تابعنا على لينكد إن

تتلاشى الإنتاجية في عالمنا الذي نعيش فيه على الرغم من أنها إحدى الركائز الأساسية للنمو الاقتصادي الطويل الأجل. لقد تباطأ نمو الإنتاجية في العقد الماضي بشكل كبير سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرها من الاقتصادات المتقدمة بحيث يناقش الاقتصاديون حالياً ما إذا كنا قد دخلنا مرحلة جديدة من الركود. ويحدث هذا في الوقت الذي نحتاج فيه إلى نمو الإنتاجية أكثر من أي وقت مضى لدعم النمو، وخاصة كوننا نرى اليد العاملة تتقدم في السن ويتقلص عددها في العديد من البلدان انطلاقاً من ألمانيا، وصولاً إلى اليابان.

يبزغ أمل المساعدة المحتملة الآن من خلال علم الرجال الآليين المتطور، والتعلم الآلي، والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات يمكنها أن تتفوق بالفعل على البشر في نطاق واسع من الأنشطة انطلاقاً من قراءة الشفاه، وصولاً إلى تحليل الأشعة السينية. وتُعتبر فوائد أداء هذه المجالات أمراً واقعاً لا شك فيه بالنسبة للشركات. إذ لا تقتصر فوائد الأتمتة على خفض تكاليف العمالة، بل تتعداها إلى خلق نماذج أعمال جديدة كلياً، وتحسينات تتجاوز القدرات البشرية، مثل زيادة الإنتاجية والجودة وتسريع الاستجابة في مجموعة متنوعة من الصناعات. إلى جانب ذلك، يمكن للأتمتة أن تلبي حاجة الاقتصاد العالمي الماسة لزيادة الإنتاجية، كما أنها تمكننا من معالجة المواضيع المجتمعية “الخلاقة”، مثل علاج الأمراض أو المساهمة في إيجاد حلول لتحدي تغيّر المناخ.

ولكن هناك جوانب سلبية في الموضوع. إذ سيؤدي اعتماد هذه التقنيات إلى خلل في عالم الأعمال. والجدير بالذكر هنا أنّ الوظائف التي ستتغير لا تقلّ أهمية عن الوظائف التي سيتم استبدالها والوظائف التي سيتم خلقها. إذ يشير بحث جديد أجراه معهد ماكينزي العالمي، إلى أنه ربما يتم استبدال نحو 15 في المئة من القوى العاملة العالمية بحلول العام 2030 في سيناريو يقدم متوسط النسب المتوقعة، ولكن في المقابل، فإنّ الوظائف التي يُحتمل أن تنشأ ستعوض عن النقص المتوقَع في الوظائف. ولكن علينا ألا نغفل عن شرط هام: إذ يجب على الاقتصادات المحافظة على نمو اقتصادي وديناميكية عالية، إلى جانب التوجهات القوية التي من شأنها أن تدفع الطلب على العمل. ومع ذلك، يحتاج ما بين 75 مليون إلى 375 مليون شخص في جميع أنحاء العالم إلى تغيير فئاتهم المهنية بحلول العام 2030، حيث يتوقف هذا الأمر على سرعة اعتماد الأتمتة.

ليس الأمر تحدياً سهلاً بالطبع. إذ ستتطلب الوظائف المكتسبة تحصيلاً علمياً أعلى، ومستويات أكثر تقدماً من التواصل والقدرة المعرفية، حيث سيتزايد تولي الآلات القيام بالأعمال التي تتطلب مهارات روتينية مثل معالجة البيانات أو جمعها. وسيتم دعم الناس من قبل آلات قادرة على نحو متزايد على لعب دور شركاء عمل ومساعدين رقميين، ما يتطلب المزيد من التقدم والتطوير المستمر للمهارات. ومن المرجح في الاقتصادات المتقدمة، التي أظهر البحث أنها ستكون الأكثر تضرراً، أن يتزايد الضغط المؤثر سلباً على الوظائف المتوسطة الأجر، ما سيزيد من تفاقم مشكلة التباين الكبير بين الحدود العليا والدنيا للوظائف والدخل، وعلى الرغم من أنه ستتم المحافظة على التوازن بين الوظائف المفقودة والوظائف المكتسبة على المديين القصير والمتوسط خلافاً لما عليه الحال في الاقتصادات المتقدمة، وذلك كما يبدو بالنسبة للاقتصادات الناشئة. من المرجح أن يظهر التأثير الصافي في تسارع النمو ضمن الطبقة الوسطى.

سيتعين على المجتمعات في كل مكان اتخاذ خيارات هامة لمواجهة هذه التحديات. قد يميل بعضها إلى محاولة الامتناع عن اعتماد الأتمتة أو على الأقل إبطاءها. وحتى لو كان ذلك ممكناً – مع العلم أنّ هذا الأمر قد يكون غير مجد كمحاولات الملك كانوت (King Canute) لتحويل المد المقبل- فهذا يعني التخلي عن الآثار الإنتاجية المفيدة التي ستحققها التكنولوجيا.

وإذا نظرنا في الخيارات الأخرى المتاحة، نجد أنها غير مرغوبة أيضاً. فالعودة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي المنخفض، ومسار النمو المنخفض للوظائف الذي كنا نعيشه في أعقاب الأزمة المالية العالمية مباشرة، يعني الركود، واستمرار تزايد عدم الرضا بشأن عدم تحسن مستوى الدخل والتفاوت المتزايد بين الحدود العليا والدنيا لمستوى الأجور. وفي ضوء ما سبق، يمكن أن نصل إلى حالة من القلق الاجتماعي نتيجة للأتمتة السريعة التي تكتفي بتحقيق نمو الإنتاجية المدفوع بالكفاءة فقط، بدلاً من التوسع ذو القيمة المضافة، ما يفشل بالتالي في خلق فرص العمل.

إذاً، نرى أنه لا بدّ لنا من الاعتماد على تكنولوجيات الأتمتة لما تتمتع به من مزايا إنتاجية، على أن يترافق ذلك مع التعامل بشكل استباقي مع التحولات في القوى العاملة التي سترافق تبني مثل هذه التكنولوجيات. إنّ ضرورة الاختيار بين الإنتاجية أو العمالة في الواقع أقل حدة مما تبدو عليه للوهلة الأولى، حيث أنّ تحسّن الناتج المحلي الإجمالي الذي تحققه الإنتاجية سيزيد الاستهلاك، وبالتالي الطلب على اليد العاملة، كما كان عليه الحال دائماً في الماضي. وسيكون هذا التأثير أقوى وأسرع إذا تحولت المكاسب في القيمة المضافة إلى دخل في أيدي أولئك الذين من المحتمل أن ينفقوه. وسيؤدي توزيع مكاسب الدخل على نطاق واسع إلى تحويل نمو الإنتاجية إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي. وسيتجلى المفتاح الأساسي في معالجة مجموعة من القضايا التي سوف تساعدنا خلال مراحل التحول.

وكما ذُكر أعلاه، سيكون هناك شرط أساسي يتجلى في ضمان نمو قوي في الناتج المحلي الإجمالي، لأنه من دون ذلك لن يكون هناك نمو في الوظائف. كما يجب مراعاة ثلاث أولويات أخرى ظاهرة للعيان:

أولاً، التركيز الأكثر حدة على المهارات والتدريب، ما يشير إلى ضرورة ازدياد الإنفاق الحكومي على التدريب الذي يتجلى في كثير من بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي. ويعني ذلك أيضاً زيادة دور الشركات، التي ستكون في الخط الأمامي لاعتماد الأتمتة، ما سيمكنها من المعرفة بشكل أفضل وأسرع لطبيعة المهارات المطلوبة.

ثانياً، مراجعة آليات جعل سوق العمل أكثر مرونة عن طريق الاستخدام الأكثر فعالية للتكنولوجيات الرقمية، وذلك لمطابقة الوظائف ولتحفيز نمو العمل في المستقبل. في الواقع، تتضاءل ديناميكية أسواق العمل: ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، انخفض معدل إعادة توزيع الوظائف بنسبة 25 في المئة بين عامي 1990 و2013، كما انخفضت حصة انتقال العاملين عبر الولايات سنوياً بمقدار النصف، لتصل إلى 1.5 في المئة.

يتعين على الحكومة والشركات والمؤسسات التعليمية ومنظمات العمل أن تتعاون معاً لضمان أن يكون لدى شاغلي الوظائف والوافدين الجدد إلى سوق العمل معرفة دقيقة تطلعّية للمزيج المتطور من متطلبات المهارات والخبرات.

وينبغي أن تكون الأولوية الثالثة إعادة تقييم الدخل ودعم الانتقال لمساعدة العمال الذين غيّروا مجال عملهم، أو أولئك الذين يكافحون من أجل الانتقال إلى مهن جديدة. وتشكل ألمانيا مثالاً يُحتذى في هذا المجال عن طريق إعادة تنظيم وكالة العمل لديها والتركيز على اكتساب المهارات. لقد ارتفع معدل مشاركتها في العمل بنسبة 10 نقاط مئوية منذ إعادة التوحيد، أي ما يصل إلى أعلى من مستوى الولايات المتحدة.

سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً. ولكن في نهاية المطاف، يمكن حل لغز الإنتاجية، إذا اعتمدنا مزايا الأتمتة وأطلقنا لها العنان وانتهجنا مجموعة ذكية مناسبة من السياسات لضمان استعداد جميع الجهات المعنية للأتمتة، بحيث يمكننا الاستفادة منها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن اقتصاد عالمي

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz