في الوقت الذي أصبحت فيه الرعاية الصحية بارعة بشكل متزايد في تطبيق البيانات السريرية وبيانات المطالبات لتحسين الرعاية، فإنها تجاهلت بشكل كبير مصادر بيانات أخرى تقدم أعظم فرصة للتأثير إيجابياً على الصحة والتكلفة على نطاق واسع. ويعود أصل الاعتماد على هذه المجموعة المحدودة من البيانات إلى توجه النظام نحو “رعاية المرضى” ـ معالجة المرض. ومن أجل تحسين الرعاية الصحية بشكل جذري، فإننا بحاجة إلى تطبيق البيانات الاجتماعية والمعيشية وبيانات نمط الحياة في ما يتصل بالمستهلك بطرق تساعد صناعة الرعاية الصحية في تحويل تركيزها من تقديم الرعاية للمرضى إلى عقد الشراكة مع الأشخاص (وليس مع المرضى) لمساعدتهم على البقاء بصحة وبحالة جيدة.

لقد كرست الحكومة الأميركية والقطاع الخاص كميات هائلة من رأس المال والطاقة لبناء أنظمة السجل الصحي الإلكتروني ومنظومة المطالبات لأتمتة وتسجيل معاملات رعاية المرضى. وتدعم هذه الرقمنة تناسق جودة الرعاية ودقة عملية المدفوعات المالية، بيد أنّ هذه البيانات تعمل في الأساس بأثر رجعي، فهي تخبرك عما حدث بالفعل. حتى يمكن التنبؤ بأقصى درجات الفاعلية المستقبلية في ما يتصل بالصحة وكيفية قيام الشخص بالتفاعل مستقبلاً مع الموارد الصحية، فإنه يجب على صناعة الرعاية الصحية أن تدرك أهمية دمج بيانات المستهلك مع البيانات الطبية وبيانات المطالبات.

حتى نفهم العلاقة بين البيانات الاجتماعية والمعيشية للمستهلكين، واختياراتهم الحياتية والمعيشية اليومية، والصحة والتفاعلات مع نظام الرعاية الصحية، قمنا بإنشاء قاعدة بيانات خاصة بنا مستقاة من مصادر خاصة وعامة متعددة، حيث مثّلت قاعدة هذه البيانات 275 مليون مستهلك في جميع أنحاء أميركا. تشمل البيانات معلومات اجتماعية وحياتية متغايرة مثل الدخل، وملكية المنازل، والتكوين الأسري، وأنماط الشراء، وتاريخ التصويت، واختيارات الانتقالات والمواصلات، ونشاط التواصل الاجتماعي، والنشاط البدني حسب قياسات أجهزة التتبع. كما تشمل قاعدة البيانات تلك البيانات السريرية والبيانات المتعلقة بالمطالبات وتلك المتعلقة باستخدام الموارد الصحية، وتكون هذه البيانات متاحة ومتوفرة لنا من خلال شراكاتنا مع مقدمي الخدمات للعملاء ومع شركات التأمين. لقد حددنا حوالي 800 متغير، وهي مؤشرات على سلوكيات ونوايا المستهلك التي تكمل بشكل يتسم بالقوة والدلالة البالغة البيانات السريرية المتاحة بالفعل، وكذلك بيانات المطالبات.

تضم خوارزميات ونماذج تعلم الآلة المتاحة لدينا تلك البيانات، وتتعلم من كل مجموعة من نقاط البيانات التي يتم تحليلها. على سبيل المثال، قد نقوم بتحليل العلاقة بين التشخيص، ومستوى الدخل وطرق الحوسبة لتحديد الأنماط القابلة للتنبؤ. ومن خلال هذا النوع من تحليل البيانات، نقوم بتوليد مجموعة جديدة من النماذج التنبؤية كل 10 ثوان. هذه النماذج إنما تنير السبيل للمساهمين السلوكيين في الصحة، وتتيح لنا تحديد التدخلات والرسائل التي سيكون لها أكبر أثر في تشكيل سلوك المستهلكين لتحسين الصحة.

لقد وجدنا، على سبيل المثال، أنّ تكوين الأسرة وتاريخ التصويت يمكن أن يكونا من المؤشرات الدلالية الرائدة بحيث يمكن استخدامهما في غرفة الطوارئ. إنّ الأسر التي ليس لديها أبناء، أو تلك التي لديها طفل واحد فقط، تزيد احتمالية استخدامها لغرفة الطوارئ بشكل غير ملائم، وهو ما يشير إلى التدخلات التعليمية والحوافز التي من شأنها أن تحد من ذلك الاستخدام. إنّ نماذجنا التنبؤية يمكن أن تكشف كذلك عن قنوات المشاركة الصحية التي تكون أكثر كفاءة وفاعلية بالنسبة لشخص بعينه ـ النهج النصي، الصوت المؤتمت، البريد الإلكتروني، البريد العادي، الهاتف، التدريب، أو نهج مركب من أكثر من عنصر. (ولإضفاء جو من المرح، فإننا استخدمنا النموذج لنحدد زيادة احتمالية انضمام هواة فريق فيلادلفيا إيجلز إلى برامج إدارة الظروف في حالة الاتصال بهم عن طريق الرسائل النصية عنهم في حالة الاتصال بهم عن طريق البريد الإلكتروني).

في حالة واحدة، ومن خلال دمج الصفات الأساسية للمستهلكين بما في ذلك الحالة الاجتماعية والاقتصادية، وتاريخ التصويت، ومستوى التعليم، ومعدلات الالتزام بالعلاجات الطبية، والسمات الديموغرافية، مع بيانات خطة وطنية للصحة، قمنا بإنتاج زيادة قدرها 16% في وفورات التكلفة الطبية، وحققنا تحسين بنسبة 10% في المشاركة في برنامج معالجة الرعاية. وقد تم تحقيق ذلك عن طريق تحديد الأشخاص الذين كانوا في خطر كبير يتثمل في دخولهم المستشفى مجدداً في غضون 30 يوماً، والذين يُحتمل أن تكون لديهم الفرصة للحصول على التوعية وكذلك الاستجابة الجيدة لبرنامج إدارة الرعاية.

في حالة أخرى، حددنا احتمالية عدم إعادة اعتماد فرد من الأفراد لبرنامج المساعدة الطبية (Medicaid program)، بينما ما يزال مؤهلاً للاستفادة من البرنامج. لقد نجحت نماذجنا التنبؤية في تحديد نسبة الربع (25%) ممن زادت احتمالية عدم إعادة اعتمادهم بنسبة 1.8 ضعف، وكذلك قنوات التوعية المثلى لجذبهم وإشراكهم (الصوت المؤتمت ومكالمات الوكلاء المباشرة). هذه التوعية المستهدفة والمنسقة ترتب عليها انخفاض بمعدل 39% في معدل الإخفاق في إعادة الاعتماد مقارنة بالمجموعة المرجعية.

هناك طريقة أخرى لاستخدامنا للنماذج التنبؤية: وهي سد الفجوات في الحالات التي تكون البيانات السريرية غير متاحة فيها أو غير كافية. على سبيل المثال، أحد المشتركين لدينا اكتشف أنّ هناك شريحة كبيرة من السكان لم تحظ بالاهتمام الكافي من مؤسسات الرعاية الصحية بسبب قلة المعلومات عنها، وهذه الشريحة كما بينت الدراسات الاجتماعية والمعيشية حولها أنّ 14% منها مصاب بالسمنة أو مرض السكري، وأنهم بحاجة لتدخلات علاجية. وهذه المعلومات منحت المشترك الفرصة للتحضير للتواصل مع هذه الشريحة من السكان لتقديم الرعاية الصحية.

ينطوي عدم أخذ بيانات المستهلك في الحسبان على تجاهل أقوى عوامل التغيير في الرعاية الصحية ـ المستهلكين أنفسهم. تعد البيانات والخبرة السريرية غاية الأهمية، بيد أنّ الطريقة الوحيدة التي سيقوم من خلالها قطاع الرعاية الصحية بتحسين الرعاية في الأساس تتمثل في فهم المستهلكين على المستوى الفردي ـ عن طريق الاستفادة من المعلومات حول كل وجه من أوجه حياتهم ـ لإنشاء تدخلات مخصصة تتفق مع المستهدفين منها بحيث تعمل في النهاية على إحداث التغيير في السلوك وتحسين النتائج.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!