هارفارد-بزنس-ريفيو-الأمومة-والإدارة

منذ عشرة أو خمسة عشر عاماً لم يعد يشعر من يعمل منا في الشركات بالحرج من الحديث عن التوازن بين العمل والحياة كمسألة تتعلق بممارسة الأعمال، ولم يعد مستغرباً أن نناقش تحويل مكان العمل إلى بيئة أكثر إنسانية، وأصالة، ورأفة، أو أن ننظر إلى العمل كنشاط يستحق العاطفة، والمشاعر، وحتى الحب.

لكن السؤال المهم أنك عندما تعود إلى المنزل في نهاية يوم العمل، كم تطبق ما تعلمته في العمل عن ترتيب الأولويات والتواصل وإدارة الخلافات؟ بل الأهم من ذلك، عندما تذهب إلى العمل في اليوم التالي، كم تطبق ما تعلمته من عائلتك عن الصبر والتعاطف وما يشبههما؟

جعلتني تجربة الأمومة أدرك مدى الهدر وتبديد الخبرات الذي يتسبب به ضعف تلك التأثيرات المتبادلة بين عالمي العمل والمنزل. فمن نحن كآباء في المنزل يؤثر على تصرفاتنا في العمل. والمهارات التي نتعلمها من تربية الأطفال يجب أن نطبقها في أعمالنا، والعكس بالعكس.

ولأنني باحثة نظرت إلى دوري كأم من زاوية تشبه مقاربتي للموضوعات البحثية، وامتلكتني رغبة حقيقية وفضول لفهم جميع تعقيدات ذلك الدور. فعملت على قراءة كتب عن الأبوة والأمومة، وتحدثت إلى آباء آخرين لأتعلم من خبراتهم (وأنا أفكر في عقلي البحثي أن ذلك يعني إجراء المقابلات معهم)، وحضرت ورش عمل متعلقة بذلك، وكنت ألاحظ في كل ذلك مدى فعالية (أو عدم فعالية) مناهجي المختلفة لتربية الأطفال، فخلافاً لمعظم المديرين يبدي الأطفال ردود فعل سريعة جداً ومباشرة على منهجي في تربيتهم.

وما زال بحثي مستمراً، لكنني ألخص في القسم التالي ثلاث مهارات تعلمتها من تجربة الأمومة ساعدتني في عملي:

التكيف مع التغيير. أجد نفسي كأم أتكيف باستمرار مع الأوضاع الجديدة. «ففريق العائلة» يطرح علي باستمرار تحديات جديدة من «مشكلات الآباء،» فتماماً مثلما لا تسير الأمور في العمل على الوتيرة ذاتها مطلقاً. فإن رحلتنا في عالم الأبوة تنتقل من مرحلة إلى أخرى ونحن نواكب أطفالنا يتعلمون كلماتهم الأولى، ويمشون خطواتهم الأولى، ويكونون الصداقات، ويواجهون خيبات الأمل. وفي اللحظة التي تشعر فيها أنك تسيطر على الأمور وكل شيء في يديك تفاجئ أن الوضع يتغير سريعاً، فتحدث طفرة نمو جديدة أو تصل إلى نقطة انعطاف تطورية، وعليك أن تجيب على أسئلة جديدة فجأة.

ويمنحنا التعامل مع هذه الحالات الفجائية المتكررة قدرة أكبر على تطوير قدراتنا الديناميكية، وتعلمنا تربية الأطفال كيف نصبح أكثر تكيفاً مع التغيير، وأكثر قدرة على مجاراته. ويفرض علينا الأطفال القبول بأن الاستقرار أمر غير طبيعي، وأن الاستعداد الدائم للتعامل مع حالة عدم اليقين وتقبل التحديات اليومية الجديدة سيجعلنا أبوين أفضل. فبينما ينمو أطفالنا، تنمو قدراتنا معهم. وتسمح لنا هذه العملية من الأبوة بالتفكير بعمق والتكيف مع أطفالنا، والتعلم من أخطائنا أحياناً، وهي المهارات ذاتها التي تمثل الثروة التي يملكها المحترفون في عالم الأعمال اليوم.

احترام السلامة النفسية كحاجة إنسانية عامة. كم مرة تفكر في بذل جهد لجعل زملاء العمل يشعرون بالأمان؟ قد لا تفعل ذلك كثيراً إذ كنت مثل معظم الناس، أما إذا كنت أباً أو أماً فكم مرة تسعى لجعل أطفالك يشعرون بالأمان؟ إذا كنت مثل معظم الآباء، فإنك تفعل ذلك كل يوم.

فنحن كآباء نسعى لخلق بيئة تتيح للأطفال التعلم والنمو، فتطرح عليهم مسائل جديدة، وتشعرهم بالأمان لاستكشاف العالم، وطرح الأسئلة والتعبير عن مخاوفهم وعدم اليقين. وكلما استطعنا إيجاد بيئة إيجابية مفتوحة للأسرة فإن علاقتنا بأطفالنا تتعزز.

وفي وضع مشابه، فإننا عندما ندخل المكتب فإننا نواجه واحدة من أصعب مهام الإدارة، وهي إدارة العلاقات، فكلما كانت البيئة التي نوفرها لفريقنا أكثر انفتاحاً وأماناً من الناحية النفسية، كلما زادت ديناميكيته. وكلما استطعنا تبني عقلية منفتحة تجتهد في رعاية زملائنا أو مرؤوسينا، كلما بنينا روابط أقوى معهم. ونسعى بكل قوتنا لتعزيز صلابة أطفالنا وقدرتهم على إيجاد الحلول المناسبة لهم، فإننا نستطيع فعل الشيء ذاته لأعضاء فريق العمل لدينا. ويعني هذا إيجاد ثقافة عمل تحتل فيها السلامة النفسية رأس الأولويات، ويشعر فيها زملاء العمل بالطمأنينة والاستعداد للإفصاح عن هواجسهم، واحتياجاتهم، وأفكارهم.

تأمل النفس وتحسينها المستمر. تعد مهمة الأبوين من أصعب المهام في حياة البشر. فساعات العمل فيها مستمرة 24/7 إلا أنها مهمة تمنحنا غالباً الرضا عن النفس. وكما يحفزنا تولي أي مسؤولية ويتحدانا، فإننا نريد أن نعطي أفضل ما عندنا لتنفيذها. لكن بينما قد نشكك في مهاراتنا في تربية الأطفال أو في العمل، فإننا قد نعاني أيضاً من مشكلة عدم القدرة على تخطي مسألة الشك الذاتي.

ومثلما يفعل مدربو القيادة، فإن خبراء الأبوة لا يشجعوننا على النظر بعين ناقدة إلى منهجنا الأبوي فحسب بل إلى التعلم من أخطائنا وردود فعل أطفالنا. فالأبوة الحقيقة، مثل القيادة الحقيقية، تدعونا إلى أن نكون صادقين مع قيمنا، ومنفتحون لتلقي ردود الفعل، وخبراء في الاستماع للآخرين، ومستعدون لتبني أساليب جديدة.

وتمثل هذه النقطة الأخيرة ما تعتمد عليه فكرة «الأثار المتبادلة الإيجابية» بين الأبوة والعمل، فلتحقيق تلك الآثار المتبادلة الإيجابية علينا أن التفكير بعمق بكيفية العمل ومن نحن في كل من المجالين، فإذا لم نشكك في نجاعة أساليبنا الحالية لتنفيذ الأمور، لا يمكننا أن نتعلم، أو أن نتطور.

يمثل أطفالنا الحكام الأفضل والأكثر صدقاً لتقييم أدائنا مباشرة، وبثقة عالية. وعلينا أن نفكر بعمق بما يعلمنا ذلك لنصبح قادة أفضل، وبإمكاننا استخدام ما نتعلمه في العمل لنصبح آباء أفضل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz