كلما عرفت نفسك أكثر كنت أكثر قدرة على التحمل

4 دقائق
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

عندما نفكر في مفهوم “القدرة على التحمل”، يخطر ببالنا عادة التعافي من المصاعب الكبيرة. إلا أن علماء نظريات الإدارة وضعوا تعريفاً أكثر دقة للقدرة على التحمل: وهو القدرة على التكيف مع التغييرات المعقدة. ولكن في عالمنا اليوم، يعني ذلك أن الحاجة للقدرة على التحمل أمر مستمر. خصوصاً مع سيل المشاكل المستمرة التي تواجه القادة، ونظراً إلى أن التغيير هو الأمر الثابت الوحيد في حياة المؤسسات، فعلى القادة تطوير مهارة القدرة على التحمل باستمرار. وهو أمر لا يقتصر على التغييرات الكبيرة، أو اللحظات الهامة المرتبطة بالإخفاقات الكبيرة.

بعد ثلاثين عاماً من العمل مع قادة الإدارات العليا ممن مروا بتغييرات كبيرة، توصلت إلى أربع استراتيجيات يمكنك استخدامها لبناء قدرتك على التحمل. وكانت هذه التوصيات نتيجة دراسة 167 قائداً، والتي أظهرت أن أكثر القادة قدرة على التحمل هم من يعرفون أنفسهم جيداً – يميزون مواطن القوة لديهم، وما يحفزهم، وما هي قناعاتهم. إليك كيفية بناء قدرة التحمل لديك من خلال معرفتك العميقة لنفسك.

اعرف ما لديك من مهارات بصدق. عندما يواجه القادة تغييرات غير مسبوقة، فإنهم يشككون في مهاراتهم لدرجة تعيق قدرتهم على التصرف. فقد واجه أحد العملاء الذين عملت معهم، وهو مدير تنفيذي لسلسلة توريدات وذو خبرة طويلة، موقفاً اضطر فيه للإعلان عن إغلاق بعض المصانع كجزء من عملية تحسين بصمة التصنيع لدى الشركة. لقد كان مصاباً بالهلع تجاه رد فعل المؤسسة، لدرجة انه أجّل الإعلان طوال أسابيع. وقد كان السبب الرئيس وراء قلقه هذا هو اقتناعه بعدم امتلاكه للمصداقية الكافية لتفسير هذا القرار، أو امتلاكه المهارة اللازمة لتحمّل استياء القسم الذي تمتع بولاء متبادل معه على مدى عقود. ولكن في حقيقة الأمر، كان هذا الولاء هو ما منحه المصداقية للإعلان عن هذا القرار، بالإضافة لتخطيطه الدقيق الذي من شأنه تقليل ردود الفعل السلبية في النهاية. لقد كان القلق من التغيير هو ما قلل من قدرته على رؤية نقاط القوة لديه.

يعرف القادة أصحاب القدرة على التحمل مهاراتهم وخبراتهم التي تحضّرهم للمصاعب التي يواجهونها، كما يعرفون ما ينقصهم أيضاً. وهم يعوضون ما ينقصهم بمساعدة مهارات الآخرين، ويحضّرون أنفسهم على أفضل نحو ممكن. والأهم من ذلك، فهم يعترفون بهذا النقص، لتجنب الظهور وكأنهم يحاولون إخفاءه.  

السيطرة على الانفعالية في غير موضعها. قد يصاب القادة بالغضب الشديد والانفعالية عندما تواجههم درجات عالية من التوتر المصاحبة للتغييرات المضطربة، أو الظروف الصعبة للأسواق. ويميل القادة الذي لا يعون كيفية تأثر سلوكياتهم بتفريغ هذا التوتر في كل من يقع في طريقهم؛ فالمساعدون الإداريون، وأفراد العائلة غير الملمين بظروف العمل، أو المرؤوسون ممن يحاولون تقديم المساعدة قد يكونون عرضة لهذه الانفعالية التي تظهر في المكان الخاطئ. خلال مواجهة فيض من التغييرات الكبيرة، قد تكون مصادر الإزعاج خارجة عن إرادة الأشخاص؛ مثل التغيير في المتطلبات التنظيمية، أو تباطؤ حركة الأسواق. ويساهم القادة الذين لا يستطيعون السيطرة على ردود فعلهم العنيفة خلال أوقات الشدة في التأثير سلباً على قدرة مؤسساتهم على التحمّل.

أما القادة الذين يملكون معرفة عميقة لذواتهم، فيستطيعون السيطرة على ردود أفعالهم الشديدة عندما تكون في غير موضعها قبل أن يتسببوا بالأذى للآخرين. وهم يركزون على ما يمكنهم التحكم به.

تصدّى للتوقعات غير الواقعية بدلاً من نقلها لموظفيك. من إحدى النتائج السلبية والشائعة للتغييرات الكبيرة وضع أهداف غير واقعية. يتم وضع هذه الأهداف للعديد من القادة من قبل الإدارة العليا. يقوم القادة الذين يفتقرون للمعرفة الكافية بأنفسهم بنقل هذه التوقعات لمرؤوسيهم، يدفعهم لذلك شعور بالغضب وأنهم ضحايا. لقد رأيت الكثير من القادة غير الكفؤين يقومون بالإعلان عن التغيير قائلين “أعلم أن هذا الأمر ليس عادلاً، ويبدو وكأنه يتم الإيقاع بنا لنفشل، ولكن هذه هي التوقعات التي علينا التعايش معها.” وهذا يؤدي إلى استنفاذ ذلك المقدار الضئيل من القدرة على التحمل حتى قبل أن يتم البدء بتنفيذ ذلك التغيير. 

ولا يخشى القادة الذين يمتلكون فهماً قوياً لأنفسهم من مقاومة الآخرين، بمن فيهم الرؤساء والزبائن، والتفاوض بشأن الأهداف والجداول الزمنية عندما لا تكون واقعية. فيقوم هؤلاء القادة بتوضيح وجهة نظرهم باستخدام المنطق والبيانات الداعمة لرأيهم، والتي توضح السبب وراء عدم واقعية هذه التوقعات، والمخاطر التي قد تنتج عن عدم تعديل هذه الأهداف والجداول الزمنية، كما يقومون بطرح بدائل منطقية تتيح للمؤسسة فرصة أكبر للنجاح. وهم يفعلون ذلك بهدف مساعدة من يملكون تطلعات مستحيلة على تعديل وجهة نظرهم قبل مواجهة انتكاسة كبيرة.

يزيد القادة من قوة التحمل لديهم ولدى فرقهم عندما يفرضون التغيير، أو يواجهون التحديات وهم واثقون أنهم قادرون على تحقيقها بواقعية.

ميز تصرفك إذا كان يتصف بالازدواجية، وعُد إلى مبادئك الأساسية. قد تؤدي فترات الشدة المطوّلة أو التغييرات المتقطعة إلى شعور القادة، حتى أكثرهم تماسكاً، بالإحباط. وقد يستسلم بعضهم للتصرف بشكل آلي من أجل التأقلم مع الوضع الراهن. تكمن المشكلة في أنّ تأرجح القادة بين تخطي الشدّة أو التعايش مع التغييرات قد يتسبب في التأثير على من حولهم وفقدانهم للعزيمة.

أوشكت واحدة من عملائي على ترك عملها. فقد كانت رئيسة قسم البحث والتطوير في شركة دوائية كبيرة، وقد واجهتها دورات تطوير المنتجات المتسارعة بمواجهة ثقافة عُرف قادة المجالات العلاجية فيها ببسط السيادة على مناطق عملهم. وبعد عامين من محاولة بناء ثقافة تحوّل المنافسة بين الأقسام المختلفة إلى إحساس مشترك بالنجاح، كانت على وشك الاستسلام. ولكن شغفها للتوصل إلى أدوية من شأنها أن تغير من حياة المرضى انتصر على إرهاقها الناتج عن خوض هذه المعركة، ولعب دوراً ملهماً لدفع القادة ضيّقي الأفق للتخلي عن العقلية القائلة “يجب أن تخسر، حتى أتمكن من الفوز”.

يبذل القادة الواعين بمثابرتهم رغم الضعف جهوداً مضاعفة للمضي قدماً، ملهمين من حولهم ليحذوا حذوهم. 

تُعدّ الشدائد والمصاعب في حياة المؤسسات أمراً واقعاً، وهي قد تحدث نتيجة لتغييرات كبرى، أو قد تحدِث هي التغييرات. ويحتاج القادة إلى امتلاك مستويات عالية من القدرة على التحمل، وبمخزون ثابت ليتمكنوا من تحمّل هذا الأمر الاعتيادي. يتمكن هؤلاء القادة الذين يملكون معرفة عميقة بأنفسهم، وفهماً واضحاً لمهاراتهم ومواطن الضعف لديهم، ولإحباطاتهم، ولمبادئهم الرئيسة، من المحافظة على هذا المخزون من قوة التحمل ليتمكنوا من الصمود في وجه الشدائد والتغيير.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!