تعمل راما في وظيفة بمرتب عال في شركة استثمار وتعيش على أطراف مدينة بوسطن الأميركية مع خطيبها. كلاهما يحبان الركض في الحدائق قرب البيت بعد العمل كما يركبان الدراجة الهوائية ويمارسان رياضة التزلج في عطلة نهاية الأسبوع. لكن المشكلة هي أنّ راما تعمل لساعات طويلة إلى درجة لا تتيح لها أن تستمتع حقاً بالأنشطة التي تؤديها. ووصل الأمر حد أنها بدأت تكره وظيفتها، حتى أنها ذهبت إلى مقابلة عمل في شركة أصغر لا تعطيها سوى 60 في المئة من راتبها الحالي، ولكن بجدول أعمال معقول وفرصة لتصبح مديرة شريكة بعد ثلاث سنوات من العمل، ما يضمن لها تعويضات أعلى في المستقبل. إلا أنّها شعرت أنّ هذه الخطوة تنطوي على مخاطرة عالية، فقررت الاستمرار في وظيفتها الحالية.

تعب فادي من الإيجار، فذهب مع وكيل عقارات ليرى بعض الشقق الجميلة قرب مصنع للقطن في منطقة بروفدنس، في ولاية رود أيلاند الأميركية. عرف فادي أنّ هذا البناء يقع قرب مجمع مكاتب جديد انتقلت إليه مؤخراً شركة جديدة مختصة بتطوير التطبيقات، وباعتبار فرصة النمو لهذه الشركة وما يعنيه ذلك من زيادة عدد الموظفين الذين سينتقلون إلى المنطقة، فإنّ الطلب سيزداد وستزداد معه قيمة الشقق، لذا قرر فادي شراء شقة هناك.

خسر يامن نصف أسهمه في أحد الأعوام، وهو لا يستطيع الآن تحمل فكرة خسارة المزيد من النقود، فقرر بيع كامل حصته من الأسهم، حين بدأ السعر بالتعافي. كان ما يزال يامن محتفظاً بما لديه من مال، وفي أحد الأيام وبعد أن استمع إلى محاضرة تشويقية وبحث قليلاً في الإنترنت، قرر أن يستخدم معظم ما معه من مال لشراء ألواح الذهب.

نجد في هذه الأمثلة أنّ راما وفادي ويامن، كلّهم قرّروا أفعالهم بداية بما يضمن لهم تجنّب المخاطرة. وبصفتي رئيساً تنفيذياً لشركة استثمارية ومؤلف كتاب بخصوص الإقدام على المخاطر فقد حظيت بفرصة الحديث مع العديد من الأشخاص، وتوصلت إلى أنّه حتى لو اعتبرنا أنفسنا نميل إلى تجنب المخاطر، فإنّ ما نجده سلوكاً “أدنى خطراً” ينطوي على قدر من الغموض أكبر مما نتوقع.

وهذا يعود إلى أنّ انعدام الخطر يتطلب عادة حالة من الثبات في وضع ما، وينطبق هذا على الأمن في الوظيفة، أو الزواج المستقر، أو قيمة عملة ما. والحقيقة هي أنه قلّما تتمتع الظروف من حولنا بحالة الثبات الدائم. فالتغير من طبيعة الأشياء، والثبات هو الاستثناء. ولكنا نتصرف عادة كما لو أنّ الوضع الذي نسير عليه سيتواصل بلا انقطاع.

لذا نجد يامن يقرر الاعتماد على الذهب في ذروة صعود سعره، ولكنه يخسر 35 في المئة من قيمة مشترياته لحظة تراجع سعر الذهب. أما فادي فينتقل إلى شقته الجديدة، ولكن شركة تطوير التطبيقات المجاورة له تتعرّض للإفلاس بعد أن أطلقت شركة آبل تطبيقات مشابهة على نظام (iOS)، وبقي 50 في المئة من مجمع المكاتب شاغراً على مدار خمس سنوات لاحقة، وبدل أن تزيد قيمة شقة فادي تراجعت قيمتها بنسبة 20 في المئة. وبعد مضي سنة على تراجع راما عن قبول عرض جديد من شركة أصغر، سُرّحت من وظيفتها بعد أن قررت شركتها تقليص حجمها. ثم استقرّت في وظيفة جديدة بعد تسعة أشهر من البحث براتب مشابه ولكن مع فرص تطور أقل.

وقد رأيت العديد من الأشخاص أمام نكسات مثل هذه يرفعون أيديهم قائلين: “ليس في وسع أحد أن يتكهّن المستقبل!”. وهذا صحيح مبدئياً، ولكن هنالك بعض الأساليب التي تزيد من قدرتنا على تقدير المخاطر في المستقبل.

لو قام فادي مثلاً بالبحث قليلاً لاكتشف بسرعة وجود فائض في العقارات التجارية والسكنية في منطقة بروفدنس. ولم يكن عليه معرفة أنّ لشركة آبل تاريخاً معروفاً في الاستحواذ على تطبيقات الشركات الصغيرة الأخرى، ولم يكن عليه كذلك أن يقيّم المهارات الإدارية للرئيس التنفيذي لشركة التطبيقات تلك. كل ما كان يلزمه هو السؤال عن نسبة العقارات الشاغرة في المنطقة وما إذا كان هناك طلب كاف لعقارات جديدة. فلو أنه أخذ بعض الوقت في البحث عن إجابات هذه الأسئلة لمعرفة بعض العوامل التي تؤثر على سوق الإسكان المحلي في تلك المنطقة لتراجعت حماسة فادي لشراء الشقة وتوجه إلى استثمار أفضل.

أمّا يامن فقد أجرى بعض الأبحاث، ولكن يبدو أنه لم يحصل على معلوماته من مصادر موثوقة. كان يمكن لشخص متخصص في التخطيط المالي أن يعرّف يامن بالعواقب المحتملة للبيع عند بداية ارتفاع سعر الأسهم، أو إعادة استثمار الأموال في محفظة غير متنوعة. كان يجدر بيامن استشارة خبير حقيقي أو عدة خبراء إن لم يكن يثق برأي شخص واحد.

أمّا راما فهي تعترف الآن أنّه كان يجدر بها أن تتنبه إلى المخاطر التي تحوم حول الشركة التي تعمل فيها، ولا سيما مستوى الإنفاق العالي في الشركة مقارنة بأدائها وأعمالها الجديدة. لقد كانت الشركة في طريقها نحو تقليص حجمها وتسريح بعض موظفيها، ولكن راما تجنبت التفكير بذلك. أما الآن فهي تدرك أنّ الوضع القائم عادة ما ينطوي على بعض المخاطر، وأنّ تكلفة الإحجام عن المخاطرة تكون أعلى من تكلفة المخاطرة نفسها.

فإن كنت ممن يعتقدون أنهم يتجنبون المخاطر حاول الاستفادة من هذه الإستراتيجيات: إجراء البحوث بخصوص المسارات المحتملة لعمل ما، والحصول على المعلومات من مصادر موثوقة، وتقييم المخاطر الكامنة في وضع يبدو عليه الثبات.

من المستحيل فعلياً تجنب المخاطر بشكل مطلق، وتدخل فكرة التفادي التام للخسائر في باب الوهم، ولكن يلزمنا مع ذلك أن نقر ونقبل بشجاعة حقيقة وجود تغيّرات محتملة غير متوقّعة في عالم الشركات والأسواق والتقنية وحتى في علاقاتنا الشخصية مع الآخرين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!