تابعنا على لينكد إن

تملكون الحق في أن يكون لديكم وظيفة تُثريكم وتُنشطكم بدلاً من أن تجعلكم تتراجعون. يُعد هذا إعلان حقوق الإنسان الخاص بي داخل العمل. إذ يمثل هذا الإعلان ما أفعله باعتباري مدربة، وأستاذة إدارة، وإنسانة قبل أي شيء. ومع ذلك، لا يزال الأمر مثيراً للجدل بصورة مدهشة. يصدق المدراء والموظفون في المؤسسات المنتشرة حول العالم الفرضية التي تقول إنّ الأجر وجميع المميزات المذكورة في عقود العمل هي كل ما يمكن أن تتوقعوا الحصول عليه من العمل (وكل ما تدينون به للموظفين العاملين في مؤسساتكم)، وإنه من غير الواقعي أن تأملوا الحصول على مميزات أقل مادية مثل الثقة، والاحترام، والاستقلال، واللطف، والفرصة لتُحدثوا تأثيراً إيجابياً على الآخرين. إذ تتسبب هذه النظرة الفقيرة التي تطرأ على المواقف والسلوكيات المشهودة داخل أماكن العمل في إنهاك الموظفين. كما تحبس الأشخاص أيضاً في وظائف تضر برفاهيتهم وشعورهم بذواتهم.

عندما تتخطى الظروف والمتطلبات التي تواجهها في العمل (مثل أعباء العمل، ومستوى الاستقلالية، وقواعد السلوكيات الشخصية) قدرتك على التعامل معها، فأنت تواجه خطر التعرض للإنهاك. يشتمل الإنهاك على ثلاثة مكونات: الإجهاد (فقدان الطاقة)، واللامبالاة (فقدان الحماس)، وعدم الفاعلية (فقدان الثقة في النفس والقدرة على الأداء)، ولكن لا يجب أن تعاني من المكونات الثلاثة كي تعاني من العواقب الوخيمة لها. على سبيل المثال، إذا لم تؤمن بالأنشطة الرئيسية للمؤسسة التي تعمل فيها، وقيادتها، وثقافتها، فمن المرجح أنك تشعر بضعف الروح المعنوية حتى إذا كنت لا تزال تعمل بشكل جيد.

على الرغم من أنّ محاولات تقليل آثار الإنهاك أو منع حدوثه تقع على عاتق الأفراد، أثبتت الأبحاث أنّ الوظيفة والعوامل التنظيمية التي تكون خارجة عن سيطرة أي موظف بدرجة كبيرة تسهم في الإنهاك، أو على الأقل بنفس القدر الذي تسهم به العوامل الشخصية. إذ يُرجّح أن يواجه الأشخاص الإنهاك أمام الظروف التي تكون على شاكلة أعباء العمل الثقيلة غير الواقعية، المستويات المتدنية من التحكم في الوظيفة، والمعاملة الفظّة، والتنمر، والمصاعب الإدارية، وتدني الدعم الاجتماعي، وضعف الموارد التنظيمية، والقادة المرهقين، والسلوكيات القيادية السلبية. من جهة أخرى، يمكن تشبيه المؤسسات ذات حالات الإنهاك المتفشي بمراكز لانتشار الأمراض المعدية. إذ تظهر الأعراض لدى عديد من الأشخاص، ثم ترتد الآثار الضارة إلى جميع مستويات نظام علاقات الموظفين، سواء داخل مكان العمل أو خارجه. ولسوء الحظ، على النقيض من الاستجابة الطبية المنهجية التي تهدئ من حدة الأوبئة، لا يتم التصدي للعوامل الثلاثة للإنهاك، بينما تُترك معاناة الموظفين كي يسيطروا عليها بأنفسهم بأقصى ما يستطيعون.

لذا، سيأتي وقت يكون فيه ترك وظيفتك أو المؤسسة التي تعمل فيها أفضل إجراء تقوم به استجابة للإنهاك. لقد واجهت هذا القرار منذ أعوام قليلة أثناء عملي لدى إحدى المؤسسات التي انطوت على عوامل خطورة التعرض للإنهاك، وقد أُصيب العديد من الموظفين بالإنهاك، حيث جرّبت استراتيجيات عديدة لزيادة مشاركتي وإقبالي، مثل صياغة وصفي الوظيفي. كما بحثت عن طرق كي أخلق قيمة من أجل أصحاب العمل الذين استغلوا نقاط القوة لدي. وحظيت باتفاق على إجراء تعديل طفيف على وظيفتي، ما أتاح لي أن أقضي وقتاً أطول في أداء العمل الذي وجدته مجدياً، ووقتاً أقل على الواجبات التي لم تعجبني. إلى جانب ذلك، قللت من تعرضي للمخاطر، وتجنبت الأشخاص والمواقف التي استنزفت طاقتي بقدر ما استطعت.

إلا أنّ قدرتي على ممارسة السيطرة على وظيفتي تراجعت بدرجة كبيرة مع مرور الوقت. فقد كُلّفت بتأدية  كمية كبيرة من المهام المرهقة، وحُرمت من فرصة الاضطلاع بالمهام التي وجدتها مرضية. في غضون ذلك، أثبتت التمارين القوية، وممارسة اليوجا والتأمل أنها غير كافية للسيطرة على الضغط الذي أتعرض له. فوجدت أنه من الضروري تناول المهدئات أيضاً. لم أكن قادرة على خلق أي مسافة نفسية بيني وبين ضغوطات مكان العمل. إذ تطلبت المهام الاعتيادية وقتاً أطول وجهداً أكبر لإنجازها، ما جعلني أعمل باستمرار تقريباً. لقد كانت الرغبة في تحقيق الإنجازات هي ما توجهني دائماً، لذا، فإنّ الشعور بأنّ قدراتي الإبداعية والإنتاجية تُستنزف مني كان مخيفاً. لاحظ الأصدقاء بوضوح أنني كنت تعيسة في العمل. وأصبحت أدرك أنه على الرغم من أنّ ترك وظيفتي يستلزم تغييراً جوهرياً في مهنتي وانتقالاً غير مرغوب فيه، لكن سلامتي اعتمدت على ذلك.

إذا شعرت أنك منهك، كيف تعرف أنّ الوقت قد حان لإنهاء هذه الحالة؟ يمكن أن يساعدك التفكير في الأسئلة التالية على تحديد ما إذا كان عليك أن تغادر وظيفتك أم لا:

هل تمكّنك وظيفتك من أن تقدم أرقى نسخة من نفسك؟

تُسخّر أي وظيفة مستدامة مواطن القوة لديك وتساعدك على الأداء بأقصى طاقتك. وتُعد إحدى أكثر التجارب إحباطاً على الدوام، تلك التي أخبرني بها أحد عملائي في مجال التدريب، وهي أن يتحتم على المرء العمل في ظروف تعيق تأديته وظيفته عند مستوى أقل من إمكانياته: على سبيل المثال، أعباء العمل المفرطة، والأهداف المتعارضة، والتوقعات غير الواضحة، والموارد غير الكافية، ونقص الدعم الإداري. إضافة إلى ذلك، تحبط الحواجز المستمرة أمام الأداء الجيد حاجة البشر إلى الإتقان. والأكثر من هذا أنك عندما تُنهك، تقدم قيمة أقل مما ستقدمها إذا كنت تعمل في ظروف أكثر ملائمة لأدائك ومشاركتك وإقبالك على العمل. وفي بيئة العمل التي أعمل فيها، تقدّمت حالة الإنهاك التي أعاني منها، حيث تراجعت حوافزي ولم يكن لدي سوى القليل لأقدمه إلى صاحب العمل الذي أعمل لديه. فلم تقتصر المسألة على إضرار المؤسسة لذاتي، بل أيضاً كنت أضر بالمؤسسة. فالإنهاك يشبه علاقة سارت على نحو سيء: عندما لا تعود العلاقة الوظيفية ذات نفع لكلا الطرفين، تكون احتمالات الإنعاش باهتة، ويكون حان الوقت لإنهاء هذه العلاقة.

كيف تتماشى وظيفتك مع مبادئك واهتماماتك؟

عندما تشعر بروح الملاءمة بين مبادئك واهتماماتك ومبادئ واحتياجات المؤسسة التي تعمل لصالحها، من المرجح أنك ستجد عملك هادفاً ومجدياً. وعلى الصعيد الآخر، عندما تكون الملائمة سيئة يرجح أنك لن تحصل على الدعم الذي تحتاجه لتؤدي عملك بشكل جيد. ومن ثم ستعاني على مستوى النجاح الوظيفي. لقد تعارضت مبادئ أصحاب العمل الذين أعمل لديهم، التي كُشفت عبر السلوكيات الإدارية وممارسات اتخاذ القرار، مع التزاماتي الجوهرية تجاه الموثوقية، والاستقلالية، وإحداث الفارق الإيجابي، وتيسير الازدهار في العمل. وبينما كان هناك طرق قليلة يمكنني من خلالها خلق القيمة، ومساعدة الآخرين، والاستمتاع بلحظات الرضا، بدا المشهد قاتماً في المجمل. إذ فكرت في أنه بدلاً من محاولة استزراع الصحراء، سيكون من الأفضل البحث عن تربة خصبة في مكان آخر لأزرع فيها الثمار التي كنت أتوق إلى إحيائها.

كيف يبدو مستقبلك في وظيفتك؟

ابتعد قليلاً وحاول إلقاء نظرة شاملة من منظور طويل الأجل لتقييم ما إذا كنت تواجه فترة عصيبة على المدى القصير أو تدهور على المدى الطويل. هل ترى نفسك ضمن كبار أعضاء المؤسسة؟ وهل يعطونك رؤية متفائلة في ما يخص مستقبلك؟ إنّ إمكانية عيش تلك الحقيقة أطلق ناقوس الخطر داخلي، حيث كنت أرى بعض زملائي الذين يشغلون مناصب أعلى قد تقلصت أدوارهم بشكل واضح بسبب عملهم، وعانوا من المرض في كثيرٍ من الأحيان، وكانوا سلبيين باستمرار، ما جعلني أخاف من ذلك. وكنت على يقين أنني لا أريد أن ينتهي بي الأمر على تلك الحالة. وبدت الفرص المتاحة لتوسيع نطاق عملي في مجالات جديدة وتطوير المهارات التي كنت آمل في بنائها ضئيلة. واتسم مستقبلي في هذه المؤسسة بالجمود.

ما هو الثمن الذي تدفعه نتيجة لهذا الإنهاك؟

يمكن أن يسبب لك الإرهاق بخسائر فادحة في الصحة، والأداء، وآفاق التطور الوظيفي، والراحة النفسية، والعلاقات الشخصية. أضرت المشاعر السلبية التي جلبتها معي إلى المنزل بزواجي وعلاقاتي العائلية في حالتي، فضلاً عن أنها أفقدتني السكينة وراحة البال. وبينما كنت أجلس في مكتب مستشار العلاقات وأستمع إلى زوجي، الذي كان دائماً داعماً لي، وهو يقول: “لم يعد لدي المزيد من مشاعر التعاطف نحوك”، أوضح ذلك جلياً الثمن الذي تحملته نتيجة الإنهاك علي وعلى أسرتي. ومنه، إذا لم تكن متأكداً من تأثير الإنهاك عليك، حاول أن تسأل شريكك وأفراد عائلتك وأصدقائك المقربين عن وجهة نظرهم.

بعد النظر في هذه الأسئلة، استنتجت أن ترك عملك أو مؤسستك هو المسار الصحيح الذي ينبغي عليك اتباعه، فقد تخطيت بالفعل مرحلة صعبة. قد لا تكون قادراً على التوقف عن العمل اليوم. ولكن ربما هذا هو اليوم الذي تشرع فيه في وضع حجر الأساس: ضع جانباً بعض المدخرات الإضافية، وحدث سيرتك الذاتية، وتواصل مع شبكة علاقاتك، وانشر في كل مكان أنك ترغب في وظيفة جديدة، واحصل على مدرب، أو اشترك في دورة تدريبة على شبكة الإنترنت، فرحلة العودة إلى الازدهار تبدأ بمثل هذه الإجراءات. في حالتي، بدأت بالعمل في وظائف بدوام جزئي، وحصلت على شهادة مدرب، وتفاوضت مع صاحب العمل على تقديم بعض الدعم الإضافي في مجال التدريب كجزء من اتفاق عمل منفصل. وكونت مجموعة من أنشطة العمل التي حققت تطلعاتي في مهنة مستدامة أحبها. وأنا مقتنعة بأنه إذا كان العمل المجدي والمجزي يمثل لك أهمية، وإذا كنت ملتزماً بتحقيق ذلك، من المرجح أن تتمتع بحقك في عمل يضمن إثراءك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz