"إن ذهبت للنوم الليلة السابقة كشركة مصنعة، ستستيقظ في الصباح كشركة برمجيات وتحليلات". جيف إيملت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة جنرال إلكتريك.

تأتي الموجة الثانية من الرقمنة لتزعزع كل مجالات الحياة الاقتصادية. وكما أشار لذلك المستثمر في قطاع رأس المال المغامر، مارك أندرسن "إنّ البرمجيات تلتهم العالم". وعلى الرغم من كل هذا الزخم غير المسبوق للرقمنة، إلا أنّ العديد من صناع القرار لا يزالون مرتبكين في كيفية مواجهة الأمر، ومن ثم طلبوا مشورة العلماء من أجل توجيههم في كيفية التعامل مع هذه الزعزعة الرقمية.

وللإجابة عن ذلك، نقول أنّ أول ما على صناع القرار معرفته هو أنه ليس كل تغيّر تقني يعتبر تغيّراً "مزعزعاً". ومن المهم بالفعل التمييز بين الأنواع المختلفة للابتكار، وما الذي ينبغي على الشركات أن تفعله حيال كل نوع. وفي ورقة بحثية حديثة نشرت في دورية إدارة ابتكار المنتجات (Journal of Product Innovation Management)، قمنا بمراجعة منهجية لبحوث 40 عاماً (من العام 1975 إلى العام 2016) في مجال الابتكار. وباستخدام تقنية معالجة اللغات الطبيعية، قمنا بتحليل وتنظيم 1,078 مقالاً منشوراً حول مواضيع الابتكار المزعزع، والمعماري، والاختراقي، والمدمر للكفاءة، والمتقطع وأخيراً: الابتكار الجذريّ. وللقيام بذلك، استخدمنا خوارزمية عرض المواضيع مهمتها تصنيف المواضيع في مجموعة من النصوص الموثقة. بعد ذلك قمنا بمقارنة النماذج المختلفة من ناحية الكمية، الأمر الذي أدى إلى اختيار النموذج الذي يصف بشكل أفضل بيانات النصوص الأساسية. يقوم هذا النموذج بتصنيف النصوص إلى 84 موضوعاً مستقلاً. ويعمل هذا النموذج بشكل أفضل في ما يخص تفسير اختلاف البيانات المتعلقة بتعيين الكلمات للمواضيع، وتعيين المواضيع للأوراق البحثية، الأمر الذي يؤدي إلى تقليص التشويش في البيانات.

أتاح لنا هذا النموذج أن نحلل أوجه التشابه والتداخل في المواضيع المطروحة ضمن الأوراق البحثية المنشورة. على سبيل المثال، كشف النموذج أنّ موضوع "الابتكار المزعزع" عادة ما يذكر إلى جانب موضوع "نموذج العمل التجاري" في العديد من الدراسات. بعد ذلك، استخدمنا خوارزمية اكتشاف مجموعات المواضيع بغية تحديد الترابط البيني الكليّ لجميع المواضيع في شبكة البيانات التي اخترناها. كشفت لنا هذه الخوارزمية بروز مجموعتين من المواضيع ترتبط بأكبر عدد من المواضيع الأخرى وهما: الابتكار المزعزع والابتكار الجذري.

تصف الدراسات المتعلقة بالابتكار المزعزع  بأنه العملية التي تزعزع بها الشركات الجديدة الناشئة الشركات الموجودة في القطاع على الرغم من قلة الموارد التي تمتلكها الأولى. وهذا ما يمكن أن يحدث بطريقتين: الأولى هو استهداف الشركات الجديدة لفئات العملاء المهملة في السوق، وذلك بتوفير منتج يعتبره زبائن الشركات الحالية المتطلبين أدنى مستوى، ومن ثم تقوم الشركات الجديدة بالتوسع في السوق مع تحسّن منتجها تدريجياً. أما الطريقة الثانية فتتمثل في خلق أسواق جديدة تماماً وتحويل غير العملاء إلى عملاء فيه. والأمر الذي وجدناه مهماً في شبكة الأبحاث التي قمنا بتصنيفها أنها تشير إلى أنّ الزعزعة لا تتعلق بالتقنية فقط، بل ترتبط بمزيج يتكون من التقنيات وابتكار نماذج العمل التجارية.

من ناحية أخرى، ينبثق الابتكار الجذري من خلق معرفة جديدة وإضفاء الطابع التجاري على أفكار أو منتجات جديدة كلياً. وفي هذا السياق، تركز أبحاث الابتكار الجذري على أنواع السلوك المؤسساتي والهياكل التنظيمية التي تفسر وتتنبأ بعملية إضفاء الطابع التجاري على الأفكار الثورية الجديدة.

وفي هذا الإطار وجدنا أنه لكي يكون الابتكار "مزعزعاً"، لا بدّ على الشركة أولاً أن تحصل على القبول في المستوى الأدنى من السوق، حيث تكمن فئة العملاء التي غالباً ما تتجاهلها الشركات الحالية لصالح التركيز على عملاء المستوى الأعلى من السوق، لأنهم أكثر ربحية لها. وأفضل مثال على ذلك هو شركة نتفليكس. بدأت شركة نتفليكس كخدمة تأجير الأفلام عن طريق البريد، وهو النموذج الذي لم يكن مشجعاً لغالبية عملاء شركة بلوك باستر. بل كان يقتصر على شريحة معينة فقط من مدمني مشاهدة الأفلام. لكن مع صعود التقنية، بما فيها القدرة على البث على شبكة الإنترنت، استطاعت شركة نتفليكس أن تنميّ تجارتها وتوفر في نهاية المطاف الأفلام والبرامج التلفزيونية حسب الطلب لجمهور ضخم، بشكل مناسب وبسعر معقول. وهنا نرى أنّ بداية نتفليكس مع شريحة معينة من السوق الكبير هو ما جعل ابتكارها "مزعزعاً". لكن لو بدأت هذه الشركة مباشرة بشريحة كبيرة من السوق، فلربما حث ذلك شركة بلوك باستر على القيام برد فعل تجاري مضاد. إنّ الحصول على موضع قدم في شريحة محددة، أتاح لشركة نتفليكس أن تتحرك صعوداً وتتوسع في السوق وفق نموذج عمل تجاري مختلف تماماً والذي أدى في نهاية المطاف إلى اجتذاب العملاء الأساسيين لشركة بلوك باستر نفسها. كما تبين دراسة حالة شركة نتفليكس أيضاً أنّ "الابتكار المزعزع" يستغرق بعض الوقت لكي يتم. تأسست نتفليكس في العام 1997؛ في ما أعلنت شركة بلوك باستر إفلاسها سنة 2010. وفي الوقت الحالي، تقوم شركة نتفليكس باستهداف شريحة أخرى من موفري الترفيه، حيث تعتزم أيضاً "زعزعة" جزء آخر من قطاع الترفيه.

وفي حين أنّ الابتكار المزعزع جزء لا يتجزأ من تطوير نماذج العمل التجارية واستهداف شرائح المستوى الأدنى من السوق؛ نجد أنّ الابتكار الجذري يستند أساساً إلى القدرات المؤسساتية والفردية والموارد البشرية التي تتمتع بها المؤسسة. ومع أنّ الابتكار التدريجي (على سبيل المثال شركة موس الحلاقة تضيف شفرة خامسة لمنتجها) يساعد الشركات على الحفاظ على قدرتها التنافسية على المدى القصير، إلا أنّ الابتكار الجذري يركز على التأثير طويل الأجل والذي قد ينطوي على استبدال المنتجات الحالية، وتغيير العلاقة بين المستهلكين والموردين، وخلق أصناف جديدة كلياً من المنتجات. وللقيام بذلك، غالباً ما تعتمد الشركات على الابتكارات التقنية التي من شأنها رفع الشركة إلى المستوى التالي. وفي هذا السياق، نجد أنه وحتى في السنة 181 من وجودها، لا زالت شركة جون ديري (John Deere) تدخل ابتكارات ثورية في قطاع الزراعة وذلك من خلال إنشاء البيئة الأكثر شمولية للمنتجات الزراعية.

وهكذا نرى الشركة في العام 2012، تدرك قدرة البيانات الضخمة في قطاع الزراعة وتتبناها. ومن هناك، أصبح عملاء شركة جون ديري الذين ابتاعوا معداتها قادرين على ربط معداتهم بعدة منتجات برمجية تم دمجها لاحقاً بمنصة (myJohnDeere.com) المفتوحة. وابتكار مثل هذا يتطلب تمتع الشركة بالكفاءة التقنية، من بين جملة أمور أخرى. (بطبيعة الحال، قد يؤدي الابتكار الجذري إلى تغيير في نموذج العمل التجاري أيضاً، كما نرى تحول شركة جون ديري إلى نموذج عمل تجاري متمركز حول منصتها. إلا أنه وخلافاً لما يحدث في الابتكار المزعزع، يستند الابتكار الجذري أساساً على التقنية). ولذلك لا عجب أنّ نموذجنا الموضوعاتي كشف أنّ الابتكار الجذري يرتبط بمواضيع مثل الثقافة المؤسساتية وقدراتها، والموارد البشرية والاجتماعية للشركة، وإدارة المشاريع. إنّ الابتكار الجذري يغير بشكل كليّ الطريقة التي تتفاعل بها الشركات مع السوق، وتتطلب هذه الابتكارات من الشركة التي تود المضي قدماً في هذا الطريق قدرات مؤسساتية ومهارات تقنية جديدة تماماً.

وقد أكد تحليلنا للنصوص أنّ الباحثين في مجال الابتكار آمنوا منذ وقت طويل بأن الخلط بين الابتكار المزعزع والابتكار الجذري يعتبر مشكلة بالفعل. وذلك لأن هذين النوعين من الابتكار ينجمان عن آليات مختلفة كلياً عن بعضها البعض، ويتطلبان استراتيجيات مؤسساتية مختلفة تماماً للاستجابة لهما، حسب نوع الابتكار. إذاً، ما الذي يعنيه هذا للمدراء وشركاتهم؟

في حال واجهت الشركة ابتكاراً مزعزعاً محتملاً، لا بدّ على الشركات الحالية أن تركز على الاستراتيجيات المؤسساتية المتمثلة في إنشاء وحدات ونماذج عمل تجارية جديدة. ومن هذا المنطلق، تحتاج الشركات التي تود التعامل بنجاح مع الابتكارات المزعزعة أن تركز على المؤسسة كوحدة واحدة، وينبغي لها أن تتمتع بالرغبة في صرف إيراداتها الخاصة للتنافس مع الابتكارات المزعزعة والتفوق عليها.

على العكس من ذلك، تؤكد الأبحاث العلمية في موضوع الابتكار الجذري على القدرات الديناميكية والمؤسساتية. ويمكن للشركات القيام بذلك إما من خلال الاستفادة من كفاءاتها الأساسية أو من خلال التوسع بوتيرة أسرع من منافسيها لا سيما عندما تواجه الشركة ابتكارات تقنية جديدة تتميز بالثورية. من ناحية أخرى، تركز البحوث المتعلقة بالابتكار الجذري بوضوح على الموارد البشرية. وهنا تبرز أهمية القدرة على تصور مستقبل التقنية في توليد الأفكار الجديدة التي تعد لب الابتكارات الجذرية. وبالتالي يساهم استقطاب موظفين أفضل وأكثر كفاءة في تحضير المؤسسة لمواجهة التغيّرات المفاجئة والجذرية. مع ذلك، قد لا يكفي ذلك لضمان تغلب الشركات الحالية على الابتكارات المزعزعة في حال فشلت الشركة في فهم احتياجات عملائها أو أساءت فهمها. بعبارة أخرى، قد تبرع الشركات في توليد الأفكار الثورية الجديدة لكنها مع ذلك تعاني من قصر النظر الإداري الذي يتيح الفرصة لظهور الابتكارات المزعزعة.

إنّ الابتكارات المزعزعة والجذرية ظواهر معقدة وليست بسيطة، لكن من المهم جداً أن نفرق بين النوعين. ومع أنّ مارك أندرسن يتوقع أنّ العديد من القطاعات ستشهد الكثير من الابتكارات المزعزعة التي تقودها البرمجيات، حيث تتغلب فيها الشركات الجديدة على الشركات السابقة، إلا أنه وفي ذات الوقت بإمكان التقنية أن تمكّن الشركات الحالية من تغيير نماذج عملها التجارية بشكل جذري، لا سيما مع نماذج الأعمال التجارية الجديدة المتمركزة حول العملاء والمندرجة ضمن بيئات المنتج-الخدمة. وفي هذا السياق، نجد العديد من الأمثلة التي تبرز كيف ساعدت الابتكارات الجذرية الشركات الحالية على تأمين نفسها ضد الزعزعة. ويتجلى أحد الأمثلة في شركة دايملر (Daimler)، التي تستعمل حالياً استراتيجيتها كار تو غو (Car2Go) لتأمين مكانتها في السوق ضد شركتي أوبر وليفت التي قد تشكل خطراً مزعزعاً على نموذج عملها التجاري الأساسي. والأكثر من ذلك، أعلنت شركة دايملر شراكتها مع شركة بي إم دبليو وذلك بغية توحيد جهودهما لبناء منصة ونظام مركبات مشترك.

وختاماً نعتقد أنه في ما يخص الابتكار المزعزع، فإنّ السر في التجديد المؤسساتي يكمن في فهم احتياجات العملاء، أما في ما يتعلق بالابتكار الجذري، فيكمن الحل في قدرات الشركة الحالية ذاتها التي تواجهه. ولذلك، لا بدّ علينا ألا نخلط بين المفهومين، لأن ذلك سيضر أكثر مما ينفع.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!