تارا هايلي وجوناثان روبرتس

لنفترض أنّ أحد زملائك الذين سبق لك أن عانيت مصاعب معهم يرميك بتعليق مزعج خلال أحد الاجتماعات. ربّما كان التعليق ينطوي ضمنياً على شيء من الازدراء، ولا يشكّل إهانةً صريحة، لكن في بيئة منعزلة كبيئة المكتب، بل وحتّى ضمن بيئة أكثر انعزالاً مثل بيئة الاجتماع، تعليقٌ مزعج واحد كفيل بأن يدوّي مثل كرة المضرب التي ألقيت على كرة زجاجية.

عندما تشعر بأنّك قد تلقّيت صفعة من هذا النوع، يصعب عليك ألا تردّ الصفعة بمثلها. فليس من المعيب ألا ترغب في ردّ الصاع صاعين. ولكن هناك دائماً لحظة يبدو فيها أن هناك فجوة بين ما “تريد” قوله وما تعرف بأنّ من الأفضل أن تقوله (وفي أحيان كثيرة قد يكون الأفضل ألا تتفوّه بكلمة واحدة حتّى). وبالتالي، فإن إيجاد تلك الفجوة – واختيار ما يجب فعله باستثناء ردّ الصاع صاعين – يحتاج إلى شيء من الانتباه والوعي.

لا شكّ بأنّك قد رأيك الكثير من الصور لرجال وسيّدات أعمال يرتدون ثياباً أنيقة للغاية ويمارسون التأمّل وهم جالسون إلى مكاتبهم، في حين تبدو على محيّاهم تعابير الطمأنينة ومسحة من الإيمان القوي. انس أمر هؤلاء الناس. فممارسة الوعي والانتباه لا تعني اللجوء إلى طريقة نقية جدّاً تتطلب منك أن تقلب حياتك رأساً على عقب (أو أن تمارس سلوكيات قد تجعل زملاءك يعتقدون بأنّك شخص ممسوس). بل إنّ ممارسة الوعي والانتباه تعني بأن ذهنك واع وصاحٍ ومدرك لما حوله، ويعرف ذلك. كما أنّها عادة يمكن لأي كان أن يتعلّمها. وهذا الأمر يجعلها طريقة مناسبة تماماً للاستعمال في أي وضع يكون امتلاك عدّة خيارات فيه أمراً مفيداً.

في تلك اللحظات التي تكون فيها عالقاً في أوضاع متوتّرة، قد تشعر بإرباك وبحرارة في رأسك الذي يضج بالأصوات، تماماً مثل الحشود التي تتجمهر في مسرح الجريمة في الشارع. فـ”الجريمة” – أو التعليق المزعج الذي ألقاه زميلك – هو المصدر الأساسي للتوتّر، لكن هناك أيضاً عشرات التوترات الصغيرة المحيطة به، وهي توترات قد لا تمتّ بأيّ صلة للأذى المتخيّل. فقد تشمل حالات التوتّر تلك عضلاتك المشدودة جرّاء التمارين الرياضية التي كنت قد مارستها، أو انتشار القمل في مدرسة أولادك، أو الشكوك التي تساورك بأنّ الميكانيكي سوف يخبرك بأنّ بطارية سيارتك قد تعطّلت بالكامل وهي بحاجة إلى استبدال. وكلّما أجهدت نفسك في محاولة تحريك هذه المجموعة الصاخبة من التوترات التي تشبه “المتفرّجين الذين يقفون في مسرح الجريمة” (وكأنّك تقول لهم “ليس هناك ما يستحق المشاهدة هنا!”)، كلّما قلّ احتمال رغبتهم بالتفرّق.

لكن بفضل جميع البرامج التلفزيونية البوليسية التي عرضت عن الجرائم، نحن نعلم ما الذي ينبغي فعله في هذه الحالة: أن نوجّه الأسئلة إلى كلّ المتفرّجين الواقفين في مسرح الجريمة واحداً تلو الآخر. حاول أن تفصل بين الأفكار، والمشاعر، والعواطف التي تعتمل في رأسك، بحيث تفقد قدرتها على التكاتف ضدّك. حاول أن تدرك احتياجاتها بطريقة واعية ولطيفة. دعها تقول ما عندها لكي تفرّغ الطاقات المتوترة التي تسبّبها لك بشكل عام.

بعد أن نكون قد تركنا المجال للتوتّرات المتفرّجة لكي تقول ما لديها، فإنّنا سنكون أقدر على النظر إلى الجريمة التي نعتقد بأنّها قد اقتُرِفت. وعندما نفعل ذلك، فإنّنا سنكتشف في بعض الأحيان بأنّه ليس هناك من جثّة حتّى – وإنّما مجرّد خط مرسوم بالطبشور الأبيض على الأرض يشبه شكل جسم الإنسان، وذكرى جريمة. وعندما ترى ملاحظة زميلك المزعجة على حقيقتها، خالية من أي توتّرات، فإنّها قد تفقد الأثر الذي تركته لحظة تفوّهه بها.

وإليك الطريقة التي تسمح لك باستعادة قدرتك على السيطرة الحقيقية. فالسيطرة التي لديك قد لا تكون السيطرة التي “كنت تعتقد” بأنك تريدها – مثل هزيمة عدوّك من خلال رد يأتي في التوقيت المناسب – لكنّها السيطرة التي تمتلكُ أنت القدرة على أن تفعل شيئاً إيجابياً حيالها. إنّها السيطرة التي تتحكّم بنيران التوتّر المستعرة. قد لا يكون لديك خيار إخماد لهيبها بالكامل، لكن لديك خيار انتقاء عدم إذكاء هذه النيران الملتهبة. فإذا ما أذكيت هذه النار، فإنّها قد تنتشر وتستحكم، وبالتالي فإنّ أي سيطرة ربما كنت تملكها ستتبخّر. وإذا تركت اللهيب يخمد، فإنّك بذلك تعاود شراء الوقت والطاقة اللذين كنت ستضطر إلى تبديدهما لاحقاً في مسعى منك للتعامل مع النيران التي كانت قد واصلت استعارها بكامل قوّتها.

إنّ هذا النوع من التصرّفات البسيطة ينمّ عن كرم وبراعة وهو يساعدك في تطوير إحساس أكبر بالثقة بقدراتك. وكلّما تمرّنت على ممارسة هذا الأمر أكثر، كلّما أصبح أسهل، وتحوّل في نهاية المطاف إلى طريقتك المعتادة في التجاوب.

إذا كنت تريد كسب المزيد من السيطرة على ردود أفعالك تجاه الأوضاع الموتّرة، فإنّ الطريقة الفضلى لفعل ذلك هي البدء بممارسة التأمّل بشكل رسمي. وليس بالضرورة أن تفعل ذلك بطريقة تؤدّي إلى زعزعة حياتك، بل بوسعك أن تحاول ممارسة التأمّل لمدّة ثلاث دقائق يومياً، لثلاثة أيام في الأسبوع، لترى إن كنت ستحبّه أم لا. أنظر لترَ ما الذي تلاحظه. كيف تتفاعل مع حياتك وكيف أصبحت علاقتك بها؟ فهذا يكمن في صميم ما يمكن لهذه الممارسة أن تقدّمه: طريقة أعقل، وألطف وأمهر للتفاعل، تكون لصالحك أنت ولصالح زملائك في الفريق.

تنويه: إن النسخ وإعادة النشر بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ – 2016.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!