في صباح أحد الأيام أثناء إذاعة برنامج ’’ذا إيرلي شو‘‘ في نيويورك، أخطأ أحد زملائي بعد أن اختلطت عليه الأمور وحوّل البرنامج إليّ قبل 5 دقائق من موعد بدء فقرتي، والتي كان من من المفترض أن تغطي خبراً عاجلاً عن الفساد السياسي في واشنطن. كما أنّ شاشة التلقين عرضَت قصة أخرى كانت كما أذكر عن قطط في أحد الملاجئ المحلية. وجدت نفسي فجأة في بث مباشر على التلفاز الوطني أمام ملايين المشاهدين – مع إعداد خاطئ، ومع فيديو لقطط في ملجأ بدل قطط واشنطن السمينة.

هذا النوع من اللحظات هي ما يختبر الإنسان. استجابتنا للمشكلة، وليس المشكلة نفسها، هي ما يهم في حياتنا وعملنا. في عملي الآن كباحثة في علم النفس الإيجابي أدرسُ عقلية الأشخاص الذين يتجاوزون التحديات العالية التوتر، الكبيرة منها والصغيرة على حد سواء، والذين يًبلون بلاءً حسناً وسط الشدائد. كانت نتيجة أحدث دراساتنا: 91% منّا بإمكانهم أن يصبحوا أفضل في التعامل مع التوتر.

في دراسة أجريناها بالشراكة مع ’بلاستيسيتي لابس ’’ Plasticity Labs‘‘، وجدت أنا وزملائي شون أشور (زوجي) وبرنت فورل أنَّ سبب قلقنا ليس هو المهم: المهم هو كيفية استجابتنا للمحرض في البيئة ذات الصلة. يمكن عادة تصنيف استجابتنا على التحديات ضمن ثلاث أبعاد محددة ومجربة:
• الهادئ تحت الضغط: هل أنت هادئ ومستجمع لنفسك، تعطي عقلك فرصة لإيجاد الطريق أمامك، أم أنَّ عقلك مليء بالأفكار المضطربة والقلقة والمتوترة التي تنهكك؟
• المتواصل المنفتح. هل تشارك خلافاتك مع أناس في حياتك بطريقة تخلق روابطاً معهم، أم أنك تبقيها لنفسك وتكافح في صمت؟
• حلّال المشاكل النشط. هل تواجه التحديات وجهاً لوجه وتضع الخطط، أو تنكر حقيقة ما يحدث في حياتك وتلهي نفسك؟

هذه الأبعاد الثلاثة أساسية للاستجابة الأمثل للتوتر وهي منبئ قوي بمدى نجاحنا وهنائنا على المدى الطويل في عملنا. باختصار، لما تفكر به وتقوله وتفعله الأثر الأكبر على سعادتك في الحياة. وعلى هذا الأساس، يمكننا بفهم مكامن ضعفنا عند الاستجابة للمشاكل تحويل تفكيرنا وسلوكنا بحيث تصبح استجابتنا أفضل وتقل التكلفة العاطفية التي ندفعها بعد انتهاء الحدث الباعث على التوتر.

الخطوة الأولى لصياغة نموذج فكري أكثر تأقلماً هي فهم استجابتك الافتراضية الحالية. بعد اختبار أكثر من 5,000 شخص باستخدام تقييمنا المعتمَد (يعرف باسم ’’مقياس الاستجابة للتوتر‘‘) وجدنا لدى غالبية المشاركين استجابتين دون المستوى الأمثل في ظروف التوتر في العمل: 27% من الأشخاص هم ما ندعوهم ’’المروِّحون‘‘ و26% ندعوهم ’’المنبَّهون بالخمسة‘‘.

جميعنا نعرف كيف يبدو المروِّحون في العمل. هم معبّرون للغاية عن مكامن أنفسهم لهذا تراهم منفتحين جداً على ما في حياتهم من أحداث متوترة، وهي في الواقع ميزة إيجابية. أظهر بحث سابق أنَّ التحدث إلى الآخرين عن التحديات (دون مبالغة) يقوّي علاقتنا مع الأصدقاء والزملاء المقرّبين ويسهم في سعادة أكثر. على أية حال، يعاني هؤلاء في بعدين آخرين: القدرة على المحافظة على هدوء أعصابهم تحت الضغط، والنشاط في حل المشاكل. بعبارة أخرى، في حين أن المروّحين قادرون على الاعتراف بالضغوطات والتصريح عنها إلا أنهم يتوقفون عند هذا الحد. ينفسّون عمّا في أنفسهم استجابة للتوتر دون القيام بأي فعل إيجابي. كما أنَّ دراستنا ترى أنَّ هناك علاقة متبادلة بين الترويح وتراجع مستوى المعيشة والأداء والنجاح المهني في العمل، بالإضافة إلى ارتباطه بسعادة أقل في الحياة.

بدورهم ’’المنبَّهون بالخمسة‘‘ جيدون جداً كذلك في الإخبار عن توترهم (الكل يعرف بالأمر)، لكن في حين يتوقف المروِّحون عند هذا الحد يتخذ المنبَّهون بالخمسة أفعالاً لحل المشكلة. قد يبدو هذا رائعاً، لكن مشكلتهم تكمن في عدم تمييزهم بين التوتر المنخفض والتوتر العالي فتراهم يستجيبون إلى كل توتر كما لو كان استجابة لإنذار حريق من الدرجة الخامسة، فيعانون نتيجة لذلك تكلفة عاطفية ضخمة مع كل ما يقولونه ويفعلونه. من المرهق أن تكون منبَّهاً بالخمسة. أضف لهذا أنَّ مواجهة تجيّشات عاطفية باستمرار يُنبئ أيضاً بالمزيد من الإنهاك والتعب والشعور بالذنب بعد اتخاذ القرار.

في حين يقع أكثر من نصف الأفراد في العمل ضمن هاتين الفئتين، هناك استجابة أخرى أكثر مرونة على التوتر والمصاعب. ’’المستجيبون الهادئون‘‘ هم أشخاص يستجيبون بهدوء ومنطقية على التحديات، يسجلون علامات عالية على المقاييس الثلاثة ويتمتعون عادة بأعلى درجات السعادة والنجاح. لدى المستجيبن الهادئين عادة حفنة من الناصحين الموثوقين. يتحركون إلى العمل سريعاً بعد إجراء اتصالاتهم مع واحد أو اثنين منهم. أظهرت الدراسات أن الأشخاص الأكثر تعبيراً –دون مبالغة في التعبير بحيث يعلقون في مرحلة الترويح- لديهم عادة أصدقاء أكثر وهم بالمجمل أكثر سعادة.

الجزء الأهم من هذا البحث هو أنَّ الأبعاد الثلاث جميعها مرنة، ولذا فمن الممكن أن تتغير بمرور الوقت إن نحن ركزنا عليها. إن أردت تدريب عقلك كي يكون أهدأ في المرة القادمة التي يُطلّ فيها موقف عصبي، ضع لنفسك من الآن قائمة بخمسة مواقف عصيبة من الماضي كنت ناجحاً في التعامل معها (مثلاً، نجاحك في تخطي انفصال، أو نجاحك في الوفاء بموعد تسليم مشروع كبير). انظر إلى القائمة في المرة التالية التي تشعر فيها بدقات قلبك تتسارع، لتذكّر نفسك بتلك الإنجازات. إن كنت ممن يكبتون التوتر أو يُنكرون المواقف العصيبة، اتصل بصديق في المرة القادمة التي يظهر فيها مُنغِّص. إن كنت ممن يشغلون أنفسهم عن التفكير بدل وضع خطة عمل، أجبر نفسك على اختيار أسلوب ’’خطوة الآن‘‘، وهو فعل صغير هادف يمكنك اتخاذه فوراً، لا يحل كل المشكلة لكنه سيدفع بتفكيرك إلى الأمام.

قد تستغرق إعادة برمجة استجابتك للتوتر وقتاً، لكنه أمر ممكن، ولهذا الجهد الذي نبذله في إعادة البرمجة تأثير دائم على نجاحنا وسعادتنا لبقية حياتنا. بالنسبة لي، ساعدني تعلم مهارة الهدوء تحت الضغط لأجد طريقي عبر المواقف غير المتوقعة على الهواء وتحت الهواء، وهو الأمر الذي عاد بأكبر الأثر على حياتي ومهنتي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!