تسود أجواء البهجة في كل مكان خلال موسم الأعياد، وقد يشعر البعض وكأنهم يستيقظون كل يوم على أغنية العيد، إذ تراهم "يستمعون إلى ضحكات الأطفال، ويشاهدون المارة، ويتبادلون الابتسامات فيما بينهم". لكن بالنسبة للبعض الآخر، قد تكون هذه الأوقات من السنة هي الأكثر شعوراً بالوحدة والأشد إرهاقاً. فوفقاً لمسح أجرته شبكة هيلثلاين (Healthline) في العام 2015، فإنّ 44% من الناس أفادوا بأنهم يشعرون بالإجهاد خلال موسم الأعياد، وأفاد أكثر من 18% أنهم يشعرون "بالإجهاد الشديد". وذكر نصف المستجيبين تقريباً أنّ الوضع المالي هو السبب الرئيس لشعورهم بالتوتر، في حين أنّ جدول الأعمال المزدحم أكثر من اللازم واختيار الهدايا المناسبة والمحافظة على الصحة، كلها أمور ساهمت في متاعب الناس خلال تلك الفترة.

وقد نُشر لإلين براتن الحائزة على درجة الدكتوراه، على مدونة كلية هارفارد للطب "في الدماغ" (ON the Brain) "إنّ فترة الأعياد مليئة بمشاعر الفرح والإرهاق في الوقت نفسه"، وتلقي براتن اللوم على تعدد المهام المتزايدة خلال فترة الأعياد، حيث ينشط عمل القشرة الجبهية الأمامية للدماغ بصورة كبيرة. وعلى المدى الطويل، يمكن لهذا الطلب عالي المستوى على الدماغ أن يُضعف الذاكرة، ويوقف إنتاج خلايا دماغية جديدة، ويتسبب في موت خلايا دماغية موجودة أصلاً. على الجانب الآخر، قد يكون الشعور الموسمي بالإجهاد حاداً، ويمكن علاجه. لكن ينبغي أن يكون الهدف الرئيس هو منع حدوث ذلك الإجهاد أصلاً.

إنّ التعامل مع الإجهاد الشخصي هو أمر صعب بالفعل، ولكن عندما يكون مصحوباً مع الإجهاد في مكان العمل، فلا عجب أن تتحول بهجة العيد إلى سخرية خلال وقت قصير. وقد خلصت جمعية علم النفس الأميركية (American Psychological Association) إلى أنّ 38% من الناس يقولون إنّ إجهادهم يزداد خلال فترة الأعياد، بينما 8% فقط من الناس يقولون إنهم يشعرون بسعادة أكبر. إذ إنه في حالات كثيرة يتعامل الموظفون مع المواعيد النهائية القريبة وتلبية توقعات نهاية السنة المالية، إلى جانب التعامل مع الزبائن المرهقين، وكل ذلك يُعتبر مجرد عينة صغيرة من الأسباب التي تساهم في زيادة قلقهم، وقد تكون التكلفة الناتجة عن ذلك بالنسبة إلى أصحاب العمل كبيرة جداً.

واستناداً إلى تحليل أجرته شركة بيكون (Peakon) لأكثر من 15,000 موظف على مستوى الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة ودول شمال أوروبا (السويد والنرويج وفنلندا والدنمارك وأيسلندا) وألمانيا؛ أفاد 7-10% من الموظفين انخفاضاً بالإنتاجية خلال كامل شهر ديسمبر/كانون الأول، وشهد 30-40% منهم ذلك الانخفاض عند حلول منتصف الشهر نفسه. ويكتب الدكتور كريس رولي، الأستاذ الفخري في كلية كاس للأعمال بجامعة لندن، في مقالته "الاحتفالات المبهجة: الآثار والكلفة المترتبة على الموارد البشرية خلال عيد الميلاد": أنّ ما يقرب من نصف القوى العاملة تصل إلى مرحلة "تلاشي الطاقة نتيجة الاحتفالات" بحلول 18 من شهر ديسمبر/كانون الأول؛ حيث يقضي الموظفون وقتاً أكبر شاعرين بالقلق بشأن الأعياد أكثر من العمل. ويزعم رولي أنّ أكثر من ثلثي العمال كانوا أقل إنتاجية طوال شهر ديسمبر/كانون الأول، حيث اعترف ما يقرب من نصفهم بأنهم قدموا عملاً أقل بنسبة تتراوح بين 10 و20%. وشملت أسباب الانخفاض في الإنتاج مجموعة من العوامل، مثل الشعور بالإنهاك وانعدام الحافز وحتى الإصابة بالصداع نتيجة الإفراط من تناول الأطعمة والمشروبات. وعادة ما تتحمل النساء الضرر الأكبر، حيث كان عدد النساء اللواتي أفدنّ بأنهنّ أكثر شعوراً بالإجهاد بشأن موسم الأعياد أكبر بمرتين من الرجال.

لسوء الحظ، فإنّ الأدوات التي يستعين بها معظم أصحاب العمل لتحسين ثقافة الشركة تؤتي بنتائج عكسية، ويُعتبر الحفل السنوي لعيد الميلاد مثالاً رائعاً. فوفقاً لدراسة استقصائية أجرتها شركة تشالنجر آند غري آند كريسماس آي إن سي (Challenger, Gray & Christmas, Inc) للخدمات الاستشارية العالمية  للكوادر الإدارية في عام 2017؛ تخطط 80% من الشركات إقامة حفل عيد الميلاد. إلا أنه وفقاً إلى بحث جديد أجريته مؤسسة ميتلايف إيمبلويي بينيفيتس (MetLife Employee Benefits)، اعتذر 37% من الموظفين عن الحضور إلى حفلة عيد الميلاد الخاص بالشركة. وكان السبب الأكثر تداولاً لعدم الحضور هو أنّ حفلات العيد التي تُقام عادة في أوقات المساء، تتضارب مع الالتزامات العائلية في المنزل. أما بالنسبة لأولئك الذين يحضرون حفل العيد، فيشهدون انخفاضاً في الإنتاجية بنسبة 77% خلال اليوم التالي، حيث يهدر أكثر من نصف الموظفين الساعات الأربع الأولى من اليوم التالي محاولين التعافي من الليلة السابقة، ويُعتبر حال أولئك أفضل قليلاً من 20% من الموظفين الذين يأخذون إجازة مرضية. والولايات المتحدة هي ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من هذا التحدي، فإنّ تداعيات الاحتفالات من إجهاد الموظفين وفقدان الإنتاجية كلّفت شركات المملكة المتحدة على سبيل المثال حوالي 11 مليار جنيه استرليني في عام 2016.

إذاً، كيف يمكن للمدراء المساعدة على محاربة الإجهاد والحفاظ على الإنتاجية والمعنويات العالية على حد سواء خلال موسم الأعياد؟ إليك فيما يلي بعض من طرق عدة:

تواصل. اسأل موظفيك كيف يفضلون الاحتفال بالأعياد في العمل هذا العام. استطلع رأي فريقك، فهناك الكثير من الأدوات عبر الإنترنت التي تسهل عليك إجراء مسح بسيط، مثل منصة استطلاع الرأي سيرفاي مونكي (Survey Monkey) أو تايبفورم (Typeform).

حاول أن تشمل الجميع. في مقابلة أجريتها مع بن سابا حسن، نائب الرئيس الأكبر والرئيس التنفيذي للتنوع الثقافي والاندماج في شركة وول مارت، قال إنه ينبغي على القادة إدراك الطرق المختلفة التي يحتفل بها الناس خلال الأعياد، "بصفتنا قادة، نحتاج إلى خلق بيئة يشعر فيها أعضاء فريقنا بالراحة والأمان، حتى نتمكن من تعزيز المزيد من الوعي بين من ينخرطون ضمن الثقافة السائدة وصولاً إلى أولئك الذين تُعتبر رؤيتهم لاحتفالات الأعياد تبدو مختلفة عن ثقافتهم الخاصة".

أخبرني ميني كرود، الرئيس التنفيذي للموظفين الخبراء في أكاديمية خان في مقابلة حديثة أجريتها معه بأنه: "يجب أن تمثل فترة الأعياد دائماً وقتاً مهماً في الشركات، حيث يساعد ضمان أنّ الموظفين لديهم القدرة على الإحساس بالأعياد الوطنية أو غيرها من الأعياد، في العمل وفي حياتهم الشخصية على جعل مكان العمل ممتعاً للجميع".

حاول حماية وقت الموظفين الشخصي. لماذا لا تعطي موظفيك يوم عطلة إضافي يسبق الأعياد حتى يتمكنوا من تلبية حاجاتهم الشخصية، مثل شراء الهدايا، أو تلبية متطلبات العائلة، أو اعتباره مجرد وقت حر لإعادة تنظيم ما يريدون. يمكن ليوم إجباري واحد أن يُحدث كل الفرق في مستويات الإجهاد التي يشعر بها الموظف. هذه المبادرات الصغيرة والتي سوف تُقدر كثيراً؛ تزيد من الولاء والامتنان عند موظفيك وتُعطيهم دفعة معنوية طويلة الأجل. لماذا يُعتبر هذا الأمر مهماً؟ أثبت بحث أنّ الموظفين الذين يشعرون بالامتنان هم أكثر انخراطاً في العمل ويتحلون بعقلية ذات توجه اجتماعي ويشعرون بسعادة أكبر.

اضبط توازن حجم العمل. تندرج الطلبات المتنافسة على رأس القوائم التي تُشعر الموظفين بالإجهاد. وتتلاقى ضغوط العمل والمنزل في هذا الوقت من العام ويصبح الوقت مضغوطاً للغاية. خطط بدورك لتعيد النظر في حجم العمل وخذ بعين الاعتبار مدى إمكانية تمديد بعض المواعيد النهائية للمشروع إلى العام المقبل. يقول ديفيد ألميدا، الرئيس التنفيذي للموظفين الخبراء في شركة كرونوس (Kronos): "تمثل الأوقات التي يشعر الموظفون خلالها بالإجهاد المرتفع مثل موسم الأعياد فرصة للمدراء للتعامل مع الموظفين كأفراد (وليس كفريق عمل) من خلال فهم حاجاتهم الخاصة والاستجابة لها بصورة ملائمة". وفي مقابلة حديثة أجريتها معه، اقترح ما يلي: "إنّ للأساليب مثل ضبط توازن حجم العمل بين أعضاء الفريق، أو إتاحة ساعات عمل غير نمطية لفترة زمنية محددة، ستحقق النتائج وتزيد من التزام الموظف، وتقلل من إجهاد الموظفين فعلياً".

امنح الوقت بدلاً من الهدايا. يُظهر البحث الذي أجري من قبل عالمي الأعصاب جوردان غرافمان وخورخي مول أننا خُلقنا لكي نعطي، وهذا أمر غريزي. فعند إقامة تجربة التبرع بأمور معينة لمؤسسات تُعتبر جديرة بالثقة، كشفت عمليات مسح الدماغ أنّ أجزاء من الدماغ الأوسط ​​قد أضاءت، وهي المنطقة نفسها التي تتحكم في الرغبة الشديدة في تناول الطعام، والتي تنشط عندما تتم إضافة المكافآت المالية إلى الحسابات الشخصية للأفراد. وربط بن سابا حسن هذا الطرح بالعودة إلى فريقه، حيث تكاتفوا للتطوع في مجتمعهم هذا الموسم. ويقول: "أعتقد أنّ إحدى أفضل الطرق لإدارة الشعور بالإجهاد ورعاية نفسك هي عندما تحوّل تركيزك نحو رعاية الآخرين أولاً".

ما يهم بالنسبة إلى الموظفين أنفسهم لكي يتذكروه هو ما يلي: معظم عوامل الضغط المرتبطة بالأعياد هي اختيارية ويمكن تفاديها. إذ يمكن تجنب الإجهاد المالي من خلال التبضع أقل، ويمكن تجنب الكثير من الالتزامات من خلال قول "لا"، ويمكن إدارة الأدمغة متعددة المهام من خلال إعادة ترتيب الأولويات، ويمكن تجنب الشعور بالإقصاء من خلال التواصل. ابدأ اليوم، اسأل شخصاً ما كيف حاله، واستمع بمحبة وتعاطف ولطف، وقدم المساعدة إذا لزم الأمر.

بينما نقترب نحو الفترة الأكثر ازدحاماً من موسم الأعياد، حيث تزداد مستويات الإجهاد، تذكر أنّ الكثير منا يشعر بهذا القلق، ويمكن جعل قدر كبير منه أخف وطأة من خلال الأساليب التي أسلفنا ذكرها. إنّ زيادة الوعي بالضغط المتزايد الذي يشعر الموظفون به في المنزل والعمل أثناء موسم الأعياد يمكن أن يحقق الكثير باتجاه المساعدة على الحفاظ على إنتاجية الموظفين وروحهم المعنوية العالية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!