهم إليك. وبينما ينمو حجم نظامك الشمسي (أو الاجتماعي)، تكبر الجاذبية التي تولدها. أما إن ضعفت جاذبيتك، سيأتي منافس ويسحبهم بعيداً عنك.

لطالما تمحورت الميزة التنافسية تقليدياً حول الحواجز التي تحول دون دخول السوق، لكنها اليوم أصبحت أكثر تمحوراً حول توليد قوة جذب أقوى.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!