لا يمكن لبرنامج الابتكار في أي من الشركات، أن يكون مؤثراً من دون بناء جسور من التواصل والعلاقات داخلها، لذلك لطالما شعرت بأنّ مسماي الوظيفي عندما كنت أعمل سابقاً ضمن مستشفى بوسطن للأطفال في الولايات المتحدة الأميركية، كان يجب أن يكون رئيسة قسم التواصل والعلاقات الابتكارية عوضاً عن، رئيسة قسم الابتكار.

وتُعتبر العلاقات الجيدة والتواصل المؤثر ذو أهمية أكبر خاصة في شركات الصناعة المنظمة الموجهة من قبل الحكومات كشركات تقديم الرعاية الصحية، وصناعة الأدوية وقطاع المصارف والتأمين.

ويمكن القول أنّ الابتكار في مثل تلك الصناعات يشكل تحدياً كبيراً، إلّا أنه ضروري، وذلك لأن الشركات يجب أن تلجاً للابتكار من أجل الحصول على فرصة ازدهار أكبر وللتمتع بمزايا إضافية تُدخلها ضمن عالم المنافسة من أوسع الأبواب.

وليزدهر الابتكار ويجتاز العقبات التنظيمية والقانونية يجب معالجة الحواجز التي يمكن أن تواجهها الشركات، وهنا أذكر لكم عدداً من النصائح لإنجاح المشروع الابتكاري بناء على تجربتي الشخصية:

1- بناء علاقات استباقية مع الأشخاص المسؤولين عن الشؤون التنظيمية والقانونية في الشركة.

يعتقد أحياناً المسؤولون عن قسم الابتكار، أنه من الأفضل الابتعاد عن موظفي الشؤون القانونية والتنظيمية وإدارة الالتزام، لأطول فترة ممكنة، لكن ذلك يُعتبر خطأً جسيماً. بل ابحث دوماً عن الموظفين المسؤولين في هذه الأقسام ضمن المؤسسة أو الشركة التي تعمل فيها ولا تتجاهلهم، لأنك لا تستطيع تجنب العمل معهم، وإذا لم تبحث عنهم سيأتون إليك بأنفسهم.

كما يُنصح بالتحدث مع الشؤون القانونية والتنظيمية وإدارة الالتزام قبل تجهيز مشروع الابتكار، فمناقشة المشروع معهم في بدايته عندما تكون المخاطر والرهانات منخفضة، يمنحهم وقتاً لاستيعاب الفكرة الجديدة، وتمنحهم الطاقة والإرشاد بينما تتبلور الفكرة لديهم لتشكل ابتكاراً. فعلى سبيل المثال عندما كنت رئيسة قسم الابتكار في مستشفى بوسطن للأطفال، أدرك فريقي فكرة أنه يمكن لأطبائنا استخدام تقنية عقد المؤتمرات المصورة، لرعاية المرضى ذوي الحالات الحرجة في المناطق ذات الكثافة السكانية القليلة. غير أنّ قسم الشؤون القانونية استقبل الفكرة بتجهم وشك، وكان لدى محامو الشركة مخاوفاً قانونية وتنظيمية عديدة من الفكرة مثل: (موافقة المريض وترخيص الطبيب والمسؤولية الطبية).

لكن في النهاية، وبعد مناقشة طويلة اقتنعوا بالفكرة، وعند إطلاقنا لبرنامجنا "التواصل البعيد" أو (teleconnect)، كان محامو الشركة من أكثر الأشخاص المدافعين عن البرنامج ضمن مؤسستنا.

من جانب آخر غالباً ما يكون رفض الأفكار الابتكارية قوياً، وعند حدوث هذا الأمر، يجدر بنا طرح السؤال التالي: هل يجب التحايل على المحامين واللجوء إلى المدير التنفيذي؟

يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالقول: "إنّ اللجوء إلى التحايل على مسؤولي القسم القانوني يمكن أن يحل مأزقاً، لكن الأمر يمكن أن يضر بالعلاقات ويجعل من الصعب الحصول على موافقة قانونية أو تنظيمية في المرات القادمة لأي مشروع أو فكرة ابتكارية.

فعوضاً من اللجوء إلى المسؤولين أصحاب المناصب العليا، حاول التواصل مع موظفي الشؤون القانونية والتنظيمية، وأكد عليهم باستمرار لماذا وكيف يُعتبر مشروعك الابتكاري هاماً لتطوير أعمال الشركة. وأشرح لهم أنّ الاستغناء عن المشروع يُعد خياراً خاطئاً، لأن ذلك يمكن أن يضر بالمؤسسة. وتأكد عندما يفهم المحامون فوائد المشروع الابتكاري سيجدون طرقاً قانونية للدفع بعجلة الابتكار قدماً.

2- ابحث عن موظف شجاع مهتم بالابتكار ضمن قسم الشؤون القانونية والتنظيمية.

إذ يمكن لإيجاد هذا الموظف أن يساعدك في منح مصداقية داخلية لمشروعك الابتكاري، كما يمكنه مساعدتك في استكشاف المؤسسة والمجال الصناعي الذي تعمل ضمنه. وللبحث عن هذا السفير الشجاع الذي سيساعدك، كن منفتحاً على الكادر الوظيفي، لأن هذا الشخص يمكن أن يكون موظفاً جديداً يافعاً أو شخصاً يعمل في فترات موسمية مع الشركة. وعلى سبيل المثال عندما كنت أعمل في شركة التكنولوجيا الحيوية "بايوجين"، كان ذاك الشجاع الذي ساعدني حول مشروع مبادرة وسائل التواصل الاجتماعي موظفاً جديداً. وانضم حديثاً للشركة، ويتميز بصفات منها أنه يفكر بعمق ومهتم باستكشاف فكرة التواصل الاجتماعي، وهذا ما أدى إلى إنشاء جسر للتواصل بيني وبين خبراء قسم الشؤون التنظيمية والقانونية في الشركة.

3- ضع المناقشات والمحادثات في أُطر.

فيمكنك تغيير ردود أفعال مسؤولي قسم الشؤون القانونية والتنظيمية من رفض الأفكار إلى قبولها، عبر طرح الأسئلة وشرح التصورات الافتراضية لأي مشروع ابتكاري. وعلى سبيل المثال يمكن طرح الأسئلة على النحو التالي، فبدلاً من قول: "هل يمكننا (حل مشكلة)؟"، قل: "كيف يمكننا (حل مشكلة)؟"، وبذلك تشجع الآخرين للتفكير في أمر ما يمكن إنجازه على الرغم من وجود عقبات. بمعنى أنك تشركهم في البحث عن الحل.

وعندما بدأنا خلال عملي في مستشفى بوسطن للأطفال بالتخطيط لأول مشروع "هاكاثون" (ويُعتبر الحدث الذي يجتمع فيه مبرمجو الحاسوب من كافة الشركات المختصة في نفس المجال لتطوير البرمجيات)، كان الموظفون في الشركات قلقون حول من سيملك حقوق الملكية الفكرية للحدث، وبعد أن تم وضع السؤال في إطار آخر إثر نقاشات طويلة، وجد موظفو الابتكار من الشركات الأُخرى ومن داخل المستشفى صيغة مشتركة وطريقة لمشاركة عنوان بروتوكول الإنترنت (آي بي).

4- تواصل بشكل مستمر وعلى نطاق واسع.

إحدى أهم الأمور المؤثرة التي قمنا بها للدفع بعجلة المشاريع الابتكارية في مستشفى بوسطن للأطفال، أننا كنا نعقد اجتماعات شهرية مع مسؤولي قسم الشؤون التنظيمية والقانونية. ما أعطانا الوقت والمساحة الكافية لمناقشة المشكلات الناشئة بتروي وهدوء وبشكل جماعي.

وعلى الرغم من أنه مهم جداً أن يجري قسم الابتكار تدقيقات غير رسمية حول أي مشروع ابتكاري، إلّا أنه لا شيء يُعتبر أكثر أهمية من عقد الاجتماعات، للتأكد بأنّ الزملاء في شؤون إدارة الالتزام والقسم القانوني والتنظيمي يواكبون التطور ويسيرون على نفس الخط مع خططك الابتكارية. إلى جانب ذلك، كنا نعقد منتديات شهرية لشرح تطور الأفكار الابتكارية التي قيد الإنجاز لفريق من المساهمين في الشركة. وبدوري كرئيسة قسم الابتكار في المستشفى، كنت أقوم بجولات لزيارة أقسام العيادات وذلك لتقديم المعلومات وتوضيح التحديات بشأن الأفكار الابتكارية للأطباء والممرضين.

كما كنا نصدر تقريراً سنوياً حول الابتكار، حيث أثبتت هذه الطريقة أنها وسيلة فعالة لنشر المعلومات حول تقدمنا وتطورنا على مدار عام بأكمله. كذلك خصصنا أياماً للابتكار على مدار السنة مكنتنا من تكوين منصة للمبتكرين من أجل مشاركة أعمالهم الإبداعية. ويمكن القول أنّ تسليط الضوء على نتائج الابتكارات خلال عام مضى يضع حجر الأساس للابتكارات المستقبلية.

وهنا يجدر بنا السؤال: لماذا يُعتبر التواصل المستمر ذو النطاق الواسع هاماً للابتكار في أية صناعة، وأكثر أهمية في الصناعة المنظمة؟

ويمكن الجواب هنا: بأنه ربما يكون موظفو الشركات جميعهم وليس فقط الخبراء في إدارة الالتزام والشؤون القانونية والتنظيمية قلقين من المخاطر المتعلقة بالابتكار.

5- عالج مشكلة "القانون الداخلي" التي تعترضك.

جميعنا يعلم أنّ لشركات الصناعة المنظمة قواعد صناعية واضحة يجب عليك اتباعها والانتباه لها جيداً. إلا أنه وكما يقال لكل قانون ثغرة، فربما تبدو فيها فقرة ما غير واضحة، والابتكار يمكن أن يستفيد من تلك الثغرات التي لم يتم التفتيش عنها، فقد يكون القانون غير معرّف بشكل صحيح.

من جانب آخر في ظل غياب التشريعات والقوانين الواضحة يميل الموظفون للاعتماد على القانون الداخلي للشركات، ويُعتبر هذا القانون الطريقة التقليدية التي يمكن من خلالها إنجاز الأمور. وعلى الرغم من أنّ هذا القانون يستند إلى افتراضات خاطئة، لكن يصنّف على أنه عقبة تنظيمية قائمة.

كما يتطور هذا القانون بالاعتماد على ثقافة الفرد وارتياحه لفعل شيء ما. بمعنى آخر عندما يتم تصنيف القيود على أنها "قانون داخلي" فإنّ اجتيازها وإيجاد حل من حولها يصبح سهلاً.

ومن خلال تجربتي الشخصية عندما كنت أعمل في شركة التكنولوجيا الحيوية، كان القانون الداخلي فيها يتضمن فقرة تنص على أنّ المدراء التنفيذيين لا يمكنهم التغريد عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر". وموظفو الشؤون القانونية لم يكونوا مرتاحين من هذا القانون بتاتاً، وعند مناقشتهم بالأمر تبين لهم أنّ المدراء في الأساس لم يكونوا من الأشخاص النشطين عبر تويتر، وبالتالي أصبح كل شيء واضحاً، وبعد التخلص من هذا القانون ومناقشته، أصدر على الفور فريق شؤون التنظيم في الشركة، بياناً يتضمن المبادئ التوجيهية والإرشادية الجديدة بخصوص استخدام الموظفين لموقع التواصل الاجتماعي تويتر.

6- تتبع المنافسة.

لا يرتاح أغلب موظفي الشؤون القانونية والتنظيمية عندما تكون الشركات التي يعملون فيها من أوائل الشركات في الابتكار ورسم المشاريع الجديدة، ومع ذلك عندما يشاهد هؤلاء من منازلهم كيف تقوم الشركات والمؤسسات المنافسة الأُخرى بدفع عجلة الابتكار والمضي قدماً، وكيف يتعامل موظفوها مع الافكار الإبداعية غالباً ما يتقبلون أفكار الابتكار في شركاتهم وذلك بعد رؤية تقدم الشركات الأُخرى.

ويمكن وصف ذلك بمصطلح "الأمان بالكثرة"، كما أنّ تتبع المنافسة الابتكارية ومشاركة الرؤى مع مؤسستك أو شركتك من شأنه مساعدك على فتح قضية الابتكار مع الخبراء القانونيين والتنظيميين ضمن شركتك.

7- كن صبوراً.

تأخذ عملية الابتكار في الصناعات المنظمة وقتاً أطول من بقية الصناعات. كما أنّ الأشخاص المسؤولين عن الشؤون التنظيمية والقانونية في هذه الشركات سريعون في رفض الأفكار الابتكارية. لذلك، كن صبوراً وانتظر لأنه باستطاعتك إنجاح مشروعك الابتكاري، من خلال إشراك هؤلاء الرافضين في المشروع باكراً، طالما باستطاعتهم مساعدتك في وضع إطار للمشروع الابتكاري.

من جانب آخر عليك توقع حدوث نكسات، فمشاريع الابتكار ليست سهلة خاصة في الصناعات المنظمة. وتأكد من أنّ الأمور تصبح أكثر سهولة عندما تتعامل مع زملائك في شؤون الالتزام الإداري والقسم القانوني والتنظيمي كأشخاص مهمين وليس كمستشارين.

ومع الوقت والصبر يمكنك إنجاح الابتكار في مثل تلك الصناعات، عبر إشراك هؤلاء الاشخاص المسؤولين عن تلك الأقسام باكراً في المشروع. فالصناعات المنظمة تحتاج وقتاً لتقبل الأفكار الإبداعية والابتكارية، كذلك يحتاجون إلى فهم مخاطر وفوائد الابتكار.

واستناداً إلى ما سبق، لا تُحبط من عزيمتك عندما تتعرض لانتكاسات (واجهتها مسبقاً)، وبالمقابل كن صبوراً، وركز على هدفك النهائي، وتواصل ثم تواصل ثم تواصل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!