ما أن بدأ العام 2018، حتى احتلت مبادرات الثقة الرقمية العناوين الرئيسية. ذكر مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك أنّ الأخير سوف يزيل منشورات الجهات الخارجية من أولويات الظهور (أي كل الصفحات والحسابات غير القريبة من المستخدم)، وذلك لإبقاء تركيز المستخدمين على منشورات العائلة والأصدقاء، معتبراً إياها "ذات مغزى" أكثر. وبدأت شركة جوجل هذا العام بحظر مواقع الإنترنت (التي تحجب البلد الذي نشأت فيه) عن الظهور على أخبار جوجل. وسيؤثر نظام حماية البيانات الجديد للاتحاد الأوروبي (GDPR) على المؤسسات التي تتعامل مع البيانات الشخصية لسكان الاتحاد الأوروبي، في جميع أنحاء العالم. وبلا شك، سيقوم هذا النظام بالإعلام عن قوانين حماية البيانات واستراتيجيات بناء الثقة للشركات في أماكن أخرى.

حتى الشركات العملاقة المبهمة في الصين بدأت هذا العام باعترافات غير مسبوقة عن الحاجة إلى معالجة موضوع مخاوف الثقة: كان على شركة تينسنت (Tencent) الإنكار أمام العلن بأنها كانت تجمع سجل وي تشات (WeChat) للمستخدمين، وذلك بعد أن تم مواجهتها على الملأ، واعتذرت شركة آنت فاينانشال التابعة لمجموعة علي بابا (Alibaba’s Ant Financial) من مستخدمي خدمة الدفع عبر الأجهزة المحمولة التابعة للشركة لإدراجهم تلقائياً في خدمة تسجيل النقاط الائتمانية الاجتماعية.

تؤكد هذه القصص أنّ التطور الرقمي لدينا واستخدامنا المبتكر للتكنولوجيات الجديدة هي نقاط ترتكز على كيفية بناء الثقة الرقمية. ولكن هل يمكن قياس الثقة الرقمية ومقارنتها في ما بين البلدان؟ هل هناك بلدان تعتبر ضمان الثقة من الأولويات الاضطرارية، وتنوي اعتماد قسم أكبر من الموارد والأنظمة التي تؤدي إلى بناء الثقة؟ أطلقت كل من مدرسة فليتشر (Fletcher School) في جامعة تافتس (Tufts University) وماستركارد (Mastercard) مبادرة بحثية لمعالجة هذه الأسئلة، وذلك من خلال دراسة حالة الثقة الرقمية في 42 دولة. في ما يلي بعض النتائج الأولية التي توصلنا إليها والمستمدة من الدراسة التي بعنوان: "ديجيتال بلانيت 2017: كيف تختلف التنافسية والثقة في الاقتصادات الرقمية بين بلاد العالم".

الثقة تخفف من الاحتكاك

قمنا بدراسة العوامل التي تحدد طبيعة التفاعلات بين طرفين يستخدمان الوسائل الرقمية، وذلك من أجل صياغة تعريف الثقة الرقمية: المستخدمون الذين يقومون بمنح الثقة، والشركات التي تنشئ هذه البرامج. ونشير إلى الطرف الأول كمانحي الثقة (مثل أولئك الذين يطلبون سيارة أجرة من خلال تطبيق لطلب السيارات، أو يتصفحون الأخبار على شبكات التواصل الاجتماعي أو يدفعون مقابل عملية شرائية عبر الإنترنت)، بينما نشير إلى الطرف الثاني كضامني الثقة (مثل الشركات التي يُطلب منها سيارات الأجرة، برامج التواصل الاجتماعي، وتكنولوجيا المدفوعات الرقمية). إضافة إلى ذلك، ستجد في جهة الضامنين، أولئك الذين يقدمون المعايير العامة لبناء الثقة (مثل شركات الحماية الإلكترونية)، والقوانين والأنظمة (مثل نظام حماية البيانات الجديد للاتحاد الأوروبي)، أو شركات التكنولوجيا التي تجعل من الإنترنت وسيلة سهلة ومريحة (مثل أكاماي Akamai).

تقلل الثقة من الاحتكاك في العمليات الجارية بين المانحين والضامنين. ولهذا الاحتكاك أسباب عديدة – بعضها بسبب البنية الأساسية أو بسبب ضعف في التصميم والأداء الوظيفي. والبعض بسبب التنسيق والنظام، مثل المتطلبات التنظيمية أو القانونية أو إثبات الشخصية وأمن البيانات، والبعض الآخر بسبب عدم الثقة بين طرفي المعاملة. هذه العوامل تترجم إلى طرق مختلفة يمكن اتباعها لقياس الثقة.

يمكن مقارنة الثقة عبر البلاد

أردنا ضبط معايير الثقة بشكل شامل حتى نتمكن من قياسها ومن تطوير المقارنات العالمية. نظرنا في أربعة أبعاد رئيسية: السلوك والمواقف والبيئة والخبرة. يرتبط البعدان الأول والثاني بمانحي الثقة، أما الثالث والرابع فهما نتيجة للإجراءات التي اتخذها ضامني الثقة. يمكنك العثور في الرسم أدناه على نتائجنا المبنية على هذه الأبعاد عبر 42 بلداً.

  1. السلوك: كيف يستجيب المستخدمون للاحتكاكات في تجاربهم الرقمية وبيئتهم الرقمية أيضاً؟

نظراً لأن كل تفاعل رقمي يتضمن بعض الاحتكاك (فمثلاً، يجب عليك إدخال رمز حماية أو انتظار تحميل الصفحة على جهازك المحمول)، يمكن توضيح هذا الأمر على أنّ المستخدمين يمنحون قدراً قليلاً من ثقتهم الرقمية بمجرد إكمال إحدى المعاملات. ولضمان إمكانية المقارنة، جمعنا بيانات وملاحظات مجهولة المصدر حول مدى تقبل المستخدمين للاحتكاك وما إذا كانوا يواصلون إكمال المعاملة الرقمية، وذلك من أجل ضمان إمكانية المقارنة. وتم جمع هذه المعلومات على مستوى البلد من شركاء البيانات مثل أكامي تكنولوجيز (Akamai Technologies) وبلو تراينغل تكنولوجيز (Blue Triangle Technologies) وماستركارد. كلما زادت نسبة المستخدمين عبر البلاد الذين يكملون معاملة مع وجود نوع معين من الاحتكاك، يتم تفسير هذا الأمر على أنه سلوك يدل على زيادة الثقة. قمنا بتسجيل 42 بلداً وترتيبهم بحسب سلوكهم من الأكثر إلى الأقل تقبلاً للاحتكاك.

  1. المواقف: كيف يشعر المستخدمون حيال بيئة الثقة الرقمية؟

تتمثل الطريقة النموذجية لقياس الثقة في القيام باستطلاع آراء المستخدمين من خلال أسئلة مثل: كيف تشعر حيال البيئة الرقمية؟ هل تثق في تفاعلك وأنك ستنتج بيانات ذات قيمة من هذا التفاعل؟ هل تثق في قادة شركات التكنولوجيا؟ هل تثق بأنّ الحكومات سوف تحترم خصوصية البيانات وبأنّ شركات التكنولوجيا سوف تستخدم بياناتك بكل مسؤولية؟ هل تثق بأن الشركات والمؤسسات ستحمي بياناتك وتعطيها قيمتها؟ جمعنا الآراء في استبيانات متعددة من مجموعة مصادر متنوعة، مثل رابطة مسح القيم العالمية (World Values Survey) وسي جي إبسوس (CIGI-Ipsos) ومؤشر إيدلمان للثقة ( Edelman’s Trust Barometer).

  1. البيئة الرقمية: ما هي آليات "ضامن الثقة" التي يتبعها لبناء الثقة في الاقتصاد الرقمي، وما مدى قوتها؟

قمنا بدراسة ثلاثة عوامل أساسية لبناء الثقة: الخصوصية والأمن والمساءلة. تُعتبر الخصوصية إحدى أهم المجالات التي تهم المستخدمين، من الاختراق الهائل للمعلومات الدقيقة إلى زيادة تتبع الحكومة والشركات للأنشطة الرقمية وللهويات ولأماكن المستخدمين. يُعد الأمن على شبكة الإنترنت كتحدي ثاني لضمان الثقة. ومع توفر المزيد من الموارد للجهات الفاعلة المؤذية إضافة إلى مجموعة أدوات متاحة للجميع، استمرت الهجمات على الإنترنت والاستخدام المتكرر للتهديد وطلب الفدية في الازدياد. وتُعد أكثر المخاطر التي يتعرض لها المستخدمون هي حوادث الهجوم على البيانات. وتعد المساءلة العامل الرئيسي الثالث، لأنه مع ازدياد مخاطر التعرض لهذه الحوادث، يحتاج المستخدمون إلى خيارات الاستعانة بملجأ معين، مثل الأطر القانونية التي تحمّل المؤسسات أو أنظمة إدارة الهوية المسؤولية.

  1. تجربة المستخدم الرقمي: كيف يختبر المستخدمون بيئة الثقة الرقمية؟

يتضمن تعزيز الخصوصية الرقمية والأمان والمساءلة بعض المقايضات: فقد تتطلب هذه الخطوات الاحتكاك، ما يؤثر على تجربة المستخدم بشكل عام. إذا لم يتم إدارة بعض الأمور، حتى الاحتكاك "الإيجابي" (مثل كلمات المرور المتعددة والتصديق على صحة الهوية) قد يكون له تأثير سلبي يقلل من رغبة المستخدم في التفاعل عبر الإنترنت. إضافة إلى ذلك، تقلل الاحتكاكات السلبية من الثقة لدى المستخدمين. ويجب أن يكون الهدف المطلق هو "الاحتكاك الذكي": أي الموازنة بين التجربة السلسة والحماية المناسبة.

في تحليل هذه المقايضة، قارنا سرعة وسهولة القيام بمعاملات تجارية عبر الإنترنت، مستندين إلى بيانات عن الاحتكاك من مصادر متعددة، تابعة لأمور تنظيمية، والبنية الأساسية، والهوية وواجهات التعامل مع الإنترنت. إننا نستخدم هذا المجموع الكلي كدلالة لطبيعة تجربة المستخدمين الرقمية في بلد ما.

توفر هذه الأبعاد الأربعة إطاراً شاملاً لضبط معايير الثقة الرقمية، وتسهيل المقارنات وقياس المعايير بين الدول. في الحقيقة، تتضمن الثقة نظاماً معيناً، يتطلب تقييم فجوات الثقة واتخاذ إجراءات لمعالجتها باتباع أسلوب شمولي.

في حين أنّ استطلاعات السوق هي وسائل تقليدية لقياس الثقة، يجب على صانعي القرار التفكير أيضاً في "متناقضات الثقة": ما يقوله المستخدمون مختلف عما يقومون به عبر الإنترنت. عند تصنيفهم حسب السلوكيات، يبلغ مجموع متوسط المواقف للخمسين في المئة العليا من البلدان 2.41، في حين أنّ الخمسين في المئة السفلى لديهم مجموع متوسط أعلى للمواقف يصل إلى 2.51، ما يشير إلى أنّ الدول الأكثر تقبلاً للاحتكاك غالباً ما تظهر مواقف أقل ثقة.

بالنتيجة، السلوك هو المهم بالنسبة إلى الضامن، إذ أنّ التقبل المنخفض للاحتكاك سيؤدي إلى فقدان الضامن لأعماله. ونقترح على صانعي القرار الاعتماد على سلوك المستخدم بدلاً من الاعتماد على الاستطلاعات التقليدية لمواقف المستخدمين، وذلك في تقييمهم لمدى ثقة المستخدمين الرقميين بهم. ويُعتبر الجميل في هذه البيئة الرقمية هو أنّ هذه البيانات السلوكية يمكن وجودها بكثرة.

الثقة المفرطة مقابل افتقار الثقة

قمنا بدراسة سابقة للتطور الرقمي العالمي، "القدرة التنافسية الرقمية لستين دولة، مفهرسة"، والتي قسمت 60 دولة إلى دول بارزة ودول متلكئة ودول تحاول النهوض ودول عليها الحذر وذلك بحسب حالة تطورها الرقمي (مصنّفة تبعاً لمؤشر التطور الرقمي Digital Evolution Index)، وزخم هذا التطور (كيف يتغير ترتيب مؤشر التطور الرقمي لديهم مع مرور الوقت).

لاحظنا أنماطاً مدهشة: من بين 42 دولة تمت دراستها، إذ تُظهر بشكل عام البلدان التي "تحاول النهوض"، ذات التصنيف المنخفض والزخم المرتفع، تقبّلاً أكبر للاحتكاك وخبرة وبيئات رقمية أقل من المطلوب، أما الدول "المتلكئة" الناضجة رقمياً والتي تتضمن زخماً أبطأ فهي تتبع نمطاً معاكساً (تقبّلاً أقل للاحتكاك وخبرة وبيئات فائقة). الأول لديه ثقة مفرطة والآخر لديه افتقار للثقة. في الحالتين، هناك عدم توافق بين طبيعة التجربة الرقمية وطبيعة البيئة الرقمية ومستويات تقبّل المستخدمين للاحتكاك.

كما أوضحنا سابقاً، من الصائب استخدام سلوك المستخدمين كمقياس ثقة أكثر من التركيز على ما يشيرون إليه في استطلاعات الرأي. لذا، قررنا في الرسم البياني أدناه مقارنة عاملين (سلوك المستخدمين مقابل تجربتهم). يرتبط العاملين الأخيرين ارتباطاً وثيقاً، لذا يمكننا اعتبار أنّ دمجهما معاً هو أمر منطقي.

بالرغم من مستويات الاحتكاك المرتفعة، فإنّ المستخدمين في الدول التي تحاول النهوض هم عرضة للإصابة بهذه الخيبات أكثر من أولئك الموجودين في الدول الأكثر تطوراً من الناحية الرقمية. كما أنّ مستخدمي الإنترنت في هذه البلدان يتقبلون المنتجات الجديدة بسرعة، وغالباً ما يكونون أصغر سناً ومتحمسين للتقنيات الجديدة. ويتوقع هؤلاء المستخدمون وجود مشاكل في التكنولوجيا ويكونون مستعدين للتعامل مع هذه المشاكل وأخذ بعين الاعتبار أنّ البدائل المماثلة أكثر سوءاً.

وفي المقابل، أظهر مستخدمو البلدان المتقدمة، الذين يتوقعون الحصول على سرعة عالية وسهولة وأمانة، تقبلاً أقل للاحتكاك. وتُعتبر المفارقة: أن هذه البلدان، لديها احتكاك أقل قياساً بغيرها، وذلك بسبب امتلاكها لبيئات وتجارب أفضل.

وبالتالي، فإننا نتوقع من البلدان "المتلكئة" أن تطالب باستثمارات أكبر وغير متناسبة من أجل بناء الثقة. يجب على مزودي التكنولوجيا العمل بجهد أكبر لاكتساب ثقة المستخدم والحفاظ عليها. وينبغي على جوانب البيئات الرقمية المتعلقة بالخصوصية والأمان والمساءلة أن تعمل بكفاءة أكثر وتعقيد أقل، ويجب أن تبدو أكثر توافقاً وسرعة. وهذا يعني اتصالاً أسرع، وانخفاض إجراءات التصديق على الهوية التي تتعب المستخدم، ونظام دفع أسهل وملائم أكثر، وقواعد خصوصية أقوى، وتأكيدات موثوقة أكثر على خصوصية البيانات وأمنها.

لا يعتبر بناء الثقة أمراً جوهرياً لمستقبلنا الرقمي وحسب، بل هو أمر دقيق متشابك أيضاً، ويكلف أموالاً وموارد من أجل ضمان الثقة. لبناء الثقة بفعالية في الأسواق الرقمية العالمية، علينا القيام باختيار استراتيجي يقتضي بمعرفة المكان الذي علينا العمل عليه لجذب المستخدمين. لا يمكنك وضع الاستثمارات نفسها في كل الأسواق. يقدّم إطار عملنا منهجاً لتحديد المكان الذي ستضعه في أولوياتك ويضمن نمواً مربحاً.

من وجهة نظر المستخدم، سيكون لدى بعض البلدان بيئات واستثمارات وأنظمة رقمية جديرة بالثقة أكثر من غيرها. أما من وجهة نظر شركة التكنولوجيا، فهذه الصورة ليست ثابتة، مع تطور علاقة المستخدمين بالاقتصاد الرقمي، سيقوم المستخدمين بطلب المزيد من الضمانات الموثوقة. ستتغير توقعات المستخدمين واهتماماتهم بسرعة، كما هو الحال مع أي شيء آخر في تطورنا الرقمي. والأمر نفسه بالنسبة للاتجاه العام والضغط التنظيمي. سيكون الأمر عائداً لهذه الشركات الرقمية، إذا ما كانت تريد أن تقوم بالمواكبة والابتكار من أجل هذه الغاية التنافسية الجديدة: وهي اكتساب الثقة الرقمية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!