تابعنا على لينكد إن

عند الحديث عن فجوة الأجور بين الرجال والنساء في الولايات المتحدة التي انحسرت ببطء شديد، لا بدّ من تذكّر الـ80 سنتاً التي تتقاضاها المرأة مقابل كل دولار للرجل، على ذات العمل. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك ليلي ليدبيتر، التي عملت في مصنع للإطارات مدة 20 عاماً، وكانت تتقاضى أقل بآلاف الدولارات من الرجال الآخرين في نفس الوظيفة، حسبما اكتشفت عبر رسالة تركها زميل لها في أحد الأيام.

ويشكّل هذا النوع من الفجوات الذي يتشابه فيه الدور والخبرة والشركة 20 في المئة من فجوة الأجور بين الرجال والنساء، وتُعتبر أسوأ بكثير بالنسبة للنساء ذوات البشرة الملونة، حيث يمكن إرجاع الفجوة في جزء كبير منها إلى فروق مثل الصناعة والوظيفة. وفي قلب هذه الاختلافات هناك الاختصاصات الجامعية، كما يرى تقرير بحثي من مؤسسة جلاس دور.

بحثت جلاسدور في 46,934 سيرة ذاتية شاركها معها أشخاص تخرجوا بين أعوام 2010 و2017، ونظر الباحثون إلى التخصص الجامعي لكل شخص وإلى عمله بعد الجامعة خلال الأعوام الخمسة التي تلت التخرج. ثم قاموا عبر استخدام بيانات جلاس دور بتقييم متوسط الأجور التي تُدفع لكل وظيفة إلى الموظفين الذين لديهم 5 أعوام أو أقل من خبرة العمل. وبالتالي، كان أهم ما توصلوا له، أنّ الذكور يهيمنوا على معظم التخصصات الجامعية التي تؤدي إلى وظائف ذات أجور عالية في التقنية والهندسة، في حين، يتسيّد الإناث غالباً التخصصات التي تؤدي إلى وظائف أقل أجوراً في العلوم الاجتماعية والفنون الحرة، وهو ما يضع الرجال في مسارات مهنية تكسبهم أجوراً أعلى وسطياً.

وعندما تحدثت إلى كبير الاقتصاديين في جلاس دور أندرو تشامبرلين، شرح لي أنّ من بين الأمنيات التي كان يأمل تحقيقها من بحثه، منح جميع طلاب الجامعات رؤية متبصرة على التخصصات التي تكسبهم أعلى الأجور، بحيث يتخذون قرارات مستنيرة حول التخصصات التي يختارونها. كما كان يأمل إظهار بعض الحقائق للنساء الشابات حول الكم الذي يمكنهن كسبه، ما يدفع العدد الكبير منهن لاختيار تخصصات الفيزياء والهندسة، وبالتالي، فإنّ مزيداً منهن سيواصلن في هذه التخصصات حتى لو كنّ النساء الوحيدات في الصف.

وبقدر ما كان الهدف الذي يسعى لتحقيقه نبيلاً، لكنني كنت مشككاً في إمكانية تحقيقه. ففي مجتمعنا، كثيراً ما تسير الذكورية والمكانة الاجتماعية جنباً إلى جنب.

وتحظى الوظائف التي درج التعارف لا شعورياً على ذكوريتها بمكانة وأجر أكبر من الوظائف المتعارف على أنها للإناث. ولهذا السبب يحصل أمين مستودع أو بواب على أجر أكبر مما تحصل عليه “الشغالة”. وهذا من الأسباب العديدة التي تجعل موظفو المعامل من الذكور لا يهرعون إلى الوظائف “الأنثوية” إن جرى تسريحهم من العمل، ليس فقط لأن أجرها أقل، بل لأن مكانتها بالتأكيد أدنى. ولا تعتبر الشركات الأميركية منيعة ضد هذه النزعات، فمنذ أن اُعتبرت الموارد البشرية من الأقسام الزاهية للعمل، أصبح ينظر لها على أنها قسم نسوي، ولهذا تجد هذا القسم يكافح من أجل الاحترام على طاولة المدراء التنفيذيين.

وأظهرت سلسلة من الدراسات كماً كبيراً من التشابك بين الجنس والمكانة والأجر. فقد وجد الباحثون أنّ فجوة الأجور لا تقتصر على مجرد الدفع بالنساء إلى أعمال ذات أجور أدنى، بل تشمل في الواقع عكس ذلك أيضاً، فبعض الوظائف تدفع أجوراً أدنى فقط لأن النساء يعملون فيها. على سبيل المثال، كانت الأجور في مجالات العلوم والتصميم أعلى عندما كان الذكور الأغلبية فيها، لكن مع تزايد أعداد عاملات الأحياء والمصممات، أخذت الأجور بالتدني. بينما حصل العكس في مجال الحاسوب، حيث كانت المبرمجات الأوائل إناثاً، أما اليوم فيعتبر هذا مجالاً ذكورياً بامتياز ومن المجالات الأعلى أجراً. وتبقى فجوة الأجور أكثر اتساعاً في أعلى سلم الدخل، حيث تميل الوظائف لهيمنة الذكور عليها.

وبناء على ذلك، يراودني الشك في أنّ تصنيفنا للأعمال كمهارية أو تخصصية يقوم أيضاً إلى حد كبير على أساس الجنس، ولو أنني لست على علم بأية دراسات بحثت في هذا السؤال تحديداً. ولكن لماذا نفترض أنّ المواد العلمية والتقنية والهندسية والرياضية أصعب من المواد الأكثر شخصية أو لغوية؟ أليس البشر مخلوقات معقدة كتعقيد الأكواد؟ عندما طرحت فرضيتي على تشامبرلين، كان مشككاً. وأوضح رأيه بمثال بسيط أشار من خلاله: إذا المبرمج كتب كوداً سيئاً فالبرنامج غالباً لن يعمل، أما البشر فأقل صرامة، ولديهم معايير أقل. وعندما يتعلق الأمر بالتأليف مثلاً، فإنّ معظم الناس مستعدون لقبول الأعمال المتواضعة. وفي السياق ذاته، هناك مشكلة قوى السوق المزعجة والمهارات التي يقدرها المجتمع. فقد تعتبر الموسيقى مجالاً فنياً بامتياز، لكنها عمل منخفض الأجر.

ومع ذلك تظهر بيانات جلاس دور أنه حتى عندما يدرس الرجال والنساء نفس المادة، توضع النساء في وظائف قليلة الأجر عندما ينتهين من الدراسة. وعلى سبيل المثال، تشمل الوظائف الأكثر رواجاً بعد التخرج عند النساء المتخصصات في علم الأحياء، فنية مختبر، أو فنية صيدلية، أو مندوبة مبيعات. أما الوظائف الأكثر رواجاً بين الذكور العاملين في نفس المجال فهي فني مختبر، محلل بيانات، مدير. وبما أنّ الأخيرة هي الأكثر دخلاً، فإنّ فجوة الأجور تمتد حتى إلى الأشخاص المتخصصين في علم الأحياء. كما تظهر البيانات فجوات مماثلة عند المتخصصين في الرياضيات، فالوظائف الشائعة عند كلا الجنسين هي محلل البيانات والوظائف التحليلية العامة. لكن البيانات تظهر أنّ الرجال لديهم فرصة أكبر في البقاء ضمن الوظيفة المثيرة كعالم تحليل بيانات، كما أنّ أخصائي الرياضيات العادي من الذكور يحقق 60,000 دولار في العام، خلال الأعوام الـ5 الأولى بعد الجامعة، في حين المتخصصة العادية في الرياضيات من الإناث سوف تكسب فقط 49,182 دولار سنوياً. في المقابل، أظهر بحث آخر أنّ فجوة الأجور بين الجنسين تتشكل من فجوات ضمن الصناعة الواحدة أكثر من تشكلها من فجوات عبر مختلف الصناعات.

وعندما سألت تشامبرلين لماذا لا تحصل النساء على هذه الوظائف العالية الأجر في الصناعة على الرغم من مؤهلاتهن؟، قال: “أنّ بياناته لم تظهر السبب”. فقد يكون السبب مدفوعاً بسلوك المتقدم للوظيفة. ولعل الرجال عليهم ضغط إيجاد العمل الأعلى أجراً، في حين أنّ النساء يفكرّن بشمولية من خلال الموازنة بين المنزل والعمل والمرونة. وربما الشركات تسرّع من وصول الرجال إلى أدوار مرموقة ذات أجور عالية. أو قد تكون الشركات تمتلك نظرة شديدة التحديد لما تبحث عنه. مثلاً، إن كنت تحاول توظيف عالم بيانات وأخبرت الموظف الذي سيدير عملية التوظيف أن يبحث فقط عن المتخصصين في الإحصاء، فأنت بذلك تقلص على الفور من مجموعة المتقدمين ليكون معظمهم من الرجال. لكن لو نظرت الشركات إلى المهارات وليس المؤهلات، فستجد أنّ هناك نساء متدربات في العلوم الاجتماعية وعلم الأحياء أو علم الإنسان ممن يجلبن فائدة كبيرة عند التعامل مع جداول البيانات.

وتظهر البيانات أمراً مثيراً للفضول يتمثل في المجالات التي لا يشتغل فيها الأشخاص بتخصصاتهم. إذ يبدو أنّ العديد منهم يكسبون أقل من نظرائهم الذي يستفيدون من شهاداتهم. مثل تخصصات علم المعالجة الفيزيائية. فعلى الرغم من أنّ الطلاب يدرسون موضوعاً علمياً إلى حد ما (حركة الجسم البشري)، والتي لا بدّ ستقود إلى عمل مجز في صناعة الرعاية الصحية المزدهرة، إلا أنّ بيانات جلاسدور تُظهر أنّ نسبة لا يستهان بها منهم لا يكملون ليصبحوا معالجين فيزيائيين. هم يصبحون مدربين شخصيين ومدراء رياضيين أو عاملين في مقهى بأجر منخفض. وهذا ما يؤدي إلى فجوة أجور صغيرة ومعكوسة، حيث تكسب النساء اللواتي يتخصصن في العلاج الفيزيائي 2,000 دولار أكثر من الرجال في السنة وسطياً، لأنهم في الغالب سيشتغلون في وظائف العلاج الفيزيائي التي تستغل ما تعلموه من مهارات في الجامعة.

ويظهر النمط نفسه في تخصصات الموسيقى. إذ يجد معظم النساء أنفسهنّ يدرسن الموسيقى لسبب ما، وبذلك تكون الوظيفة الأكثر شيوعاً لهنّ هي مهندسة صوت أو مدرسة موسيقى. ولكن الرجال الذين تخصصوا في الموسيقى لا يشتغلون عادة في هذا المجال، بل يعملون في وظائف منخفضة الأجر كأعمال البستنة أو المبيعات. ما الذي يجعل هؤلاء الرجال يفضلون عدم استخدام شهادتهم؟ ربما يرجع السبب إلى أنّ معلمة الموسيقى صورة نمطية للنساء، بحسب تخمين تشامبرلين. والتخصص في الموسيقى لا يكسبهم إلا أقل مما تحققه نظراؤهم من النساء، ويرجع ذلك في جزء كبير إلى أنهم لا يستخدمون معرفتهم.

ومن الجيد الاعتقاد أنّ بعض النساء سوف يستفدن من هذه النتائج ويقررن السعي وراء حلمهن في التخصص بالفيزياء أو الرياضيات أو الهندسة. ولكن لدي تشاؤم حيال ذلك، حيث أظن أننا إذا وجدنا أنفسنا فجأة في عالم 90 في المئة من مهندسي الميكانيك فيه من الإناث سيؤدي هذا للنظر إلى هذه الوظيفة على أنها أقل إبداعاً وشأناً، كما كان الأمر في هندسة البرمجيات التي كان ينظر لها على أنها وظيفة أنثوية بامتياز.

وفي حين أنني لا أكف أجد البحوث التي تناولت فجوة الأجور على أنها بحوث مذهلة، إلا أنها في الوقت ذاته سببت لي الإحباط أيضاً، حيث انحدر معظم الجدال في هذا الموضوع إلى فوضى من التفاصيل، مثل: (هذه فعلاً ضريبة الأمومة. هذا سببه رغبة النسوة بالعمل لساعات أقل. هذا نتيجة اختيارات شخصية. هذا لأن النساء لا يفاوضن. لا أحاول هنا أن أبدو رافضة، فالتفاصيل مهمة). لكن التركيز عليها أشبه بالتركيز على سرب من البعوض أمام وجهك ونسيان الوحش الضخم المفترس القابع خلفهم. والحقيقة المرّة التي تقبع وراء كل هذه التفاصيل بسيطة، هي أننا ببساطة لا نقدّر النساء كما نقدّر الرجال. وحتى يحدث ذلك التغيير، لن يُدفع للنساء أبداً أجر عادل على عملهن.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz