8 قواعد بسيطة للتغلب على الإعياء الرقمي في العمل

9 دقيقة
الإعياء الرقمي
أرتور ديبات/ غيتي إميدجيز

يمثل الإعياء الرقمي تحدياً معاصراً في بيئة العمل، لا ينشأ عن سوء الإدارة بقدر ما ينتج عن زعزعة الأدوات الرقمية لتوازننا المعرفي والعاطفي. فتجزئة الانتباه والتنقل المستمر بين سياقات مختلفة والحاجة إلى استنتاج المعنى من إشارات رقمية محدودة، كلها عوامل تسهم في هذه الظاهرة.…

الساعة الآن 6:30 مساء، وقد حضرت اجتماعات متتالية منذ الساعة 8:00 صباحاً. يتكدس في صندوق بريدك 137 رسالة غير مقروءة، وبلغ عدد الإشعارات على منصة سلاك أكثر من 100 إشعار، بينما تفتح أمامك ثلاث لوحات متابعة يتعين عليك مراجعتها قبل الغد. تشعر بذلك الخواء المألوف وهو يتسلل إليك، ليس إعياء جسدياً ولا احتراقاً وظيفياً تقليدياً، بل شكلاً حديثاً ومميزاً من الاستنزاف. إنك تعاني ما تشير إليه الأبحاث الحديثة باسم "الإعياء الرقمي".

وعلى خلاف الاحتراق الوظيفي التقليدي، لا يرتبط الإعياء الرقمي بالضرورة بسوء الإدارة أو بثقافة العمل السامة، بل يمكن أن يظهر حتى في مؤسسات تعمل بكفاءة وتتمتع بقيادة داعمة؛ فهو ينبع من الأدوات ذاتها التي اعتمدناها لتسهيل العمل وزيادة كفاءته. واستناداً إلى بحث شمل أكثر من 12,000 موظف في مجال المعرفة على مدى عقدين، أمكنني تحديد الأنماط الكامنة وراء هذه الأزمة المتنامية، إلى جانب 8 قواعد قائمة على الأدلة يمكن للقادة تطبيقها فوراً.

ما الذي يؤدي إلى الإعياء الرقمي؟

لا ينجم الإعياء الرقمي عن أجهزتنا في حد ذاتها، بل عن ربطها لنا بالمعلومات وبالآخرين على نحو يتحدى بنيتنا المعرفية ويستنزف قوانا العاطفية. وثمة 3 قوى مترابطة تعمل معاً على استنزاف طاقتنا من خلال تفاعلاتنا الرقمية.

أولاً، تعمل التكنولوجيا الرقمية على تجزئة انتباهنا بطرق غير مسبوقة. فعندما ننتقل باستمرار بين البريد الإلكتروني وجداول البيانات ورسائل الدردشة ومكالمات الفيديو، يضطر الدماغ في كل مرة إلى إعادة توجيه تدفق الدم إلى مناطق عصبية مختلفة. ويجري موظف المعرفة المعاصر نحو 1,200 انتقال من هذا النوع يومياً، يتطلب كل انتقال منها بضع ثوان من إعادة التهيئة العصبية. والأهم من ذلك أن هذه الانتقالات تخلف ما يسميه الباحثون "بقايا الانتباه"، أي استمرار انشغال الانتباه بالمهمة السابقة، وهو يؤدي إلى إضعاف الأداء في المهام اللاحقة مدة تصل إلى 23 دقيقة.

ثانياً، إن السياق المعلوماتي المحدود للتواصل الرقمي يفرض علينا إجراء استنتاجات متواصلة. فعندما نتلقى رسالة إلكترونية مقتضبة أو دعوة غير متوقعة لاجتماع، لا نكتفي بمعالجة المعلومات، بل نعمل على استخلاص المعنى عبر ملء الفجوات بافتراضات تتعلق بالمقاصد والمشاعر والظروف. وتستدعي عملية تكوين هذه الاستنتاجات مناطق كثيفة الاستهلاك للطاقة في القشرة الجبهية الأمامية، وهي مناطق تطورت للتعامل مع المواقف الاجتماعية العرضية، لا للاستخدام المستمر على مدار يوم العمل.

ثالثاً، تطلق تفاعلاتنا الرقمية استجابات عاطفية قوية من دون أن توفر الإشارات التنظيمية التي توازن التفاعلات المباشرة وجهاً لوجه. إذ تشير الدراسات إلى أن التواصل الرقمي ينشط اللوزة الدماغية على نحو مماثل للتفاعلات المباشرة، لكنه يفتقر إلى الإشارات غير اللفظية المهدئة التي تساعد على ضبط الانفعال العاطفي. وينتج عن ذلك حالات مطولة من الاستثارة العاطفية تستنزف طاقتنا باستمرار.

ما يدعو إلى التفاؤل أن هذه العوامل لا تؤدي حتماً إلى الإعياء الرقمي. فإذا تعلمنا إعادة توجيه علاقتنا بأجهزتنا، أمكننا تفادي الشعور بالاستنزاف الذي يخيم في كثير من الأحيان على حياتنا المهنية والشخصية.

كيف تتغلب على الإعياء الرقمي

1. توقف عن استخدام نصف أدواتك:

يمثل تضخم الأدوات الرقمية أحد أكثر مسببات الإعياء لدى المسؤولين التنفيذيين التي لا تحظى بالاهتمام الكافي. فموظف المعرفة يستخدم اليوم 34 أداة رقمية مختلفة في المتوسط، أي أكثر من 4 أمثال العدد السائد في أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة. ولا يقتصر أثر هذا التضخم على التنقل الروتيني بين سياقات متعددة، بل يفضي أيضاً إلى ما يسميه علماء العلوم المعرفية "تحولات الأنماط التفاعلية"، أي الانتقال بين أشكال مختلفة تماماً من التفاعل تتطلب إعادة تهيئة عصبية شاملة.

انظر على سبيل المثال إلى الرئيسة التنفيذية للتسويق في شركة برمجيات متوسطة الحجم، أليشيا. عندما تتبعنا أنماط الاستخدام الرقمي لديها، وجدنا أنها كانت تستخدم 41 أداة رقمية مختلفة. وكانت نحو 30% من هذه الأدوات تكرر وظائف موجودة في أدوات أخرى.

يبدأ التصدي لهذه المشكلة بإعداد جرد شامل للأدوات الرقمية المستخدمة. فعندما طبقت أليشيا هذا النهج، استغنت كلياً عن 18 أداة، وقيدت استخدام 12 أداة أخرى بجداول أسبوعية محددة. كما أضافت عوائق مقصودة أمام استخدام الأدوات غير الأساسية عبر إزالة اختصارات سطح المكتب وتعطيل الإشعارات الفورية. أسفرت هذه التغييرات عن خفض معدلات التنقل بين السياقات بنسبة تقارب 70%، كما استعادت أليشيا ما يقرب من ساعتين من وقتها يومياً، وشهدت انخفاضاً ملحوظاً في مستويات الإعياء لديها.

2. وائم القناة مع المهمة:

تختلف القنوات الرقمية اختلافاً ملحوظاً في قدرتها على نقل الدلالات الدقيقة والسياق والعاطفة. ومع ذلك، يعتمد معظم المسؤولين التنفيذيين نهجاً واحداً في مواقف التواصل الرقمي كلها، ما يخلق اختلالات عميقة تسهم في تفاقم الإعياء. ولاختيار القناة بفعالية، ثمة 3 محاور حاسمة ينبغي مراعاتها: درجة الالتباس، والحاجة إلى التنسيق، والدلالة الرمزية.

انظر على سبيل المثال إلى المستشار القانوني العام في شركة متعددة الجنسيات، جيفري، الذي وجد نفسه يمضي أكثر من ساعتين يومياً في توضيح سوء الفهم الناجم عن الرسائل الإلكترونية. ولم يكن الحل في التخلي عن البريد الإلكتروني بالكامل، بل في إنشاء إطار منهجي لمواءمة القناة مع نوع المهمة. فإذا استدعى موضوع ما أكثر من رسالتين إلكترونيتين متبادلتين، انتقل تلقائياً إلى مكالمة فيديو. أما الموافقات الروتينية وتبادل البيانات، فاستخدم لها قنوات نصية ملائمة. والأهم من ذلك أنه أعلن هذا الإطار بوضوح لزملائه، بحيث غدت التحولات بين القنوات متوقعة لا استثنائية.

وقد أحدث هذا النهج تحولاً ملموساً في أنماط تواصله؛ إذ انخفض حجم البريد الإلكتروني بنحو 60%، بينما تراجع زمن حسم القضايا المعقدة إلى النصف. والخلاصة أن لكل قناة رقمية نقاط قوة تجعلها أنسب لمهام بعينها: فمكالمات الفيديو توفر إشارات غير لفظية ثرية لا غنى عنها للمسائل المعقدة، لكنها تفرض عبئاً تنسيقياً كبيراً؛ في حين يتيح التواصل النصي كفاءة غير متزامنة، لكنه يمثل صعوبة بسبب الحاجة إلى التعامل مع الغموض.

3. وازن بين تجميع الرسائل والتعامل معها على نحو متواصل:

يعتمد معظم المدراء إحدى استراتيجيتين للتعامل مع عمليات التواصل الرقمية الواردة؛ تجميع الرسائل أو التعامل معها على نحو متواصل. يعني تجميع الرسائل تخصيص أوقات محددة لمعالجتها دفعة واحدة، ويستفيد هذا الأسلوب من الكفاءة عبر إبقاء الدماغ في نمط معالجة متسق، ما يقلص زمن التعامل مع كل رسالة على نحو ملحوظ. غير أن المفاضلة هنا تكمن في تراكم الرسائل، وغالباً ما يشعر المرء بالقلق وهو يعلم بوجود عناصر تنتظر الرد. أما التعامل المتواصل، فيعني الاستجابة للرسائل فور ورودها؛ وهو يتيح حسم القضايا بسرعة، ويقلل الحاجة إلى تذكر المتابعة لاحقاً، لكنه يأتي على حساب تكرار المقاطعات وتجزئة الانتباه باستمرار.

اكتشفت الرئيسة التنفيذية للشؤون المالية في مؤسسة للرعاية الصحية، إلينا، أن كلا الخيارين غير مناسب إذا ما استخدمته وحده. ومن خلال دراسة أنماط طاقتها الشخصية، صممت نظاماً هجيناً يجمع بين تجميع الرسائل لمعظم المراسلات، والتعامل المتواصل الانتقائي مع ما هو عاجل فعلاً؛ فحددت بعناية قائمة صغيرة من جهات ذات أولوية قصوى يتعين معالجة رسائلها فوراً، في حين جمعت بقية الرسائل لمعالجتها خلال 3 فترات مخصصة يومياً.

أسهم هذا النهج المصمم وفق احتياجاتها في خفض المقاطعات اليومية بأكثر من 40%، مع الحفاظ على سرعة الاستجابة للمسائل التي لا تحتمل التأجيل. والخلاصة أن النهج الأمثل يقوم على مواءمة وتيرة المعالجة مع نوع المعلومات.

4. انتظر ساعة، يوماً، أسبوعاً:

لقد غيرت الأدوات الرقمية على نحو جذري توقعاتنا بشأن توقيت التواصل. إذ كشفت الأبحاث عن انتشار "تحيز إلحاح البريد الإلكتروني"، إذ يعتقد المتلقون أن المرسلين يتوقعون ردوداً أسرع بكثير مما يصرح به المرسلون أنفسهم. ويخلق هذا التصور الخاطئ حلقة مفرغة؛ فسرعة الردود ترفع سقف التوقعات، ما يؤدي إلى زيادة الضغط وتفاقم الإعياء.

طبق العضو المنتدب في إحدى شركات الاستشارات، مايكل، نهجاً متدرجاً للرد على الرسائل؛ إذ خصص ساعة واحدة للاستفسارات المباشرة، ويوماً واحداً للأسئلة المعقدة التي تتطلب بحثاً، وأسبوعاً واحداً للمسائل الاستراتيجية التي تستدعي تفكيراً متأنياً. ولم يقتصر الأثر على انخفاض المقاطعات بدرجة ملحوظة، بل ارتفعت أيضاً مؤشرات رضا العملاء مع تحسن جودة الردود وشمولها. وربما كانت المفاجأة الأكبر أن نحو ثلثي الرسائل المصنفة في البداية على أنها "عاجلة" انحلت من تلقاء نفسها خلال فترة الانتظار من دون تدخله.

يبدأ تطبيق هذا النهج بتواصل صريح حول أنماط الاستجابة. فقد بادر مايكل إلى ضبط التوقعات عبر إشعارات بسيطة تؤكد الاستلام، مع تحديد أطر زمنية مناسبة للرد. فالانتظار لا يعني تقليص الاستجابة، بل يجعلها أكثر فعالية بفضل التوقيت المدروس.

5. لا تعتمد على الافتراضات:

أدت عمليات التواصل الرقمي إلى تجريد التفاعل الإنساني من الإشارات السياقية الأساسية التي يعتمد عليها المرء في الفهم المتبادل. ومن دون هذه الإشارات، تلجأ أدمغتنا تلقائياً إلى سد الفجوات عبر افتراضات تستثير الدوائر العصبية ذاتها التي تنشط عند التعامل مع معلومات مؤكدة.

وجد نائب رئيس إحدى شركات الخدمات المالية، راجيف، نفسه يمضي ساعات في اجترار الأفكار حول الرسائل الواردة من رئيسه التنفيذي، وينشئ تأويلات سلبية معقدة استناداً إلى معطيات محدودة. ومن خلال تطبيق ما سماه "مراجعات الافتراضات"، نجح راجيف في كسر هذا النمط. فمع كل تواصل يثير لديه رد فعل، كان يدون الوقائع القابلة للملاحظة، ثم يميز افتراضاته التي تتجاوز تلك الوقائع، ويضع ما لا يقل عن تفسيرين بديلين.

والأهم من ذلك، طور راجيف استراتيجيات تحقق لعمليات التواصل ذات المخاطر العالية. فبدلاً من التعامل مع الافتراضات بوصفها حقائق، لجأ إلى توضيح صريح، مثل: "أفهم من رسالتك أنها تشير إلى كذا؛ هل هذا ما تقصده؟". ومن خلال تنمية هذا الوعي بطريقة تفكيره وافتراضاته، أفاد راجيف بأنه أصبح يشعر "براحة أكبر ولم يعد يندفع إلى افتراض الأسوأ عن زملائه"، كما لاحظ أن هذا النهج الجديد أسهم في تسريع اتخاذ القرار بدرجة ملحوظة.

6. تصرف بغاية واضحة:

وجدت الرئيسة التنفيذية للاستراتيجية في شركة للرعاية الصحية، إلينا، نفسها تمضي ما بين 3 و4 ساعات يومياً على الأجهزة الرقمية من دون تحقيق تقدم هادف في أولوياتها الاستراتيجية. وكشف التحليل أن معظم الجلسات الرقمية كانت تبدأ بغاية مبررة، لكنها سرعان ما تنزلق إلى تصفح بلا هدف واضح. ولم يكن الحل في استخدام التكنولوجيا بدرجة أقل، بل في استخدامها لغاية محددة بوضوح.

قبل الانخراط في أي أداة رقمية، كانت إلينا تصوغ بوضوح الغاية المقصودة من استخدامها. ولكل جلسة رقمية، حددت معايير إنجاز واضحة تؤكد اكتمال المهمة بنجاح. كما اعتمدت محفزات بيئية تساعدها على الانفصال الواعي، مستخدمة إشارات جسدية بسيطة، مثل الوقوف أو تغيير المكان، لقطع الطريق على الأنماط غير الواعية.

وعلى الرغم من أن إجمالي وقتها على الأجهزة الرقمية لم ينخفض سوى بنحو 15%، فإنها قدرت أن إنتاجيتها ارتفعت بنحو 50%. فمن خلال القضاء على الأنشطة الرقمية العديمة الغاية، استعادت إلينا وقتها وطاقتها الذهنية التي كانت تستنزفها التفاعلات المتدنية القيمة.

7. تعلم بالملاحظة:

على الرغم من أن التكنولوجيات الرقمية قد تصيبنا بالإعياء عبر التفاعل النشط معها، فبوسعها أيضاً أن تمنحنا طاقة وحيوية إذا أحسنا استخدامها.

خصص رئيس قسم المنتجات في إحدى شركات التكنولوجيا، جيمس، 45 دقيقة ثلاث مرات أسبوعياً لما سماه "الاطلاع الرقمي غير التفاعلي"؛ أي مراجعة القنوات العامة ووثائق المشاريع ومستودعات المعرفة دون أي متطلبات للتفاعل أو الرد. ومن خلال هذا الأسلوب، اكتشف روابط بين مشاريع بدت في ظاهرها غير مترابطة، وتعرف إلى خبرات لم يكن يدرك وجودها من قبل، وبنى فهماً سياقياً أعمق ساعده على تحسين جودة صناعة القرارات لديه.

ومن خلال إعداد مصادر معلومات مختارة تناسب احتياجاته، صار جيمس يطلع بصورة غير تفاعلية على حركة العمل عبر الشركة دون انخراط مباشر. وقد أتاح له ذلك ما يسميه خبراء العلوم المعرفية "التعلم بالملاحظة"؛ أي رصد الأنماط واستخلاص الرؤى دون جهد واع أو مقصود. على سبيل المثال، كان يراجع بانتظام مستجدات إحدى قنوات الهندسة، ولاحظ أن فريقين كانا يعالجان المشكلة نفسها بالتوازي. فاستلهم نهج أحد الفريقين وطبقه في مشروعه، ما وفر عليه أسابيع من التجربة والخطأ.

8. كن حاضراً هنا، لا في مكان آخر:

تمنحنا التكنولوجيات الرقمية قدرة غير مسبوقة على ما يمكن تسميته بالانتقال الذهني الفوري بين أماكن وسياقات متعددة. وعلى الرغم من أن هذه الإمكانية توفر قدراً من المرونة، فهي تعوق بلوغ حالة التدفق؛ تلك الحالة المجزية نفسياً التي يبلغ فيها الإنسان درجة كاملة من الانغماس والتركيز، وهي أساسية لكل من الأداء الفعال والرفاه النفسي. وحالة التدفق هي النقيض المباشر للإعياء الرقمي.

أدركت الرئيسة التنفيذية للتسويق في شركة تعمل في قطاع التجزئة، مايا، أنها كانت تمضي نحو 5 ساعات يومياً في تفاعل رقمي مجزأ. ولاستعادة شعور الحضور الذهني بدلاً من التشتت عبر مساحات رقمية متعددة، أعادت تصميم جدول مواعيدها اليومي وخصصت فترات أطول من التركيز المتواصل؛ فحجزت فترات زمنية مدتها ساعتان للعمل العميق، وعطلت الإشعارات والتزمت بأداء مهمة واحدة فقط خلال تلك الفترات. وفي الفواصل بينها، لجأت إلى أنشطة مكملة تجدد نشاطها الذهني دون أن تقطع حالة الانخراط. وقد ساعدتها هذه الممارسات على بلوغ حالة التدفق في المهمة التي تؤديها والحفاظ على تركيز مستدام، مع تجنب الإعياء الذي ينشأ من الشعور الدائم بأن الذهن منشغل في مكان آخر.

بناء ثقافة رقمية مستدامة

في حين أن إدارة الإعياء الرقمي على المستوى الشخصي بالغة الأهمية، فإنك تؤثر أيضاً بصفتك قائداً، وبدرجة كبيرة، في رفاه فريقك الرقمي. فالمعايير الثقافية التي ترسخها، من خلال ما تقدمه من قدوة عملية وما تضعه من توجيهات صريحة وواضحة، تشكل الأساس الذي تقوم عليه ممارسات التفاعل الرقمي المستدام في مختلف أقسام مؤسستك.

قد بالقدوة، لا بالسياسات:

تخلق السلوكيات الرقمية للقادة معايير ضمنية تتجاوز أثر أي سياسات مكتوبة. فعندما ترسل رسائل إلكترونية في منتصف الليل، فإنك تبعث برسالة غير معلنة مفادها أن الإتاحة مطلوبة على مدار الساعة، بصرف النظر عما يرد في دليل الموظف أو في السياسات الرسمية.

اكتشف مدير العمليات في شركة صناعية، كارلوس، أن رسائله الإلكترونية الليلية كانت تبث القلق في نفوس أفراد فريقه، على الرغم من تصريحاته الواضحة بأن الرد الفوري غير متوقع. تمثل حله في اعتماد خاصية جدولة البريد الإلكتروني بحيث تصل الرسائل خلال ساعات العمل، إلى جانب فتح نقاش صريح مع فريقه حول تحدياته الشخصية في التعامل مع الأدوات الرقمية.

ضع اتفاقات واضحة داخل الفريق:

ينشأ الإعياء الرقمي في كثير من الأحيان عن اختلال التوقعات المتعلقة بالأدوات وتوقيت التواصل والإتاحة. وقد طور فريق المنتجات لدى مارينا "ميثاقاً للتواصل الرقمي" أحدث تحولاً ملحوظاً في ثقافة الفريق، من خلال تحديد القنوات الأنسب لكل نوع من أنواع التواصل وأطر زمنية متوقعة للرد وقواعد واضحة للتعامل مع الإشعارات. وقد أسهم هذا الإطار المشترك في خفض المقاطعات الرقمية اليومية بنسبة تزيد على 60%، مع تحسين التنسيق داخل الفريق في الوقت نفسه.

صمم هيكل التواصل داخل مؤسستك:

ينبع معظم الإعياء الرقمي من مشكلات هيكلية لا تستطيع قوة الإرادة الفردية وحدها التغلب عليها. وقد اعتمد فريق الهندسة لدى ديف مبادرة "أربعاء بلا اجتماعات" مقرونة بتعطيل الإشعارات خلال فترات العمل العميق المحددة. ومن خلال تحديد المهام التي تتطلب تعاوناً والتي تستلزم تركيزاً فردياً، وتصميم مسارات عمل تجمع الأنشطة المتوافقة معاً، نجح الفريق في خفض الحمل المعرفي بدرجة ملحوظة، وهو الحمل الذي كان ينشأ سابقاً عن اختلال التوقعات وعدم اتساقها.

أعد تعريف مقاييس النجاح:

تؤثر مقاييس الأداء بعمق في السلوك الرقمي داخل المؤسسات. فقد اكتشفت مديرة نجاح العملاء، سارة، أن فريقها كان ينتج كماً كبيراً من الوثائق في المقام الأول لإظهار الإنتاجية، لا لتقديم قيمة حقيقية. ومن خلال تحويل مقاييس الأداء من التركيز على المخرجات إلى التركيز على النتائج، نجحت سارة في إحداث تحول جوهري في الثقافة الرقمية للفريق. وقد أسهمت إعادة تعريف النجاح هذه في خفض الأنشطة الرقمية غير الضرورية بنسبة 47%، مع تحسين مؤشرات الأداء الرئيسية في الوقت نفسه.

الإعياء الرقمي ليس حتمياً؛ فهو ينشأ من أنماط غير واعية في استخدام التكنولوجيا، ويمكننا تغييرها عبر ممارسة مدروسة. وتقدم القواعد الثماني الواردة هنا إطاراً عملياً يتيح للقادة استعادة رفاههم الرقمي الشخصي، إلى جانب رفاه فرقهم.

ومع دخولنا عصراً تتسارع فيه وتيرة التحول التكنولوجي، لا سيما مع صعود الذكاء الاصطناعي وظهور بيئات رقمية غامرة على نحو متزايد، تزداد أهمية هذه المنهجيات. فالقادة الذين ينجحون في الازدهار لن يكونوا أولئك الذين يتبنون كل تكنولوجيا جديدة دون تمحيص، ولا الذين يقاومون التغيير بدافع الخوف. بل سيكون النجاح من نصيب من يطورون علاقة واعية ودقيقة بالتكنولوجيا، تعزز فوائدها وتحد في الوقت نفسه من تكاليفها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2025.

المحتوى محمي