تابعنا على لينكد إن

عندما عملت كمستشارة إدارية، كانت لدي عميلة وصفتها أنها “معقدة” أو “صعبة الإرضاء”، دعونا نطلق عليها اسم ماريا. لم نكن نتقابل أنا وماريا وجهاً لوجهاً لأشهر، وكنت أعارضها في عدة أمور منها: “الاتجاه الذي كانت تسلكه بالنسبة لمشاريعنا، والأشخاص الذين كانت تختارهم ليعملوا فيها، والوتيرة التي كانت تنتهجها بخصوص كيفية قيامنا بأعمالنا، على سبيل المثال: لماذا كانت تريد الإبطاء في العمل؟”.

لكن ولأنها كانت من أوائل العملاء الذين تعاملت معهم، وكنت قد بدأت للتو حياتي المهنية، اعتقدت أنني لست في المكان الذي يخولني أن اختلف معها بشكل صريح، وعوضاً عن ذلك كنت أعيد توجيه كل الرسائل الإلكترونية التي كانت ترسلها لأحد زملائي، أشكو فيها، اتخاذ ماريا للقرارات السيئة، وعدم اكتراثها بالمشاكل التي كنا نعاني منها، وكذلك اقتراحاتها السلبية والعدوانية التي حاولنا التعامل معها بعدة طرق.

وفي أحد الأيام، وعوضاً عن الضغط على زر إعادة توجيه الرسالة الإلكترونية، ضغطت على زر “الرد”، معتقدة أنني أشكو لزميلي، إلا أنني كنت أرسل رسالة مباشرة لها أتحدث فيها عن اعتبارها ألماً كبيراً. وبعد 15 ثانية فقط من الضغط على زر إرسال الرسالة، أدركت أنني قمت بالرد على رسالتها وليس إعادة توجيهها إلى أحد زملائي، واعتقدت على الفور أنني سأفصل من العمل. ثم فكرت بوجوب تدارك الأمر، فذهبت إلى مكتب المدير لأشرح له ما حصل، وتفاجأت بأنّ المدير عوضاً عن تهديدي ومطالبتي بحزم أمتعتي، قال وبكل بساطة: “اعتذري منها”.

لم يكن مكتب ماريا يبعد عن مقر عملنا سوى أمتار قليلة في منطقة ميدتاون بمنهاتن في نيويورك، وكان المدير اقترح أن أتوقف عند متجر الزهور لأخذ باقة من الورد لها، ولأكون صادقة، في لحظة، فكرت ملياً، هل الفصل من العمل أفضل من مواجهتها بما فعلت؟ إلا أنني أدركت أنّ مديري كان على صواب في طلب الاعتذار منها. وعندما دخلت إلى مكتبها بباقة كبيرة من الورود، ضحكت ماريا! وقالت: “أنّ هذا الأمر يحدث، وأنها تفضل الاختلاف معها في المرة المقبلة”. ثم قلت لها: “سنتحدث في الأمر لاحقاً”، ولهذا كنت أرى أنّ نصيحة ماريا كانت سخية ومفيدة جداً بالنسبة لي.

من هذا المنطلق يمكنني القول أنّ الطريقة التي تصرفت بها مع ماريا جاءت بسبب نقص خبرتي، ولكن بعد ذلك بسنوات، ما لاحظته في الأبحاث والمقابلات التي أجريتها حول الصراع في العمل، هو أنّ معظم الناس لا يرغبون في إبداء الاختلاف أو لا يعلمون كيفية إبدائه. كما أننا اعتدنا على قول: “نرى الأمور بمنظور مختلف” أو “نخالف الأمر” بغضب وقساوة وفظاظة، وهذا ما يجعلنا غير مرتاحين بشكل كبير.

ولنكن منصفين، فإنّ الاتفاق غالباً ما يكون أسهل من مواجهة أو مخالفة شخص ما في الرأي على المدى القصير، كما أنّ التعليق والإعجاب بأمر ما بالقول: “أرى بالضبط الأمر بنفس الطريقة”، يعطي شعوراً بالرضا لدى الشخص الآخر، لربما كانت هذه الطريقة هي التي كنت أرغب من ماريا أن تنتهجها معي، عوضاً عن قبول الأمر من منظور آخر مختلف عني، لذلك وصفتها بأنها “معقدة” أو “صعبة الإرضاء”. كان ذلك خاطئ، ليس فقط لأنني أحرجت نفسي، فمن خلال التفكير بهذه الطريقة، فقدت علاقة عمل كانت يمكن أن تكون مثمرة، وتخيلوا معي مدى نجاح المشروع إن خالفت ماريا باحترام وبشكل صريح!

ربما تحلم بالعمل في بيئة مثالية مسالمة، إلا أنّ ذلك لا يبدو أمراً جيداً لك ولعملك ولشركتك، إذ تعد الخلافات جزءاً صحياً وطبيعياً ومحتوماً في تعاملنا مع الأشخاص، ولا توجد بيئة عمل تخلو من الصراعات. وعندما تتم إدارة الخلافات بشكل جيد، يمكن أن تكون لها نتائج إيجابية عديدة، هنا نذكر بعضها:

نتائج عمل أفضل

عندما تدفع أنت وزملائك في العمل بعضكم بعضاً للسؤال بشكل مستمر عن أفضل نهج يمكن اتباعه، فإنّ هذا الاحتكاك الإبداعي سيؤدي إلى ابتكار حلول جديدة. وفي هذا الصدد تقول ليان ديفي مساعدة مؤسس شركة 3 سي أو زيد أي (3COze)، ومؤلفة كتاب “عليك أولاً: إلهام فريقك حتى ينمو، والعمل معهم، والإشراف على إنهاء الموظفين لأعمالهم” (You First: Inspire Your Team to Grow Up, Get Along, and Get Stuff Done): “يسمح الصراع للفريق بالتعامل مع المواقف الصعبة، وتوليف وجهات نظر متنوعة، والتأكد من أنّ الحلول مدروسة بشكل جيد”. وتضيف، “لا يبدو الصراع لطيفاً، لكنه مصدر للابتكار الحقيقي، ويلعب دوراً حاسماً في تحديد المخاطر وتخفيف حدتها”.

لذلك لا يمكن تحديد قيمة معينة يمكن الحصول عليها من اختلاف ما، فإذا كنت أنت وزميلك تتجادلان حول أفضل طريقة ممكنة لإطلاق مبادرة جديدة، “يرغب هو أن يطلقها بسوق واحدة أولاً، وترغب في أن تدخل بها في عدة أسواق بنفس التوقيت”، في هذه الحالة ستضطران لدراسة إيجابيات وسلبيات كل طريقة للحصول على أفضل الحلول.

فرص للنمو والتعلم

على الرغم من أنك ربما تشعر أنّ الأمر يبدو مزعجاً عندما يختلف شخص ما مع أفكارك، إلا أنّ ذلك يشكّل فرصة للتعلم، فمن خلال الاستماع ودمج النتائج تكتسب الخبرة، وتحاول القيام بأشياء جديدة، وتتطور كمدير. فعندما يؤنبك زميلك لأنك لم تعط فريقه الأفضلية التي كانوا يستحقونها لما قاموا به من عمل، ربما يزعجك كلامه، لكن هذا الأمر سيجعلك تفكر ملياً قبل التحضير لأي حديث مقبل، وبالتالي ستهتم بوجهات نظر الجميع.

علاقات متطورة

من خلال العمل في بيئة يتملكها الصراع، ستشعر أنك أقرب للأشخاص المحيطين بك، وأنك تتفهم اهتماماتهم وما يفضلونه في العمل، وهذا سيمكنك أيضاً من تسجيل ملاحظة هامة وهي: “إنه يمكن أن تحصل على صراع جيد ثم تتجاوزه”. تعرف ابنتي البالغة من العمر 10 أعوام هذا الأمر بشكل حدسي، ففي يوم من الأيام بعد عودتها من منزل صديقتها بعد قضاء حفلة مطولة في منزلها، سألتها: كيف كانت ليلتك؟، فأجابت: “رائعة كنا نختلف طوال الوقت”، فقلت لها كيف يمكن لحفلة مليئة بالمشاجرة والاختلاف أن تكون رائعة وممتعة، فقالت: “لأننا نسينا الأمر وتجاوزناه معاً، والآن نحن أفضل صديقتين”.

تحقيق نوع من الرضا الوظيفي العالي

عندما لا تقلق من الاختلاف في قضايا العمل بشكل بنّاء، ستشعر بسعادة أكبر عند الذهاب للمكتب، وتستمتع بالتفاعلات مع زملائك، والرضا بما تحققه. فعوضاً عن الشعور بأنك تمشي على قشر البيض من شدة القلق، يمكنك التركيز على إنجاز مهامك في العمل. وتدعم الأبحاث ما نقوله، ففي دراسة أجريت على الموظفين الصينيين والأميركيين في الصين، وجدت أنّ هناك علاقة بين سعادتهم في العمل وبين استخدامهم لنهج مختلف في إدارة الصراعات، وذلك في ثلاث حالات: وهي عندما يكون الموظفون في حالة تركيز على أمر مربح لكل الأطراف، والثانية، عندما يهتمون بالآخرين، والثالثة، عندما يكونون مركزين على اهتمامات مشتركة.

بيئة عمل شمولية

إذا رغبت في الحصول على تنوع وشمولية أكبر في شركتك، يتوجب عليك أن تكون مستعداً لمواجهة الاختلاف. وفي هذا الصدد كتبت كل من أنيسا باركر وكارمن ميدينا وإليزابيث شيل مقالة في كلية روتمان لإدارة الأعمال في كندا يقلن فيها: “بالرغم من أنّ المجموعات المتجانسة في العمل أكثر ثقة في أدائها، إلا أنّ المجموعات المتنوعة غالباً ما تكون أكثر نجاحاً في إنجاز المهام”. وشرحن الكاتبات في المقالة، أنّ المدراء والموظفين عليهم التخلص من “الرغبة الغريزية لتجنب الخلافات”، والتخلي عن أن “فكرة التوافق غاية بحد ذاتها”. إذ لا يجب على الفرق المتنوعة أن تحول الخلافات الجوهرية في ما بينها إلى أمور شخصية، فالأفكار إما أن تكون ذات فائدة وتوفر الاتصال بين الموظفين أو لا تكون.

لا يمكنني الموافقة على نقطة أنّ المدراء عليهم الالتزام بتصميم صراعات لمساعدة فرق عملهم ليكونوا أكثر ابتكاراً وإنتاجية، لكن وبكل بساطة علينا تعلم ثقافة الاختلاف، وعلى المدراء أن يأخذوا على عاتقهم مسؤولية جعل الخلافات مريحة، من خلال تشجيع الموظفين على إبداء وجهة نظرهم ومناقشة الأمور والتعبير عن آرائهم الحقيقية.

فإذا كنت من الأشخاص المعارضين للصراع في العمل، يمكنني أن أقول لك أنك قد تغيّر نهجك عند قراءة هذا المقال، إذ أحمل لك خبراً ساراً وهو أنه يمكنك أن تشعر براحة أكبر من الصراعات في العمل، وهنا أذكر لكم بعضاً من الطرق التي يمكنها أن تساعدك في البدء بهذا النهج:

تخل عن مفهوم الحاجة إلى أن تكون محبوباً. معظم الأشخاص يرغبون في أن يكونوا محبوبين، وهذا أمر طبيعي. يقول جويل غارفينكل المدرب التنفيذي، ومؤلف كتاب “المحادثات الصعبة” (Difficult Conversations): “بالرغم من أنّ الأمر يبدو طبيعياً في رغبتك أن تكون محبوباً، إلا أنّ هذا الأمر لا يبدو الأكثر أهمية”. ويضيف، “عوضاً عن التركيز على محاولة زيادة مستوى محبتك أمام الآخرين، ركز على الاحترام بجانبيه، كسبه وإعطائه”. حتى وإن كان موضوع الاختلاف صعباً، يمكن أن تكون المحادثة مفيدة وداعمة، لذلك احترم وجهات نظر الآخرين وتوقع أن يحترموا وجهة نظرك. يقول غارفينكل في هذا الصدد: “إن استطعت تطبيق هذا الأمر ستشعر بالارتياح، لأن الاحترام أهم من الشعور بأن تكون محبوباً”. ويضيف، “في هذه الحالة تبين لفريقك أنك لا تمانع الاختلاف، كما تشجعهم على الكشف عن أفكارهم”. (تجدر الإشارة إلى أن هذه النصيحة قد تكون خادعة، خاصة بالنسبة إلى النساء).

ركز على الصورة الكبيرة. تكون الاختلافات صعبة عندما نفكر فيها على أنها شخصية، إذ يوجد فرق بين الصراعات الشخصية والخلافات في العمل حول العملية أو الأهداف. تقترح إيمي جين سو الشريكة الإدارية، والمساعدة في تأليف كتاب “امتلك الغرفة” (Own the Room) أن نركّز على أشياء أخرى عوضاً عن الضرر الذي يمكن أن يسببه الاختلاف في العلاقة. وتشدد سو، على التفكير في احتياجات العمل، ولماذا من المهم أن يكون هناك اختلاف في وجهات النظر؟ وكيف يمكن أن يساعد هذا الاختلاف الشركة والفريق أو المشروع الذي تعمل عليه؟ وبحسب سو، تُعتبر رغبة الأشخاص بأن يكونوا محبوبين حاجة شخصية، أما محاولة إيجاد أفضل الأمور للعمل أو للفريق فهذا له أبعاد أخرى بعيدة عن الأنانية الذاتية.

لا توازن بين الاختلاف والقسوة. عندما أتحدث إلى أشخاص يقلقون من اختلافات العمل، اسألهم دوماً، لماذا تترددون في إبداء وجهات نظركم المختلفة، ومعظم إجاباتهم تكون لسببين هما: “لا ارغب في جرح مشاعر الآخرين”، “لا أرغب في أن أكون أحمقاً”. نعم بالتأكيد هناك أشخاص لا يرغبون الدخول في اختلاف مع (مدراء مهزوزين على سبيل المثال)، إلا أنّ الكثيرين منفتحين لسماع وجهات النظر المختلفة إذا ما تمت مشاركتها بشكل مدروس وباحترام. ومن المهم أن تسأل نفسك: “هل حقاً هناك خطر جرح مشاعر زميلك أو أنه سيفكر أنك شخص أحمق أو أنك تسقط انزعاجاتك فقط؟

حاول إيجاد قدوة واحتذ به. دائماً هناك احتمال بأنّ أشخاصاً في محيطك مثل “قريبك أو صديقك أو زميلك”، يبلون بلاء حسناً في أعمالهم، حيث يكونون صادقين ومباشرين في أفكارهم وآرائهم من دون إثارة الجلبة خلفهم، راقب هذا الشخص، وشاهد ما يفعله، وحاول الاحتذاء به. أخبرتني إحدى زميلاتي مؤخراً أنها عندما تكون في حالة متوترة، تدعي إنها تتمتع بمهارة التعامل مع اللحظات المزعجة. وقالت لي: “إنّ اتباع هذه الطريقة سمح لها بمراقبة سلوكها من بعيد، بدلاً من مراقبة سلوكها في حالة تتشابك فيها المشاعر اللحظية”، وهذا الأمر ينطبق تماماً على الاستراتيجية التي تنصح بها هيرمينيا إبارا، من كلية لندن لإدارة الأعمال، “إن كنت لا تتقن أمراً فتظاهر أنك تتقنه حتى تتعلمه فعلاً”. (ملاحظة: هذا المقال موجد على هارفارد بزنس ريفيو). فإن لم تكن جيداً بما فيه الكفاية في التعامل مع المحادثات المتوترة، حاول تقمص شخصية شخص آخر يمكنه تطبيق هذا الفن.

مهما كان التكتيك الذي قررت تجربته، تمرن عليه قليلاً، وكن مباشراً في المحادثة ذات المخاطر المنخفضة، ثم راقب ما سيحدث، فهناك احتمال أن يحدث شيء أفضل لم تكن تتوقعه، وإن حدث العكس، يمكنك التعلم من الحالة وتجربة الأمر مرة أخرى. عن نفسي يمكنني القول إنني تعلمت ثقافة الاعتراض عن طريق إرسال بريد إلكتروني بالخطأ إلى ماريا، فأحياناً ربما يكون الاختلاف هو بالضبط ما يريده الشخص منك أن تفعله، طالما كان يتم ذلك بتعاطف واحترام.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz