اتضح أنّ كلمة الابتكار ليست تعويذة سحرية لهاري بوتر تجعل الشركات أكثر ابتكاراً وإبداعاً وريادة بمجرد نطقها. يمكن أن تُذكر هذه الكلمة على لسان رئيس تنفيذي لشركة ما متحدثاً إلى موظفيه أو إلى محللي وول ستريت. ويمكن وضعها على باب مركز ابتكار جديد في وادي السيليكون، ويمكن إدراجها في مناصب الأشخاص. (نعم، حتى شركة تويز آر أس Toys R Us الأميركية كان لديها رئيس لقسم الابتكار).

ولكن هناك مشكلات ثقافية واستراتيجية وسياسية شائكة ومشكلات متعلقة بالميزانية يجب أن يواجهها الرؤساء التنفيذيون والقادة الآخرون إذا كانوا يريدون التأكد من أنّ مؤسساتهم يمكنها أن تكون مرحبة بالأفكار الجديدة بدلاً من كونها معادية لها.

وفي دراسة استقصائية أُجريت في وقت سابق من هذا العام على موقع "قادة الابتكار" (Innovation Leader)، الذي يعد مصدراً لفرق الابتكار في الشركات وأعمل محرراً به، سألنا عن العقبات الأكثر شيوعاً أمام الابتكار في الشركات الكبرى. (وحتى تكون الدراسة بناءة، سألنا أيضاً عن الأشياء التي تعزز الابتكار). وكانت الإجابات، التي قدمها 270 من رؤساء أقسام الاستراتيجية والابتكار والبحث والتطوير في الشركات، مفيدة وموضحة للأمر.

طلبنا من المشاركين في الدراسة اختيار أي عدد من العوامل بقدر ما يريدون من قائمة. وكانت أكبر خمس عقبات ذكرها ثلث المشاركين على الأقل في الدراسة كالتالي:

السياسة وحروب النفوذ وغياب الانتظام (أشار إليها 55% من المشاركين في الدراسة)

تعتقد بعض وظائف أو أقسام الشركات أنها تبتكر بالفعل من تلقاء نفسها، وأنّ أي نوع من المبادرات الجديدة يصب في هذا الاتجاه، وهي ربما تتنافس جميعاً للحصول على الموارد. وقد يأمل البعض أن يرحل "الطفل المدلل" للرئيس التنفيذي في هذه اللحظة، وهو كبير مسؤولي الابتكار أو رئيس الشؤون الرقمية الجديد، خاصة إذا جرى تجاهله.

قال مايكل بريت، نائب الرئيس الأول ورئيس مركز ابتكار الطاقة في شركة ثزرن كومباني (Southern Company) الأميركية التي تُعد من أكبر مشغلي المرافق في الولايات المتحدة: "في أي وقت تبدأ فيه شيئاً جديداً مثل مبادرة ابتكار تتخلل العديد من الأقسام بالشركة، هناك احتمال أن يشعر الموظفون أنك تتدخل في عملهم". وأضاف بريت أنّ هذا صحيح خاصة عندما تكون الأعمال الأساسية ناجحة وتبلي بلاء حسناً.

قد لا يكون كبار المدراء قادرين على دحض كل نزاع سياسي، لكن يمكنهم أن يكونوا واضحين بشأن ما يُتوقع أن تقوم به مجموعة الابتكار أو المشروعات الجديدة، وكيف يُتوقع من الآخرين دعم ذلك.

المشكلات الثقافية (أشار إليها 45% من المشاركين بالدراسة)

عادة ما تُبنى الثقافة في الشركات الكبرى على أساس التفوق التشغيلي والنمو المتوقع، ونادراً ما يجري الترحيب بصناع التغيير الذين يحاولون إجراء التجارب بأذرع مفتوحة، وخاصة عندما يعملون على فكرة قد تفكك الأعمال المستقرة أو تقلل نموذج التوزيع الحالي.

وتتمتع الشركات الكبرى بذاكرة قوية مثل الأفيال؛ فيمكنها أن تسرد التفاصيل خلال الاجتماعات وتتذكر كل محاولات الابتكار السابقة التي لم تنجح، وأن الوقت ربما لم يكن مناسباً، حسبما قالت ستايسي بتلر مديرة الابتكار في شركة إن آر جي إنرجي (NRG Energy) الأميركية.

يمكن أن يبدو التأثير على الثقافة في الشركات الراسخة في بعض الأحيان مثل محاولة السير داخل متحف للفنون وإجراء القليل من التغييرات الطفيفة على التماثيل الرخامية: لا أحد يريد منك أن تفعل ذلك، وأي شيء تفعله تقريباً سيثير رد فعل غير متوقع. لكن إنشاء أماكن جديدة يمكن أن يتجمع فيها الأشخاص للعمل في مشروعات - ثقافات فرعية داخل الثقافة الواسعة يمكن أن يكون بناء أكثر؛ لذلك يمكن تصميم مجموعة أنواع جديدة من الحوافز، وتحديد السلوكيات التي تريد تشجيعها ومكافأتها، وجلب وجهات نظر ومواهب جديدة أكثر تنوعاً إلى الشركة.

عدم القدرة على التصرف بناء على إشارات حاسمة عن مستقبل الأعمال (أشار إليها 42%  من المشاركين)

سألنا المشاركين في دراستنا عن عائقين مترابطين: ما مدى إجادة شركتك في التعرف على إشارات التغيير؟ وما مدى إجادتها في التصرف حيالها؟ قال 18% فقط من المشاركين بالدراسة إنّ شركاتهم عانت مشكلات مع الشركات السابقة؛ ولذلك فإنه في معظم الشركات كان هناك وعي بالشركات الناشئة المدمرة التي تدخل قطاعها أو تغير سلوكيات العملاء الشرائية. تكمن المشكلة في التعامل مع هذه الإشارات؛ فعندما يلاحظ "المستكشفون" في شركتك شيئاً مهماً، فما هي الآليات الموجودة لبناء التعاون مع الموردين أو الشركات الناشئة الخارجية، أم هل تجري اختباراً تجريبياً بشكل سريع مع إحدى الوحدات الوظيفية أو الأقسام في الشركة؟ تنتظر العديد من الشركات أن يحين موعد وضع الاستراتيجية الخارجية السنوية قبل أن تتعامل مع الديناميكيات المتغيرة في سوقها.

نقص الميزانية (أشار إليها 41% من المشاركين)

في العديد من الشركات الكبرى، في صناعات مثل أبحاث الفضاء والتقنية، لا تشكل الميزانيات المحدودة عقبة. على مدار عقود، قامت هذه الصناعات ببناء وظائف كبيرة في مجال البحث والتطوير يُتوقع منها أن تطرح أفكاراً جديدة تمكن الشركة من الاستفادة منها. لكن نحو 44% من المشاركين بدراستنا قالوا إنّ جهودهم في الابتكار حصلت على ميزانية سنوية أقل من 5 ملايين دولار أميركي، و23% منهم حصلوا على ميزانيات أقل من مليون دولار (طلبنا من المشاركين تضمين كل من رواتب أعضاء الفريق والإنفاق المباشر). العديد من هذه الميزانيات المنخفضة تكون في صناعات لم يكن بها أقسام للبحث والتطوير في السابق، مثل البيع بالتجزئة والفنادق والخدمات المالية.

وفي معظم الحالات، ينتج هذا المستوى من الميزانيات فريقاً صغيراً للابتكار ربما يقوم ببعض أعمال تطوير المفاهيم أو استكشاف اتجاهات السوق أو تدريب الموظفين على أساليب الابتكار، لكنه لا يتمتع بتأثير واسع في الشركة.

وقال ريك والدرون، وهو مسؤول تنفيذي سابق في شركة نايكي الأميركية الشهيرة لصناعة الملابس الرياضية وأدار وحدة تسريع الابتكار بالشركة حتى العام الماضي: "مع ميزانية أقل من مليون دولار، يبدو أنّ الوظيفة تبني حالة استثمار في الابتكار بدلاً من القيام بالابتكار نفسه". ويوضح والدرون أنّ هذا المستوى من التمويل يمكن استخدامه "لاصطحاب الإدارة العليا في هذه الرحلة وتثقيفها من خلال بعض الأمثلة العملية للمشروع، والتي ستكون مفتاح إتاحة المزيد من الموارد لبرنامج الابتكار".

عدم وجود الإستراتيجية أو الرؤية الصحيحة (أشار إليها 36% من المشاركين)

تشمل هذه الإجابة العديد من الخطايا. هل يعلم الموظفون ما هو نوع الابتكار الذي من المفترض أن يقوموا به؟ هل يبحثون عن أفكار لتبسيط العمليات وخدمة العملاء بشكل أفضل، أو تطوير نماذج أعمال جديدة حول المنتجات الحالية؟ دون استراتيجية متماسكة ورؤية واضحة لما تهدف الشركة إلى تحقيقه؛ ستكون جهود الابتكار مبعثرة ومعزولة.

ومن المثير للاهتمام أنّ المشاركين بالدراسة قالوا إنّ أقل ما يهمهم كان "نقص دعم الرئيس التنفيذي"؛ في حين قال 10% فقط منهم إنّ ذلك كان يعيق الابتكار في شركاتهم. وتبين أنّ الرئيس التنفيذي لأي شركة لا يستخدم مطرقة ضخمة يمكنها هدم أي عقبة تعيق فريق من الموظفين الأذكياء الذين لديهم فكرة جيدة.

إذن، ما الذي يمكنه أن يساعد على حل ذلك؟ وضع توقعات واضحة حول سبب ضرورة الابتكار، وأن يكون هناك تقدير وحوافز للأشخاص الذي يساهمون في حدوث التغيير الإيجابي. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون هناك اتصال منتظم وبناء للجسور بين فرق الابتكار والوحدات الوظيفية والأقسام في الشركة التي تحتاج إليها هذه الفرق كشركاء، ومقاييس الإنجاز التي لا تسلط الضوء على أداء مجموعة الابتكار فحسب، بل تبرز الوحدات الوظيفية والأقسام الموجودة بالشركة التي تعمل معها لتنفيذ أفكارها.

وكان أحد عوامل التمكين الرئيسية للابتكار، الذي أشار إليه أكثر من نصف المشاركين بدراستنا، هو "القدرة على الاختبار والتعلم والتكرار". ما مدى إجادة شركتك لإجراء التجارب السريعة والفعالة، وجمع النتائج، ومن ثم المحاولة مرة أخرى؟

أخيراً، يُعد الالتزام طويل الأجل أمراً ضرورياً. ترفض ثقافات الشركات العديد من المبادرات الجديدة إذا اعتقد الأشخاص أنهم مميزون. (أجاب أحد المشاركين عن سؤالنا حول العقبات أمام الابتكار قائلاً: "فرط حركة ونقص انتباه الإدارة العليا). وعندما يتحدث الرؤساء التنفيذيون والقادة الآخرون عن الابتكار، يجب أن يوضّحوا أنه سيكون أشبه بنظام تمرينات يومي - أي جزء من الطريقة التي تتم بها الأمور - من الآن فصاعداً، وأنه ليس تعويذة سحرية تحقق نتائج فورية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!