تابعنا على لينكد إن

تشير التقديرات إلى أنّ 1833 شخصاً لقوا حتفهم في العام 2005 بسبب إعصار كاترينا، (أحد أكثر الأعاصير فتكاً في تاريخ الولايات المتحدة). وقد تعرضت الحكومة الفيدرالية لانتقاد واسع حينها بسبب سوء استعدادها واستجابتها للإعصار، فكان من أهم الدروس المستفادة من عاصفة العام 2005 أنّ هناك حاجة إلى نظام أمتن للاستجابة للكوارث الطبيعية في الولايات المتحدة. لكن الأثر الذي تركه الإعصار ماريا على بورتوريكو في العام 2017 أظهر أنّ الدروس لم تُستوعب جيداً: إذ نجم عن الإعصار الذي ضرب الجزيرة في سبتمبر/أيلول  الماضي تشريد عشرات الآلاف من سكان بروتوريكو، وترك أكثر من مليون شخص من دون كهرباء لأسابيع عديدة، وتسبب بضرر يقدر بحوالي 90 مليار دولار أميركي (وهو ما يجعله ثالث أعلى الأعاصير المدارية تكلفة في الولايات المتحدة منذ العام 1900).

قدرت دراسة نُشرت في 29 مايو/آيار في صحيفة نيو إنجلاند الطبية (New England Journal of Medicine) أنّ خسائر الأرواح المرتبطة بالإعصار ماريا في بورتوريكو لا تقل عن 4,654 قتيلاً، وهو رقم أكثر بسبعين مرة من الرقم الرسمي الأصلي الذي قدر الوفيات بـ64 حالة وفاة. (نشرت دائرة الصحة في بورتوريكو منذ عدة أيام تقديرها الخاصة والذي قدر الوفيات بـ1,400 قتيل، وهو لا يزال أقل بكثير من تقديرات الدراسة). ففي أعقاب العاصفة، وصل معدل الوفيات (من 20 سبتمبر/أيلول إلى 31 ديسمبر/كانون الأول) إلى 14.3 في كل 1,000 شخص، وهو ارتفاع بمقدار 62% عن المعدل الرسمي لنفس الفترة من العام 2016، وذلك بحسب ما توصل إليه باحثون من كلية هارفارد تي إتش تشان للرعاية الصحية (Harvard T.H. Chan School of Public Health) وغيرها من المؤسسات. كتب الباحثون: “كان توقف الرعاية الصحية السبب الرئيسي للمعدلات المرتفعة المستدامة من الوفيات في الشهور التي تلت الإعصار”.

هناك ثلاثة تفسيرات تشرح سبب موت الكثير من الناس بعد الإعصار ماريا: أولاً، الاستجابة الهزيلة من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، ثانياً، الحالة الصحية السيئة نسبياً لدى سكان بورتوريكو  قبل العاصفة، وأخيراً، البنية التحتية السيئة، وضعف تمويل النظام الصحي في الجزيرة. من المهم بشكل خاص هنا ملاحظة أنّ الدواء الحديث هذه الأيام يمكنه جعل الأفراد يتعايشون مع أمراض مزمنة كانت تتسبب في الماضي بجعلهم يذعنون للمرض، هذا يعني أنّ فشل نظام الرعاية الصحية المحلي له بشكل خاص آثار تدميرية على صحة السكان في مرحلة ما بعد الكارثة. ترتبط هذه التفسيرات بالمعاملة المختلفة التي يتلقاها سكان بورتوريكو لكونها مقاطعة وليس ولاية أميركية، فمع أنّ سكانها مواطنون أميركيون إلا أنهم لا يتمتعون بنفس الحقوق كنظرائهم في الولايات المتحدة.

استجابة الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ

في العام 2017، حلّت ثلاث عواصف رئيسية على الولايات المتحدة في موسم العواصف: فضرب الإعصار ماريا بورتوريكو بعد فترة قصيرة من تسبب كل من الإعصارين هارفي وإيرما بأضرار واسعة في ولايات تكساس وفلوريدا على التوالي. كانت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ منشغلة كلياً بتنسيق الاستجابات لكل من الكوارث الثلاث، والتي كانت متزامنة مع بعضها في وقت من الأوقات، لكن الاختلاف الواضح في المساعدة التي قُدّمت لتكساس وفلوريدا من جهة ولبورتوريكو من جهة يظهر أنّ الدمار الحادث من الإعصار ماريا لم يتم التعامل معه بالسرعة والجدية المطلوبتين. وتخبرنا الأرقام قصة محزنة: فقد أوصلت الوكالة 2.8 مليون لتر من الماء إلى بورتوريكو خلال 9 أيام من حلول الإعصار ماريا، في حين أنها أوصلت 4.5 مليون لتر إلى تكساس بعد هارفي و7 مليون إلى فلوريدا بعد إيرما. ونظراً إلى أنّ ماريا تسبب بجعل أكثر من مليون شخص على أسطح المنازل، فقد كانت هناك حاجة لتوفير أغطية لهم على الفور بعد الإعصار. لكن الوكالة أوصلت فقط 5,000 غطاء إلى الجزيرة، مقارنة بـ20,000 تم إيصالها إلى تكساس و100,000 إلى فلوريدا.

كذلك، لقد أوفدت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ عدداً أقل من الموظفين إلى بورتوريكو (10,000 مقارنة بـ30,000 تم نشرهم بعد هارفي و22,000 بعد إيرما). وفي حين حصل المتأثرون بماريا على معونة سكن بلغت قيمتها وسطياً 2,974 دولار أميركي، فإنّ معونة السكن للمتأثرين بإعصار هارفي كانت ضعف هذا المبلغ عند 6,980 دولار أميركي. لكن الشخص العادي في بورتوريكو أفقر بكثير من الأميركي العادي، حيث متوسط دخل الأسرة فيها 20,078 دولار أميركي مقارنة بالمتوسط الوطني في أميركا البالغ 57,617 دولار أميركي، وهو ما يعني أنه كانت هناك حاجة ملحة لمساعدة مالية جرّاء الكارثة لم يتم توفيرها.

يُحذر المسؤولون الفيدراليون من المقارنة بين العواصف، ويجادلون بأنّ الظروف الجغرافية والمالية والسياسية في بورتوريكو مختلفة جداً. لكن هذه الأرقام تساعد في توضيح قلة الموارد التي حصلت عليها بورتوريكو في أعقاب العاصفة. كان لهذا الشح في الموارد غالباً الدور في مفاقمة تأثير التعطيل الحاصل على الخدمات الطبية وتوفير الرعاية الصحية الذي تحدثت عنه  دراسة صحيفة نيو إنجلاند الطبية.

كان سكان بورتوريكو أكثر عرضة للخطر بشكل أساسي

حتى قبل العاصفة، كان البالغون من السكان في بورتوريكو يتمتعون بصحة أقل من الأميركيين. فهم يحصلون على رعاية وقائية أقل، بما في ذلك فحوصات السرطان والتلقيحات والتحصينات، مقارنة بنظرائهم في البر الرئيسي للولايات المتحدة.

وفي معظم الأحيان أيضاً تكون الاحتياجات الصحية لسكان بورتوريكو أكبر، حيث أشار 34% منهم إلى أنّ صحتهم عموماً “كانت لا بأس بها أو سيئة”، مقارنة بـ18% وسطياً في البلاد. على الأرجح، فاقم هذا الانكشاف على المخاطر من الضرر أو المرض أو فقدان الخدمات الطبية الأساسية التي تسبب بها بصورة مباشرة الإعصار ماريا.

كان النظام الصحي هشاً حتى قبل العاصفة

كان سكان بورتوريكو يواجهون مشكلة دين بقيمة 72 مليار دولار أميركي وتحديات عديدة في التمويل قبل أن يضرب الإعصار ماريا. وبالإضافة إلى أنّ السكان معرضون أصلاً لمخاطر صحية، كانت البنية التحتية للرعاية الصحية في بورتوريكو آخذة بالتفكك، وكانت برامجها العامة تعاني شحاً شديداً في التمويل.

على عكس الولايات الأميركية، لا تستفيد بورتوريكو كثيراً من مزايا مرسوم تيسير الرعاية الصحية (Affordable Care Act). كما أنّ بورتوريكو ليس فيها سوق تأمين تديره الحكومة ولا حتى سوق تأمين شخصي بتسهيلات من الحكومة الفيدرالية. في ضوء غياب قدرة الأفراد على شراء تأمين صحي مدعوم من سوق تيسير الرعاية الصحية، إلى جانب معدلات الفقر العالية، تعتمد بورتوريكو على البرامج العامة مثل مراكز الصحة المجتمعية، و ميديكيت (Medicaid)، وميديكير (Medicare). لكن لأن بورتوريكو مقاطعة، فإنّ ما تحصل عليه من مال وموارد من الحكومة الفيدرالية للمعونة الصحية أقل مما كانت ستحصل عليه لو كانت ولاية.

بالنتيجة، عندما ضرب الإعصار ماريا، لم تتمكن بورتوريكو من تلبية احتياجات الطوارئ والصحة وغيرها من احتياجات السكان. كما أنّ الاستجابة غير الملائمة من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ فاقمت المشكلة، وتسببت في المعدل المرتفع المفزع من الوفيات.

دروس لتخفيف تأثير العواصف على الصحة

وكما كتب مؤخراً ساندرو جاليا، عميد كلية الصحة العامة في جامعة بوسطن، فإنّ من الدروس المستفادة من الإعصار ماريا: الحاجة لأن تكون المجتمعات مستعدة بصورة أفضل للتعامل مع مختلف العواقب الصحية للكوارث. فيجب إدخال تحسينات واستثمارات في البنية التحتية الأساسية وفي رأس المال البشري قبل وقت طويل من حدوث الأعاصير.

أظهر الإعصار ماريا وغيره من الكوارث التي حدثت مؤخراً الحاجة لأن تصبح النظم الصحية أكثر تأقلماً مع الكوارث المرتبطة بالتغيّر المناخي. إذ يمكن للنظم الصحية أن تتأقلم وتؤسس بنية تحتية أكثر تأقلماً مع الكوارث الطبيعية تحمي مرضاها ومنشآتها. فنرى أنّ نظام الرعاية الصحية في هيوستن مثلاً لم يتأثر بنفس الجسامة من الإعصار هارفي كما كان تأثر بورتوريكو من ماريا بسبب الدروس التي جرى تعلمها من العاصفة المدمرة التي ضربت تكساس في العام 2001.

من الدروس الأخرى، الحاجة لأن تكون الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ مستعدة لموسم الأعاصير القادم، ويجب أن يكون هناك تكافؤ في الاستجابة الفيدرالية في جميع أنحاء الولايات المتحدة في حال حصول كارثة طبيعية. تشير دراسة صحيفة نيو إنجلاند الطبية إلى أنّ حكومة بورتوريكو أخفت معدلات الوفاة وتوقفت عن مشاركة معلومات عن معدلات الوفيات مع الجمهور في ديسمبر/كانون الأول من العام 2017. لكن التعداد الدقيق للوفيات أمر حيوي إن نحن أردنا الاستعداد والاستجابة للأعاصير بشكل أفضل في المستقبل.

بينما تعمل بورتوريكو على إعادة بناء نظامها الصحي، يوفر الإعصار كاترينا دروساً قيمة عديدة. فبعد أن أطاح كاترينا بأغلب شبكة الرعاية الصحية في نيو أورليانز، منحت الحكومة الفيدرالية لويزيانا 100 مليون دولار لاستعادة وتوسيع خدمات شبكة الأمان. وقد أظهر تقييم للنظام الصحي الجديد المعاد بناؤه زيادة في عدد العيادات الرئيسية ومقابلات المرضى وعدد المرضى الذين تمت خدمتهم. يمكن لمعونة فيدرالية مشابهة موجهة أن تعيد بناء البنية التحتية الصحية في بورتوريكو وتحسّنها. سيعود هذا بالفائدة على سكان  بورتوريكو لأجيال قادمة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz