أمريكا أون لاين (AOL)، نوكيا، ريسرتش إن موشن، كوداك، ديجيتال إكويبمنت كروبريشن (DEC). جميعها شركات لها نفس قصة، حيث أنها كانت شركات عظيمة يوماً ثم عانت من التزعزع. وكما هو معروف في عالم الأعمال، إن لم تستمع إلى الزبائن الصحيحين فقد يزول كل ما بنيته قبل إدراكك ما يحدث.

تُقيم الكثير من الشركات الحديثة الابتكار المزعزع وتحاول التحرك بما يتناسب معه. إذ أنه في صناعة البرمجيات، استثمر عمالقة مثل مايكروسوفت وساب وأوراكل وآي بي إم (IBM) بشكل كبير في التقنيات السحابية التي تزعزع البرمجيات. أما في مجال تأجير السيارات، تراهن شركات مثل هيرتز وإنتربرايز على عمليات مشاركة السيارات. وحتى الشركات المتسيدة لصناعتها مثل أمازون وفيسبوك تنفق أموالاً ضخمة لتصيد شركات مزعزعة مثل كويدسي (Quidsi) وواتساب وتشغيلها بشكل مستقل. في جميع الحالات تقريباً، يكون التهديد واضحاً وحاضراً أثناء القيام بالاستثمار.

السؤال إذاً، لماذا مع وجود هذا الفهم القوي للقوى المحركة للتزعزع لا يزال تحركنا بطيئاً؟

يبرر المثقفون والمدربون على حد سواء ذلك بأسباب منها ضغوط ابتكار نموذج العمل أو صعوبة القيام باستثمارات تجريبية ضمن الجدران الأربعة لمؤسسة قائمة. وأنا لا أصدق هذه الأجوبة. فمن خلال تجربتي، لم أرى أبداً تنفيذياً مقداماً يفشل في تمزيق هذه العوائق عندما يصبح موقناً لجسامة التغيير القابع على عتبته. إذ أنه بفهمهم للتزعزع، من مصلحة القادة أن يجنّبوا أنفسهم الاضمحلال البطيء لمجرد أسباب تنظيمية هامشية. وليس هذا ميراثاً سيسرهم أن يُسجل إلى جانب أسمائهم على صفحات مقالات صحيفة وول ستريت ودراسات حالات كلية هارفارد للأعمال ميراث الجمود والعجز.

كما أنه ترشدني تجربتي إلى إجابة أخرى: معظم الشركات لا تستمع إلى الزبائن الصحيحين. ومعظم الشركات تقضي وقتها تستمع إلى أكثر زبائنهم تطلباً، ليس فقط لأن هؤلاء الزبائن هم الأكثر ربحاً، لكن أيضاً لأن تقنيات الاستماع لدينا توجهنا نحو الزبائن الأعلى صوتاً. فينتهي بنا الأمر مهملين. وأحياناً لا نستمع حتى لأولئك الزبائن الذين يصبحون على درجة مماثلة من الأهمية في المستقبل.

وفي غضون ذلك، تُعتبر طريقة الاستماع هي التي تسمح بتآكل شركات جيدة من الكاحل صعوداً، وتُجبر على أن تصبح تصرفاتها ردود أفعال بدل اتخاذ زمام المبادرة. وكي يكون المدراء متقدمين في خطاهم للتزعزع، عليهم أن يغيروا جوهرياً طريقة جمعهم لآراء العملاء.

يحب ستيف بلانك الإشارة عادة إلى أنّ الشركات الناشئة هي كيانات تُنشأ لتحديد المواءمة الأنسب للمنتج مع السوق. فنجاة المؤسسة في أيامها الأولى يعتمد على قدرتها الاستماعية لما يريده السوق. وحالما تكتشف ذلك الشيء وسوقها المستهدف، يصبح النجاح مجرد عملية تنفيذ. ويختفي بحثنا عن "الفهم" ما لم يكن وراءه دافع من النمو والربحية.

عندما لا يكون هناك أي خلل في الأفق، فإنّ تركيز الإدارة الأوحد على النمو والربحية لا يتعارض مع قدرتها على الاستماع للسوق والتنبؤ بالمستقبل. هذا ما سيخبرنا به عملاؤنا الأكثر تطلباً في اجتماعات المبيعات وسيؤكدون على ذلك عندما يصوّتون له بما يُنفقونه من أموال. كما سوف يخبرنا بذلك أيضاً العملاء الذين كثيراً ما تتجاهلهم الشركة بسبب قلة ربحيتهم أولئك الذين يشعرون بأننا نقدم لهم أكثر مما يحتاجون، وذلك في شكل شكاوى العملاء والمشاعر السلبية التي تبدر عنهم. فقبل أن يظهر التزعزع في الأفق، كان لا وجود عموماً لبديل آخر. وخذ صناعة شركات الطيران كمثال من العالم الواقعي. بشكل عام، لا تزال البدائل الجيدة للسفر الجوي غائبة، كما أنّ الناقلات الجوية المزعزعة لا تسافر غالباً في مسارات تضعها ضمن منافسة مع شركات الطيران الكبرى. لذا تعمل شركات الطيران بمقتضى آراء مسافري الدرجات الفاخرة وتُفرز آراؤهم عن الشكاوى التي تأتيهم من الآخرين الذين يضطرون للسفر من مكان إلى آخر بحقائب مفقودة.

قبل التزعزع، تكون الآراء وفيرة. لكن تقنيات الاستماع التي كانت قد وظّفتها الشركات في أيامها الأولى لا تعود مناسبة أبداً لتوجيه الاستراتيجية حالما يدخل اللعبة منافساً مزعزعاً يوفر بديلاً موثوقاً عن المنافسين باهظي الثمن.

وبظهور هذا البديل المزعزع، يتغير المفهوم. وبدل التشكي، يصبح بإمكان الزبائن في الفئات الدنيا ضمن السوق المغادرة ببساطة، فهم لا يعودون يشعرون بأنهم مأسورون أو أنّ الصراخ بأعلى صوتهم هو خيارهم الوحيد كي يُسمعوا. وهم أصلاً لا يشعرون باستثمار عاطفي في الشركة. وكل ما يشعرون به أنهم اتخذوا قراراً مؤقتاً وحان الوقت لاتخاذ قرار جديد. لذلك يغادرون.

هذه الظاهرة وصفها ألبرت هيرشمان في مقالته "الخروج والصوت والولاء" (Exit, Voice, and Loyalty). فقد استخدم نظرية اقتصادية ليشرح التوجه الذي لاحظه في الأعمال والسياسة على حد سواء، حيث تقول إحدى توجهاته أنه مع تغير السوق وظهور خيارات جديدة للعملاء، يجب أيضاً أن تتغير وتظهر تقنيات وأساليب جديدة في بناء ولاء العملاء. هنا بالضبط موضع سقوط معظم الشركات. ومع ظهور المزعزعين في المشهد، كل ما نفعله أن نتحرك بخطوات متثاقلة متوقعين من نفس أدوات الاستماع وتحديد الأولويات أن توجه عملياتنا. لكن هذه الأدوات تخذلنا في فهم ما يراه زبائننا في هؤلاء الوافدين الجدد.

ومن غير المحتمل أن تنجح استطلاعات آراء العملاء في دفع من هجروا المنصة قبل زمن طويل كي يتفاعلوا من جديد. إذ يمكن تجميع بعض المدخلات من مواقع التواصل الاجتماعي من عملاء يشعرون أنهم استثمروا في حلولنا أو أنهم منجذبون تجاهها، لكن ليس من أولئك الذين هم على وشك المغادرة إلى دنيا أفضل. أما تقييمات المبيعات فتميل عادة للتركيز على أفضل الزبائن وأكثرهم ربحية، وتتجاهل صوت العملاء الهزيلين الذين لا شهية لهم للحلول المقدمة حالياً.

وتتطلب المحافظة على الشركة من التعثر في وجه وافد مزعزع وعياً لا يتحقق إلا بتوظيف ممارسات استماع مختلفة. ففي كل مرة تتواصل معي شركة تحاول توقع حصول تزعزع، أقترح عليها ثلاث تقنيات لتحسين ممارسات الاستماع، وهي تقنيات يمكن للجميع الاستفادة منها.

1واظب على إجراء مقابلات الخروج مع الزبائن

يستطيع الزبائن الذين يختارون شراء منتجات غير منتجاتك إخبارك أكثر عن سبب جاذبية تلك المنتجات. إذ أنه باستطاعة هؤلاء العملاء توضيح مواضع الضعف لديك وما يقوم به الآخرون بشكل أفضل منك. وكي تحدد من هم هؤلاء العملاء، تحتاج في معظم الأحيان لأن تجهّز نوعاً جديداً من أنظمة الاستماع. لذلك، ضع أشخاصاً في المتاجر لمراقبة المشتريات، وأرسل بالبريد الإلكتروني استبياناً للزبائن الذين لم يأتوا لزيارتك من فترة كي تلتمس آراءهم. وخض معهم في حوار مفتوح وصادق حول مواطن ضعفك.

2عزز أدوات التفاعل للعملاء الأقل ربحاً

تجيد الكثير من الشركات تقصي آراء أفضل عملائها حول الجيل التالي من منتجاتها أو خدماتها بجلبهم إلى طاولة النقاش. صناعة الألعاب مثلاً تراقب المدونات والمؤتمرات لفهم كيف سيستجيب محبو الألعاب "الحقيقيون" للتحسينات. لكن عندما يتعلق الأمر بالتزعزع، فأنت بحاجة لأدوات من أجل إشراك الموجودين في قطاعات أخرى من السوق. كما أنك بحاجة لتحديد من يقفون على الهامش في صناعتك، وأن تبادر فوراً لفتح قنوات تواصل معهم. ثم أطلق مجموعات استشارية ومجتمعات للمستخدمين تجمع فيها عن قصد أشخاصاً لا يتفاعلون مع منتجك الأساسي إلا هامشياً. ثم تذكر أنهم لا يشعرون بأنه تم الاستثمار بهم كأفضل عملائك، لذا عليك الحرص على فعل ما يلزم لجعلهم يشاركون ويساهمون بإبداء الرأي. وإذا لم تفعل ذلك، فقد تبقى لسوء الحظ عالقاً في صدى أعمالك اليومية.

3- استخدم البيانات كآلة زمن تُنبئك بنمو المنافسين

شركتك نمت غالباً في أحضان المستويات الدنيا من السوق. وعليه فإنّ الرجوع للنظر في تاريخك طريقة جيدة لفهم مدى جاذبيتك والتهديد المحتمل من المنافسين. ولو أنّ العملاء الذين يهجرونك اليوم هجروك قبل 10 سنوات، كيف كان سيؤثر ذلك على نموك؟ لو أنهم تركوك قبل 20 عاماً، كم من الربح كنت ستخسر؟ هل كان عملك ليكون قائماً اليوم؟ يساعد هذا النوع من الاستماع إلى المؤشرات الاقتصادية في فهم سرعة ومجال التزعزع الذي يحدث لك ويضع التهديد في موقعه المناسب أمام التنفيذيين، حيث أنه لا أداة أفضل من الوصف العقلاني والمنطقي للخطر من أجل جعل الشركات الكبيرة تتحرك.

ليس التأقلم مع المزعزع سهلاً. لكن بإمكانك محاصرة الخطر قبل أن ينهش في شركتك. والمفتاح لذلك يكمن في فهم أي العملاء تستمع إليهم عادة، وتركز بعضاً من استماعك على أولئك الذين لا تستمع لهم قبل فوات الأوان.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!