تابعنا على لينكد إن

إذا كنت تعتقد أنّ الاستدامة مهمة لشركتك ولكنها من “مسؤولية الآخرين” فلست وحدك تعتقد ذلك، إذ تتحدث جميع الشركات عن الاستدامة، وعن القيام بأمور على غرار دمج المخاوف البيئية والمجتمعية في أنشطتها، إلا أنّ قلة من تلك الأفكار تُدمج في أعمال الشركات بالفعل. ومن غير المفاجئ معرفة أنّ انبعاثات الكربون من أكبر شركات العالم في تزايد، في نفس الوقت الذي فيه فقط 200 شركة من بين أكبر 600 شركة أميركية تملك أي نوع من أنواع الإشراف المنهجي على الاستدامة على مستوى مجلس الإدارة.

قمت بإجراء مقابلات مع أكثر من 100 شخص في قائمة تشمل كبار الرؤساء التنفيذيين والمدراء العامين والمدراء من الفئة الإدارية المتوسطة وحتى الموظفين في أكثر من 25 شركة، وذلك لفهم لماذا تفشل معظم الشركات في إدراج الاستدامة في نماذج أعمالها وما الذي جعل تلك التي أدرجتها تقوم بذلك؟ واكتشفت أنّ الجواب يتمثل في كلمة واحدة وهي “الملكية”. إذ قامت الشركات الناجحة في التطبيق بإنشاء الظروف للأشخاص المنخرطين في القضية لجعلهم مالكين لمفهوم الاستدامة. بعبارة آخرى، لم تعد الاستدامة هنا “مشكلة البقية”. واستناداً إلى هذا البحث، وضعت نموذجاً من ثلاث مراحل يبين كيف يمكن للشركات تخطيّ الإخفاقات والوصول إلى الاستدامة.

تشير الملكية النفسية إلى مشاعر الحيازة والاتصال التي نطورها نحو غرض جذاب، والذي قد يكون شخصاً أو شركة أو حتى فكرة. وأظهرت البحوث أنّ مشاعر الملكية التنظيمية تؤدي إلى زيادة الرضا الوظيفي والمشاركة والإنتاجية والأرباح. ويجعل هذا الملكية مفهوماً قوياً لأولئك الذين يسعون إلى تحفيز شركة حول الاستدامة. ونرى يومياً أدلة على تغيّر المناخ وغيرها من القضايا التي تضر رفاهنا، ويتوق معظمنا إلى القيام بشيء ولكن لا يعرف ما هو ولا كيفية القيام به. ويمكن للشركات سد هذا الفراغ واكتساب ميزة تنافسية من خلال تحويل الجهات ذات العلاقة من متفرجين إلى مالكين للاستدامة، ما يؤدي إلى حدوثها بشكل عام وحدوث ذلك الجزء المرتبط بالصالح الاجتماعي والذي يمثل جزءاً مهما فيها.

يمتلك إطار العمل الخاص بي لإنشاء ملكية للاستدامة ثلاث مراحل: الاحتضان، والإطلاق، والترسيخ.

تكون البداية أولاً في الاحتضان، حيث يتم القيام بذلك عبر: أولاً، تحديد ملامح مجال الاستدامة الخاص بمؤسستك من خلال التفكير في أهداف أعمالك ودورها المحدد في العالم. ثانياً، جعل أهدافك مركزة أكثر من خلال إنشاء قائمة مبنية على أبحاث حول القضايا الجوهرية عبر كامل سلسلة القيمة. وتحدد هذه القائمة مجالات التداخل في أولويات استدامة الشركات والجهات ذات العلاقة. على سبيل المثال، رأت شركة آي إن جي (ING) للخدمات المالية أنّ من إحدى المسائل الجوهرية المتصلة برؤيتها للاستدامة تمويل مجموعة متنوعة من “التحولات المستدامة” في صناعات مثل التكنولوجيا النظيفة والعقارات. وقامت الشركة باستخدام ذلك كأساس لوضع هدف جديد للتحولات المستدامة بقيمة 35 مليار يورو، وبحلول عام 2016 كانت الشركة قد بلغت بالفعل الهدف ووصلت إلى مبلغ 34.3 مليار يورو، ما دفعها إلى إعادة النظر في الهدف.

وتحقق العديد من الشركات تقدماً كبيراً مثل هذا في مرحلة الحضانة، ما يدل على استعدادها للوصول إلى مرحلة الملكية، وحتى تحديد الفرص لاتخاذ الإجراءات المناسبة. ومع ذلك، يملك عدد قليل جداً من تلك الشركات القدرة على تطبيق الاستدامة بشكل كامل في جميع أركان أعمالها عبر هذه الخطوة لوحدها.

ينطوي إطلاق خطة الاستدامة الخاصة بك على تعريف الجهات ذات العلاقة بالخطة وجعلهم يتحمسون لها في الوقت نفسه. ومن أجل إغراء الموظفين والأشخاص المعنيين لامتلاك الاستدامة، ينبغي الترويج لها كفرصة للمساهمة في مستقبل الرفاهية لكل من الشركة والمجتمع. وعليك في بعض الأحيان مخاطبة العقل (عبر تقديم الحوافز المالية وشرح الوفورات في التكاليف والحديث عن التقدم الوظيفي)، وأحياناً أخرى مخاطبة القلب (النظر إلى الفرق الذي سنحققه). وفي أحيان أخرى، عليك مخاطبتهما معاً.

على سبيل المثال، قامت رئيسة قسم الاستدامة في شركة الخدمات المالية أولد ميوتشوال بتنظيم ورشة عمل ضمت ما يزيد عن 40 قائداً واعداً، حيث أظهرت هذه الورشة لهم أنه من خلال قروضهم وباقي خدماتهم، فإنّ لهم تأثيراً حقيقياً على عملائهم. ومع نهاية الورشة، قال أحد المدراء: “نحن نجري فعلياً تلك النقاشات، حيث يمكننا رؤية كيف يمكننا تغيير حياتنا من خلال ما نقوم به في وظائفنا اليومية”. وأدت هذه الرؤية إلى أن يشعر الفريق بأنهم يأتون لكي يعملوا على مهام أسمى من مجرد إنشاء البيانات وعرض الأرقام. لقد كانت طريقة فعالة لجعلهم يدركون أنّ أعمالهم تدور حول أمور أكبر من كسب المال، وهي نوع من الرؤية التي تسمح للشركات ببدء المحادثة حول ملكية الاستدامة.

صحيح أنّ محاولة الوصول إلى القلوب تؤدي إلى إقناع البعض بتحمل ملكية الاستدامة، إلا أنّ سرد المنطق الاقتصادي يعمل بشكل أفضل عند عرض الأمر على أعضاء مجالس الإدارات والمدراء العقلانيين. وتقوم شركة آي بي إم بتطبيق حالة الاستدامة من خلال السير خطوة بخطوة مع مدرائها العقلانيين. على سبيل المثال، أقنع خبراء الاستدامة في الشركة الرؤساء التنفيذيين بالانتقال من الخوادم الأقدم وذات الكفاءة المنخفضة إلى الخوادم الحديثة والذكية من خلال عرض الوفورات في تكاليف الطاقة وانخفاض انبعاثات الغازات الدفيئة فضلاً عن القدرة على الاستفادة من الفائض الذي تم توفيره في المساحة والتبريد لدعم الأعمال الجديدة.

ومن الضروري أيضا توفير التدريب المناسب وإنشاء النظم الملائمة لتمكين الجميع من جعل الاستدامة جزءاً من عملهم. وكما قال لي كيث ويد، المدير التنفيذي لشركة يونيليفر (Unilever): “لا تقم بإنشاء إدارة صغيرة للاستدامة ضمن مكتب صغير في الزاوية، بل عممها على جميع البلدان وجميع العلامات التجارية وجميع الأقسام. وكلما تمكنت من تقديم ذلك على أنه استثناء، كلما فكر الجميع بأنهم استثنائيون. تعمل يونيليفر في أقسام البحث والتطوير والتسويق فضلاً عن إنشاء وتعزيز المنتجات التي تخدم كل من الأعمال والمجتمع. ومن نتائج هذا الفكر: كان صابون يونيليفر غير المائي والذي ينقذ الأرواح من خلال منع انتقال البكتيريا الخطرة وتوفير المياه، وهو مورد حيوي محدود في الأسواق الناشئة. ونرى هنا كيف أنه عندما يستخدم جميع الموظفين والجهات ذات العلاقة عدسة الاستدامة لاتخاذ القرارات، يتجذر نموذج أعمال جديد.

يؤدي ترسيخ مشاعر الملكية هذه إلى جعل الاستدامة أمراً تلقائياً. بمعنى آخر، أمراً يقوم الناس به دونما تفكير. ومن شأن إجراء قياسات للنجاح وتقديم الملاحظات المستمرة بشأن أهداف الاستدامة إزالة الغموض عن مساهمات الجهات ذات العلاقة والتحرك تدريجياً نحو امتلاك الاستدامة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من وظائفها. يمكن للمدراء استخدام أهداف الاستدامة لتقييم تقاريرهم المباشرة ومقارنة الموظفين والإدارات والأقسام والوحدات التجارية. لقد زرت المصانع التي لديها بطاقات أداء كبيرة والتي كانت تعرض التقدم المحرز في محاولاتها لتخفيض الغازات الدفيئة والمياه والنفايات مقارنة بمصانع أخرى، وهو أمر يطلق بدوره محادثات حول هذا، ويجعل الأمر يتحول ليشكل دافعاً وفخراً ويغذي شعوراً أقوى من ملكية الاستدامة.

وتستخدم شركة باسف (BASF) نظاماً محلياً يسمى التوجيه المستدام للحلول لتقييم منتجاتها مقابل احتياجات واتجاهات الاستدامة، ووضع خطط عمل للتسويق أو تغييرات في المنتجات من خلال البحث والتطوير. وباستخدام هذا النظام، أدركت باسف أنّ المواد المتعددة الفلورة تمثل تحدياً بيئياً وطورت بدورها مواداً قابلة لإعادة التدوير وقابلة للتحلل بدلاً من ذلك.

يمكنك أيضاً النظر إلى الآثار غير المباشرة للاستدامة – باستخدام مؤشرات مثل الاحتفاظ بالموظفين ومعدلات ولاء العملاء – من أجل إجراء حالة أعمال مستمرة من أجل الاستدامة. وباستخدام التحليلات الإحصائية مثل معدل التناقص، وجدت أنه في حال كانت باقي العوامل الأخرى متساوية، فإنّ مبادرات الاستدامة للشركة تؤثر بشكل إيجابي على كل من سلوكيات الشراء لدى العملاء والاحتفاظ بالموظفين وحتى ردود فعل المستثمرين.

وهناك طرق متعددة لإحياء تجربة ملكية الاستدامة. على سبيل المثال، تقوم مبادرة ماركس أند سبنسر (Marks & Spencer’s) التي تحمل اسم “اصنع بصمتك” (You’re your Mark) بربط الموظفين بالشباب العاطلين عن العمل، حيث يعملون على مساعدتهم على تطوير مهاراتهم وثقتهم. كانت في البداية مبادرة صغيرة، ولكن سرعان ما تطورت لتصبح جزءاً لا يتجزأ من ثقافة الشركة، حيث بات لديها قائمة طويلة من الموظفين الراغبين في تقديم تلك المساعدة لأولئك الشباب. كما تقوم الشركة أيضاً بتمكين المتاجر المحلية من القيام بحملات مرتبطة باحتياجات مجتمعاتها المحلية بحيث يتحمل موظفو المتجر مسؤولية الاستدامة بدورهم.

ومن الحكمة أيضا قيام الشركات بتوسعة تجربة الملكية لتشمل المشاركة في الجهود المبذولة على نطاق الصناعة أو القطاعات من أجل دفع التغيير المنهجي. وكما قال لي أحد المسؤولين التنفيذيين: “ما لم تنتقل الصناعة بأكملها إلى المنهجية الجديدة، لن تُحل المشكلة إلا بشكل سطحي”.

وقد أطلقت عدة صناعات شراكات جمعت حتى منافسين تجاريين شرسين. ففي العام 2009، اجتمع الرؤساء التنفيذيون لأكثر من 400 شركة، من بينها نستله وكوكا كولا وبيبسي، لتشكيل منتدى السلع الاستهلاكية. ومن بين الاتفاقيات الأخرى، تعهدت هذه الشركات بالعمل معاً للتقليل من إزالة الغابات إلى أن تصبح النسبة (0) بحلول عام 2020 وذلك من خلال التوريد المسؤول للسلع الأساسية مثل فول الصويا وزيت النخيل ولحم البقر والورق واللب.

يعمل معظمنا للحفاظ على قيمة الأشياء التي نملكها، ويمنع إنشاء ملكية قضايا الاستدامة الشعور بأنها “مشكلة شخص آخر” وعليه أن يديرها بنفسه. ستؤدي الإجراءات الصغيرة من جانب الجميع إلى اختلافات كبيرة: شركة تبرهن عن نظرتها المستقبلية مع موظفين منتجين ومنخرطين فيها وكوكب أكثر صحة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz