تابعنا على لينكد إن

سعى الناس منذ الأزل نحو التفكّر في خبايا الأمور، والذهاب في ذلك إلى وراء ما يظهر للعيان. وشملت هذه الرغبة في عصرنا الحالي بطبيعة الحال المؤسسات، فهي منهمكة في البحث عن الأسباب الجذرية للمشكلات، أو الدوافع الحقيقية لما يواجه العمل من تحديات.

كان لاختراع الأشعة السينية أو ما يُعرف بأشعة إكس أثراً واضحاً في تطوير مجالات تقنية وعلمية متعددة، وذلك لما تتمتع به من قدرة على اختراق طيف واسع من الأنسجة، ما يسمح بالكشف عمّا يوجد تحت المواد وتصييره معلوماً. ويمكن للمؤسسة إذا ما حصلت على هذه الملكة واستخدمتها بطريقة صحيحة، أن تضع يدها على الكوامن الحقيقة للخلل، ما يمكنها من اتخاذ إجراءات غاية في الكفاءة والفعالية. والسؤال هنا: كيف يمكن للمؤسسات أن تستفيد من مبدأ الأشعة السينية في التطوير؟، لتقديم إجابة وافية، سنعرض أهم استخدامات الأشعة السينية ونسقطها على المؤسسات لنرى ما يمكن عمله.

تشخيص الأمراض والإصابات

يتمثل الاستخدام الأشهر للأشعة السينية في تشخيص الكسور والشروخ العظمية تمهيداً لإجراء العلاج المناسب. لا شك أنّ المؤسسات بحاجة ماسة إلى معرفة المسببات الحقيقية لما تعانيه من تحديات، وما يعترضها من مشاكل، وفي ذلك لا يفيد الاستسهال بقبول الأسباب السطحية المباشرة، بل لا بد من التحليل العميق للوصول إلى الأسباب الكامنة التي تحد جلد المؤسسة. ويمكن لتحقيق ذلك تطبيق عدداً من المنهجيات “كتحليل لماذا الخماسي” (5 Ways Analysis) الذي قام بوضعه المفكر الإداري ساكيشي تويودا وتم تطبيقه في شركة “تويوتا” أثناء النهضة المشهورة التي قادتها في منهجيات التصنيع، ويُعتبر هذا التحليل من الأدوات المبسّطة والسهلة التي تُستخدم للوصول إلى السبب الرئيسي للمشكلة، ويبدأ هذا التحليل بصياغة سؤال حول المشكلة الحالية متضمناً “لماذا؟” ومن ثم تكرار سؤال “لماذا؟” خمس مرات، حيث أنه في كل إجابة يتم التوصل إلى سبب أكثر عمقاً حتى ننتهي بالوقوف على جذر المشكلة، ومن ثم معالجته.

لا يقف استخدام الأشعة السينية في الطب عند ذلك، بل يتم استخدامها أيضاً لاكتشاف الأورام في حالات محددة والمساعدة في القضاء عليها، حيث لهذه الأشعة تأثير قوي على خلايا الورم، بينما يمكن للخلايا السليمة التعافي بعد التعرض لها بتراكيز أٌقل. وهذا يقودنا إلى ضرورة قيام المؤسسة باكتشاف وحدات العمل غير المفيدة والتخلص منها. تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى تكوين وحدات عمل زائدة في المؤسسات، كالتراخي في مراجعة الهيكل التنظيمي، ما يؤدي إلى إصابته بالتضخم، أو عدم إجراء دراسة متأنية عند استحداث وحدة عمل جديدة، ويؤدي الاستعجال في اتخاذ هكذا قرارات إلى إغفال تأثيرها على باقي وحدات العمل، ما ينشأ عنه تداخل في الصلاحيات أو تهميش إدارات أُخرى. إذن، على إدارة المؤسسة الحرص في المراجعة الدورية لهيكلها التنظيمي لا سيما بعد إجراء مراجعات أو طرح خطط استراتيجية جديدة لضمان التخلص من الزوائد. قام أحد البنوك في دولة الإمارات العربية في سبيل التطوير والتحديث، بإنشاء قسم خاص بالجودة والتميز في كل فرع من فروعه وذلك لتطبيق مواصفات الجودة ونماذج التميز المؤسسي بشكل يؤدي إلى تميز خدماته وزيادة ربحيته. بعد فترة من الزمن، لاحظت إدارة البنك تباين كبير في مصروفات الفروع، وبعد البحث المستفيض تبيّن أنّ السبب راجع إلى التوجهات المختلفة لأقسام الجودة والتميز، حيث كان هناك خطط عمل مختلفة لكل قسم تم اعتمادها بالتنسيق مع إدارة الفرع الخاص به، ما أدى إلى زيادة المصروفات وانخفاض الكفاءة بشكل ملحوظ. اضطرت الإدارة العليا للبنك إلى تعديل الهيكل التنظيمي بإلغاء جميع هذه الأقسام وإنشاء إدارة مركزية للجودة والتميز على أن يكون لها منسقين في جميع الفروع يعملون على تنفيذ ما يتم اعتماده من خطط وقرارات. واستطاع البنك اكتشاف كتل غير مرغوبة في نسيجه التنظيمي وعمل على إزالتها.

الكشف الأمني عن محتويات الحقائب

يتم استخدام الأشعة السينية في منافذ الدول وبعض المرافق الحيوية لتفتيش الحقائب والعبوات، واكتشاف أي محتويات غير مناسبة فلا يُسمح بدخولها. تستطيع المؤسسة كذلك أن تقرر مناسبة المرشحين للعمل لديها ومدى استحقاقهم دخول المؤسسة من خلال استخدام وسائل تكشف أكثر مما يظهرونه في مقابلات التوظيف أو في سيرهم الذاتية كالطريقة التي يفكرون بها وسماتهم الشخصية، وبالتالي المقارنة بينهم واختيار الأفضل. هناك عدة طرق لإنجاز ذلك منها “التحليل النفسي” (السيكوميتري) والذي يتكون من عدة أسئلة مقسمة إلى مجموعات تقوم كل منها بتكوين تصور عن الشخص محل الاختبار من ناحية محددة كالقدرات الفكرية، القدرات الحسابية، وغيرها من القدرات الخاصة. يؤكد مارك باركنسون في كتابه “كيف تتقن إجراء الاختبارات السيكومترية” أنّ هذه النوع من الاختبارات أصبح أساسياً في اختيارات التوظيف، حيث أنّ 50% وأكثر من المرشحين يفشلون في اجتيازه، وإذا ما تم استخدام الأسئلة المناسبة فإنّ الاختبارات السيكومترية تستطيع أن توفر لنا تقييماً موضوعياً يتسم بالعدالة والدقة.

التعرف على العيوب غير المرئية في المنتجات

تُعتبر من الأساليب الشائعة في استخدام الأشعة السينية لاكتشاف أي شروخ أو تشققات داخلية في المنتجات، وهذه الطريقة تساعد على ضبط الجودة، كما أنها غير مكلفة بحيث تحمي المنتجات الحساسة من خلال عدم لمسها أثناء الفحص. يمكن للمؤسسات الاستلهام من هذه الممارسة لكشف التصدعات الداخلية في فرق العمل والإدارات، حيث تؤثر مشاكل التواصل والانسجام بين أعضاء فرق العمل بشكل مباشر على إنتاجية الفريق وتضعف قدرته على أداء المهام المنوطة به. هناك مجموعة من الأدوات الإدارية لتحقيق هذه الغرض كنموذج تكوين فرق العمل “Tuckman Stages of Team Development”  والذي يمكن استخدامه لبناء فريق عمل متماسك قادر على تنفيذ مهامه بنجاح، حيث يعرض هذا النموذج مراحل تطور الفريق مع الوقت في خمس مراحل هي: مرحلة البناء، مرحلة العصف، مرحلة الاستقرار، مرحلة الإنتاجية، وأخيراً مرحلة النهاية. كما ويوضح النقاط الحساسة التي يجب التنبه لها أثناء تشكيل الفريق، إذ يتيح التعرّف على تلك المراحل بالنسبة للمدراء ورؤساء الفرق  مساعدة الأعضاء على الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أُخرى، وكذلك تجنب اتخاذ إجراءات غير مقصودة تعطّل تطور الفريق، هذا بالإضافة إلى إمكانية استخدام هذه الأداة كمسبار للكشف عن حالة فريق العمل وإذا ما كان يعاني من مشاكل تتعلق بالتجانس أو التواصل.

التعرف على الأعمال الفنية الأصلية

يتم تعريض اللوحات الفنية للأشعة السينية للتعرف على عمرها والفترة الزمنية التي رسمت فيها، حيث أنّ امتصاص المواد المستخدمة في صناعة الألوان للأشعة يختلف مع مرور الزمن، ويكون ذلك بنسب مختلفة في اللوحات القديمة عن اللوحات التي رُسمت حديثاً، ويمكن من خلال ذلك تحديد عمر اللوحة وبالتالي تقرير إذا ما كانت أصلية أم مقلدة. من الحيوي لأي مؤسسة أن تعي طبيعة ما تقدمه من منتجات سواء خدمات أو سلع، ومدى تفردها وتميزها عن غيرها. فلا يمكن الوصول إلى النجاح المستدام من خلال التقليد، لأن المؤسسة المقلدة لن تستطيع أن تكون خلّاقة عندما يُصبح الابتكار في مجال عملها أمراً مطلوباً. وعليه، يجب على المؤسسة بذل الجهد لتقديم إنجازات أصيلة. وفي حالة استيراد الممارسات الفضلى، يجب أن يتم تطويعها لتناسب بيئة العمل الجديدة وربما تطويرها لتصبح أكثر نجاعة. يبيّن أوديد شونكار أستاذ الإدارة في جامعة ولاية أوهايو في كتابه “كيف تستخدم الشركات الذكية التقليد للحصول على ميزة استراتيجية” أنّ العديد من الشركات التي تقوم بتقليد شركات أُخرى مبدعة تفشل لعدم امتلاكها خطط استراتيجية خاصة بها.

أخيراً، لا تُعتبر الإدارة عبارة عن أنشطة جامدة مقولبة تحددها النظريات، بل هي متجددة ومتكيفة تستلهم من البيئة المحيطة بشكل مستمر، وإن كنّا قد قمنا بمحاكاة عمل الأشعة السينية في الإدارة، فإنّ المجال مفتوح للاستلهام على نطاق أكبر يتسع بمقدار عمق المخيلة ودقة الملاحظة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz