مارست أكبر شركتين في تجارة التجزئة بالصين، شركة علي بابا رائدة التجارة عبر الإنترنت وشركة تينسنت رائدة صناعة الألعاب على وسائل التواصل الاجتماعي، سياسة الاحتكار الثنائي بشكل منهجي لحصص السوق الصينية في زمن قياسي. أنفقت الشركتان معاً أكثر من 20 مليار دولار أميركي خلال الاثني عشر شهراً الماضية فقط لتغيير طريقة تسوق الأشخاص في الصين (لا يمكن تحديد القيمة الدقيقة لاستثماراتهما لأن العديد منها لم يُكشف عنها أو أنها كانت صفقات خاصة. يستند هذا الرقم، بالإضافة إلى بعض الأرقام الأخرى المذكورة في هذا المقال، إلى أحد تحليلات شركة باين آند كومباني الأميركية للاستشارات الإدارية).

بدأ الأمر عندما حققت شركة علي بابا توسعاً واضحاً في عالم البيع المباشر. ولتحقيق ذلك، استثمرت الشركة بشكل كبير في كل شيء بداية من أسواق ليان هوا ومتاجر إينتايم (Intime) وحتى شركة سونينغ (Suning) لبيع الأجهزة الإلكترونية بالتجزئة. وتعمل شركة علي بابا الآن على ربط ملايين المتاجر الصغيرة في الصين بشبكة التوزيع عبر الإنترنت الخاصة بها في مبادرة تُدعى لينغ شو تونغ. وافتتحت الشركة أسواق هيما جيان شنغ، حيث يستخدم المستهلكون تطبيق علي باي لطلب لوازم البقالة أو الأطعمة الجاهزة لتوصيلها إلى منازلهم - في العديد من الأماكن - في غضون 30 دقيقة.

اتخذت شركة تينسنت مساراً مختلفاً لتصبح قطب الصين الآخر في تجارة التجزئة. بدأت الشركة نشاطها بصفتها شركة لخدمات التواصل الاجتماعي، ثم أضافت صناعة الألعاب والمدفوعات الإلكترونية والمحتوى الإعلامي والحوسبة السحابية وصناعة الأجهزة إلى نشاطاتها. ومن خلال استثمارات ناجحة في شركة التجارة الإلكترونية الصينية جيه دي دوت كوم (JD.com)، أصبحت شركة تينسنت الشركة الثانية في الصين للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت بعد أربع سنوات فقط من دخول صناعة التجزئة. استثمرت الشركة في أسواق يونج وي (Yonghui)، وهي واحدة من أسرع سلاسل متاجر البقالة الصينية نمواً، وعقدت شراكات مع كارفور و"وول مارت" (التي تملك أيضاً 12% من أسهم شركة جيه دي دوت كوم). ومن بين العديد من التوسعات الأخرى، أنشأت الشركة بالتعاون مع جيه دي سلسلة متاجر سفن فريش (7Fresh) لبيع الأغذية الطازجة، واستثمرت في تطبيق التجارة الاجتماعية مع بيندودوا (Pinduoduo)، وهي شركة صاعدة في مجال التجارة الإلكترونية تستهدف المدن الصغيرة المزدهرة في البلاد.

تُقدر قيمة كل من علي بابا وتينسنت بنحو 500 مليار دولار أميركي في الأسواق العامة، وتُعد كلتاهما بمثابة شركتي سوفت بانك (SoftBank) اليابانية أو بيركشاير هاثاواي الأميركية في الاقتصاد الصيني الجديد، إذ تستثمران في مئات الشركات على جميع المستويات. ومن خلال ترساناتهما المتزايدة من الأصول الرقمية والمادية، حظيت كلتاهما بفرصة خاصة من خلال نظام مغلق لاكتساب أكبر قدر من المعلومات عن المستهلكين طوال الوقت وفي أي لحظة تصفح أو شراء على الإنترنت. واكتسبت هاتان الشركتان معلومات لا تُقدر بثمن تدعم كل من التسويق المستهدف ومواقع التخزين وتشكيلة المنتجات والتسعير. والآن، ومع حصة سوقية مشتركة تبلغ 80% من أكبر سوق للتجارة الإلكترونية في العالم وحصص في أربع من أكبر خمس سلاسل للمتاجر والأسواق الكبيرة في الصين، يلوح سؤال أساسي في الأفق: هل هناك مساحة لأي شركة أخرى في سوق تجارة التجزئة الصينية؟

هناك مساحة للشركات لشق طريقها في سوق البيع بالتجزئة الصينية. ومع ذلك، هناك قراران في الصين يوجهان أي شركة للبيع بالتجزئة. القرار الأول هو اختيار أحد الجانبين: هل تريد التحالف مع علي بابا أم تينسنت؟ بالنسبة لأي شركة بيع بالتجزئة تأمل في ربح شريحة من سوق البيع بالتجزئة المتوسعة في الصين، لا بديل عن التعاون مع أحد الفريقين- على الأقل في الوقت الحالي - وهناك مزايا وعيوب لكل فريق.

يتضمن القرار الثاني نموذج الشراكة. عند عقد شراكة مع أكبر شركتين في الصين، يمكنك الاختيار من بين ثلاث استراتيجيات أساسية: هل تريد استخدام هؤلاء الشركاء الكبار كطريقة للاختبار والتعلم في هذه السوق الضخمة أم لتعزيز الأعمال الأساسية أم للاندماج بشكل كامل؟

دعونا ننظر في القرار الأول، وهو ما إذا كنت ستتحالف مع علي بابا أم تينسنت. تفضل علي بابا دمج جميع بيانات وعمليات التسويق والخدمات اللوجستية للشركات التي تستحوذ عليها. من جانبها، تتيح تينسنت لكل شركة تجزئة خيار ربط وتحديث أنشطتها التجارية القائمة. النقطة التالية هي: ما هي أنواع البيانات التي تحتاج إليها لتكمل بياناتك؟ ستكون لدى تينسنت بيانات أكثر عن سلوكيات المستهلكين على وسائل التواصل الاجتماعي، في حين ستكون لدى علي بابا بيانات أكثر عن السلوك الشرائي. أخيراً، ما هو نوع الخبرة التي تحتاج إليها؟ على سبيل المثال، ما لم تكن الشراكة متصلة مع شركة جيه دي، لا تملك تينسنت بالفعل خبرة أساسية في البيع بالتجزئة بمجالات مثل سلسلة التوريدات والخدمات اللوجستية.

يعتمد القرار الثاني – أي اختيار استراتيجية الشراكة - على نقطة البداية الخاصة بك وأهدافك النهائية.

وتُعد استراتيجية الاختبار والتعلم هي الأنسب إذا لم يكن لك وجود بالفعل في الصين وترغب في اتباع طريقة لا تعتمد على رأس المال لاختبار السوق ولمعرفة ما يريده العملاء ومدى جودة سير بيع منتجاتك على سبيل المثال. لا توجد حاجة إلى متاجر فعلية، وإذا كان هذا النظام لا يسير على ما يرام، فمن السهل نسبياً أن تخرج من السوق. اتبعت سلسلة متاجر كوستكو (Costco) الأميركية هذا النهج، مستخدمة علي بابا كوسيلة لاختبار عروضها والتعرف على الصين قبل تشغيل عملياتها بالكامل. في عام 2014، افتتحت الشركة متجراً لبيع الأغذية عبر الإنترنت على موقع تي مول غلوبال للتجارة الإلكتروني عبر الحدود والتابع لمجموعة علي بابا. ساعدت تلك الخطوة شركة كوستكو على الاستفادة من برنامج حكومي خاص يتيح لتجار التجزئة بيع سلع معينة (في ظل قوانين ضريبية مناسبة) دون حصولها على رخصة للعمل في الصين، وساعدتها أيضاً على اكتساب شهرة واسعة. وفي العام التالي، دخلت كوستكو قائمة أفضل 10 بائعين على تي مول غلوبال خلال فترة التخفيضات بمناسبة يوم العزاب 11/11.

وفي عام 2017، حصلت كوستكو على رخصة لافتتاح متجر رئيسي على تي مول وبدأت التحرك نحو هدفها بتوفير ما يقرب من 800 منتج للمستهلكين الصينيين. ومهدت هذه الخطوات عبر الإنترنت الطريق لكوستكو للحصول على رخصة لافتتاح متاجر فعلية من المتوقع أن يستقبل أولها العملاء في يونيو/حزيران المقبل بمدينة شنغهاي. وستعمل متاجر كوستكو في الصين بشكل مختلف عن متاجرها في أي مكان آخر من العالم. على سبيل المثال، ستتبع هذه المتاجر نهج علي بابا المعتمد على البيانات، مستخدمة البيانات التي جمعتها عن المستهلكين على مدار الأعوام الأربعة الماضية من تي مول لتحديد تشكيلة المنتجات وكذلك العمليات ذات القدرة على التأثير.

لنفترض أنّ لديك بالفعل وجود في الصين لكنك تريد الحصول على بيانات وتقنيات شريكك القوي دون فقدان السيطرة على ماركتك التجارية أو عملياتك ودون التخلي عن التحكم في الملكية. في تلك الحالة، فكر في خيار آخر: ألا وهو استخدام الشراكة لتعزيز أعمالك الأساسية الحالية في الصين. اتبعت وول مارت هذا النهج؛ فمن خلال شراكة استراتيجية تستخدم سلسلة المتاجر الأميركية الآن تقنيات تينسنت لتحسين تجارب العملاء في متاجر وول مارت ومساعدتها على معرفة المزيد عن عملائها. ومن بين الابتكارات الناتجة عن هذه الشراكة خيار البيع عبر الهاتف المحمول من خلال تطبيق وي تشات (WeChat)، الذي يتيح للشركة الأميركية إمكانية الوصول إلى بيانات الاستهلاك الخاصة من المستهلكين الذين يسددون عبر هذا التطبيق، وهي بيانات ستساعد وول مارت على إنشاء ملفات شخصية أكثر تطوراً للمستهلكين. ومع ذلك، هناك جانب سلبي لهذا النهج سيقود بعض تجار التجزئة إلى رفض هذه الفرصة، إذ سيتوجب عليك مشاركة الكثير من المعلومات مع شريكك المختار لتنجح هذه الشراكة حقاً.

أخيراً، تختار بعض الشركات الاندماج بشكل كامل مع إحدى الشركتين. يتيح هذا النهج لتاجر التجزئة إمكانية الوصول إلى قاعدة المستخدمين وإلى الرؤى الخاصة بالشريك وبياناته وتقنياته، كما يتيح فرصاً لتحقيق فوائد على نطاق واسع أو مشاركة العمليات مثل عملية الشراء. يُعد الجانب السلبي لهذا النهج هو أنّ الشريك يصبح أكثر مشاركة في عمليات المتجر. اتخذ هو يي، وهو مدير سابق في قسم الخدمات اللوجستية بشركة جيه دي، هذا المسار بعد إطلاق سلسلة متاجر هيما جيان شنغ لبيع الأغذية الطازجة من خلال جذب الزبائن عبر شبكة الإنترنت إلى المتاجر الحقيقية، والذي أصبح منذ ذلك الحين المثال الأكثر واقعية لما يشار إليه بـ (تجارة التجزئة الجديدة). ويعمل هو يي رئيساً تنفيذياً لشركة هيما (Hema) ويشرف على التوسّع السريع الذي تبع ذلك بعد أن استثمرت علي بابا في الشركة وموّلتها، وجعلت أسواق هيما جزءاً من نظامها البيئي المتكامل القوي.

والآن، حتى في الوقت الذي تقتسم فيه الشركتان السوق الصينية، تستعد كل من شركة علي بابا وشركة تينسنت للتوسع على نطاق عالمي. وعندما يحدث ذلك، ربما يجد تجار التجزئة في القارات الأخرى أنفسهم أمام مجموعة الخيارات نفسها: اختيار شريك وتحديد أفضل استراتيجية شراكة لهم إذا كانوا يأملون في المشاركة بهذه اللعبة السريعة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!