مع استعداد بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي في 29 مارس/آذار من العام 2019، تناضل العديد من الشركات للتحضير لكيفية تغيير طريقة عملها هناك. وقلّة من الشركات أصبحت متقدمة في التخطيط والتحضير للاستراتيجيات الخاصة بالسوق البريطاني. وفي ورشة عمل حول "بريكست" (Brexit) عقدناها مؤخراً لعملائنا وهم 19 مديراً بريطانياً لأكبر الشركات المتعددة الجنسية في العالم، تبيّن أنّ 10 منهم لم يبدؤوا بعد أو بدؤوا للتوّ التخطيط من أجل "بريكست".

لا يوجد أي نموذج جاهز لكيفية تغيير الشركات رداً على "بريكست". كما أنّ المعلومات حول ما يعنيه ذلك الأمر محدودة، والآراء تتغيّر بسرعة وتصبح متناقضة أكثر فأكثر. ولكن، لا يعني ذلك أنّه ليس على الشركات أن تبدأ العمل المطلوب للتوصل إلى خطة. يمكنكم التفكير في الطرق التي قد تتغيّر بها شركتكم حتى لو لم يكن لديكم المعلومات المثالية حول ذلك.

في ما يلي سنتستعرض بعضاً من أهم الأسئلة التي يجب أن تطرحها الشركات المتعددة الجنسيات.

نلاحظ أنّ العديد من الشركات المتعددة الجنسيات تقع في ثلاثة فخاخ خطيرة عند التخطيط لـ"بريكست": (1) تتبنّى نهج الانتظار والترقب حتى تشعر بالثقة بأنّ لديها المعلومات الكافية لتحضير أعمالها لبيئة ما بعد "بريكست"؛ (2) تحدد أهدافها باستخدام بيانات سابقة قد تكون غير ذات صلة؛ و(3) تخفق في أخذ امتداد تأثيرات "بريكست" في الاعتبار على أجزاء مختلفة من أعمالها (على العملات مثلاً، والتنظيمات، وارتفاع التكاليف).

يعتبر انتظار الحصول على المعلومات المثالية لبدء التخطيط، مقاربة محفوفة بالمخاطر، لأن اتضاح الصورة اللازمة لاتخاذ إجراء حاسم قد يتأخر كثيراً، هذا إن تحقق أصلاً. فمن الواضح أنّ طبيعة محادثات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، سواء داخل المملكة المتحدة أو مع الاتحاد الأوروبي، تتيح لكل طرف أن يستخدم الوقت كوسيلة ضغط، وأن يؤخّر بعض المسائل إلى اللحظة الأخيرة من أجل الحصول على تنازلات. ومن المحتمل ألاّ يكون لدينا معلومات كاملة بحلول شهر أبريل/نيسان من العام 2019. لذلك تواجه الشركات خطر عدم كفاية الوقت للتحضير للتغييرات التي ستؤثر بشكل كبير في أعمالها. على سبيل المثال، يمكن أن يستغرق تعديل سلاسل التوريد مدة تصل إلى تسعة أشهر أو أكثر وفقاً للقيود الداخلية والخارجية. وداخلياً، قد تضطر العديد من الأقسام في الشركات إلى التراجع عن إجراء مثل هذه التغييرات. أما خارجياً، فإنّ عملية العثور على موردين جدد والتوصل إلى تعاقدات جديدة قد تصبح مضيعة للوقت.

يعتبر الاعتماد على البيانات السابقة أمراً محفوفاً بالمخاطر أيضاً. فعلى سبيل المثال، تعتبر إحدى الشركات (التي نعمل معها وتورد تجهيزات للمطاعم في المملكة المتحدة) نفسها متضررة للغاية من تأثير "بريكست"، حيث يلاحظ عملاؤها بالفعل مزيداً من الحساسية لدى المستهلك على الأسعار، إضافة إلى مشاكل في توظيف مواطني الاتحاد الأوروبي وارتفاع تكاليف التشغيل. وبالنتيجة، تشعر الشركة بالضغط لنقل التكاليف إلى العملاء. والمفارقة أنّ كل ذلك يحدث قبل حتّى أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فإذا استخدم المورد بيانات مبيعاته لفترة 2016 - 2017، والتي سبق أن أظهرت زيادة الطلب على منتجاته نتيجة طفرة في السياحة في المملكة المتحدة، من أجل التنبؤ بالنتائج المستقبلية ووضع استراتيجية العام المقبل، قد يؤدّي ذلك إلى مبالغة في تقدير الأداء المستقبلي وسينتهي الأمر به أيضاً مع منتجات متكدسة في المستودعات وتكاليف مرتفعة وضغوط لتخفيض الأسعار بشكل كبير لنقل المنتج.

يمكن للتعقيد الذي يتّسم به "بريكست" أن يقود بسهولة إلى شلل في التحليل وشعور بأنّ أي تخطيط لن يفيد بشيء. وخلال ورشة العمل التي عقدناها، قال 14 من قادة الشركات التي تتعامل معنا: إنّ التحدي الأكبر الذي واجهوه في  التخطيط لـ"بريكست" كان المعلومات المتغيرة باستمرار.

غير أنّ الشركات قد تتأخّر في التحضير بشكل أفضل من منافسيها إذا اعتمدت مقاربة الانتظار والترقب. وقال سبعة من المشاركين في ورشتنا إنهم يقلقون من أن يقود "بريكست" إلى حرب أسعار مع منافسيهم بينما أعرب ستة عن القلق من أن يغيّر منافسوهم عروضهم من أجل تلبية حاجات العملاء بشكل أفضل، ما يقوّض أداءهم بشكل كامل وموقعهم في السوق. لذلك، فإنّه كلّما أسرعت الشركات في وضع خطة للتعامل مع "بريكست" كلّما أسرعت في التركيز على كيفية معالجة هذه الديناميكيات المنافسة.

كيف نخطط لـ"بريكست"؟

حينما يتعلّق الأمر بالتخطيط، لا يجدر بالشركات المتعددة الجنسيات أن تطبّق إصلاحات سريعة للتخفيف من المخاطر التشغيلية قصيرة المدى (على سبيل المثال، التحوط المالي لإدارة تقلبات أسعار الصرف، أو تقييم سريع للموزعين لتقييم سلاسل التوريد الخاصة بهم). بل تحتاج الشركات إلى مجموعة عمل تقيّم بشكل منتظم تأثيرات "بريكست" على المنافسة، وإلى خطة استراتيجية لأعمالها في المملكة المتحدة تكون مباشرة ومرنة وسهلة المتابعة. لذلك نوصي بعملية من 6 خطوات:

1- فهم مدى التعرض لتأثيرات "بريكست"

على الشركات أن تفهم أولاً التأثير الأولي لـ"بريكست" على أعمالها، وبالتحديد ما يخص الجوانب الرئيسية التي ستتأثر بذلك (سعر الصرف وسلسلة التوريد والمنافسة وديناميات الطلب والمواهب)، وسلسلة القيمة الخاصة بها (الموردون واللوجستيات والعملاء وأصحاب المصلحة). ومن المفترض أن يكون "بريكست" مصدر قلق رئيسي للشركات التي:

  • تعمل في تصدير المواد الخام أو السلع أو الخدمات الجاهزة من إيرلندا إلى المملكة المتحدة ومن المملكة المتحدة إلى إيرلندا، ومن المملكة المتحدة إلى غرب أوروبا، أو من غرب أوروبا إلى المملكة المتحدة.

  • لها وجود مباشر أو منشأة تصنيع في المملكة المتحدة.

  • لديها موظفين من الاتحاد الأوروبي كجزء من فريقها في المملكة المتحدة.

  • تستخدم الموزعين أنفسهم في المملكة المتحدة وغرب أوروبا.

  • تملك منتجات يجب أن تتوافق مع التنظيمات البريطانية أو تتناسب مع مواصفات خاصة.


2- تشكيل فريق استراتيجي لـ"بريكست"

بمجرّد أن تفهم الشركة الجوانب من أعمالها التي ستتعرّض لتأثيرات "بريكست"، تحتاج إلى تشكيل فريق مسؤول عن خطتها الاستراتيجية. وقليلة هي الشركات التي يمكنها أن تتحمل تخصيص موظفين بدوام كامل لذلك، ولكن يكفي وجود فريق عمل متعدد الوظائف يكون ذلك مشروعه الجانبي. يجب أن يمثّل هذا الفريق وظائف متنوعة داخل المؤسسة المعرضة لتأثيرات "بريكست": سلسلة التوريد، ومدراء القنوات، والإمداد، والتسويق، والمبيعات، والشؤون العامة، والحوكمة، والمراقبة المالية، وغيرها.

يجب على الأفراد في هذا الفريق متعدد الوظائف العمل معاً لإجراء تحليل شامل لتأثير "بريكست" المحتمل على الشركة. يجب أن تكون المجموعة مسؤولة عن مواءمة استراتيجية الشركة لجهة المجالات والقرارات ذات الأولوية، نظراً إلى كون أجزاء معينة من الشركة سوف تتأثر في وقت أقرب من غيرها.

يجب أن تسعى الشركة إلى جلب موظفين من أسواق أخرى لكي يطبقوا مهاراتهم وأفكارهم. في الواقع تشبه المملكة المتحدة في بيئة "بريكست" هذه، إلى حد ما، الأجواء التشغيلية الملتبسة في بعض الأسواق الناشئة. وبالتالي، يمكن للشركة البحث عن أفضل ممارساتها الخاصة بالأسواق الناشئة، حيث اعتادت فرقها على التقلبات السياسية والتنظيمية وتذبذب الطلب وعدم القدرة على التنبؤ.

3- فهم السيناريوهات المحتملة

بعد أن يفهم الفريق المختص لمواجهة "بريكست" التأثير الأوسع لـ"بريكست" على الشركة، يحتاج إلى البدء بالتخطيط لسيناريو التطورات المحتملة لمفاوضات الخروج والتوقعات الاقتصادية البريطانية. بعد ذلك، يجدر بالشركة أن تقرر أي سيناريوهات تعتقد أنها الأكثر ترجيحاً والأكثر خطورة على الشركة.

يشمل كل واحد من هذه السيناريوهات مثل عدم وجود صفقة "بريكست"، أو اتفاقية تجارة حرة، أو "بريكست" "أكثر نعومة"، حيث تحتفظ المملكة المتحدة بالعديد من فوائد البقاء في الاتحاد الأوروبي (محركات مختلفة تحدد التقدم في مفاوضات بريكست)، وكذلك إشارات إلى السيناريو الذي تتجه المملكة المتحدة نحوه. ومن المحركات: التزام حكومة المملكة المتحدة المستمر بالسيطرة على الهجرة، وشرط الاتحاد الأوروبي غير القابل للتفاوض وهو أنّ المملكة المتحدة لا تستطيع تقييد الهجرة والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على الوصول إلى السوق الواحدة (الحفاظ على أربعة من حريات الاتحاد الأوروبي: العمالة، ورأس المال، والسلع، والخدمات)، بالإضافة إلى حالة الاقتصاد البريطاني. أما الإشارات إلى السيناريو المحتمل فتشمل نتائج الاجتماعات الرئيسية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والمواعيد النهائية للتصويت في البرلمان الأوروبي بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والقرارات بشأن الحدود الإيرلندية البريطانية. وبالتالي، يمكن للشركة أن تحدد مدى احتمالية حدوث كل سيناريو والتأثير المقدر عليه.

4- إجراء تحليل شامل للأثر

بعد تحديد الجوانب الرئيسية التي ستتأثر بـ"بريكست" وتشكيل الفريق الاستراتيجي، يأتي دور تقييم طبيعة التأثير ومستواه وتوقيته على عمليات الشركة بالتفصيل. من شأن هذا التحليل أن يساعد الشركة على تحديد الأولويات للجوانب الأكثر عرضة للخطر والتي يجب معالجتها أولاً. وبالفعل، توصلت شركة دولية للسلع الاستهلاكية سريعة التداول (fast-moving consumer goods)، عملنا معها على خطتها لـ"بريكست" إلى أنّ سلسلة التوريد الخاصة بها هي الأكثر عرضة للتأثر، ما اضطرها لاتخاذ إجراءات مبكرة. فأعادت الشركة النظر في المستوى النمطي لقوائم الجرد، ومدة التخزين، وعملية حفظ منتجاتها. ومن المخاوف الأخرى التي اعتبرت أدنى من حيث الأولوية ويمكن معالجتها لاحقاً، كانت: توظيف مواطني الاتحاد الأوروبي أو الامتثال لمتطلبات التعبئة، فقد اعتبرت أقل أهمية، ولكن يجب معالجتها في المستقبل.

5- وضع نماذج للطلب والتكاليف بناء على "بريكست"

بينما يبحث تحليل التأثير لكل سيناريو عما سيحدث للشركة مع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فإنّ وضع نماذج لما سيحدث، يعني قياس كيفية تأثّر المبيعات والتكاليف بهذه السيناريوهات المختلفة. لذلك يجب على الشركات أن تحدد كيفية تطور مبيعاتها وتكاليفها في كل حالة أو سيناريو ودمجها في خططها الاستراتيجية الحالية. بعض السيناريوهات ستحمل تكاليف مختلفة من عمالة وحواجز جمركية وغير جمركية وتنظيمات. وفي جميع الأحوال، قد يواجه الموردون زيادات في التكاليف وينقلون بعضها إلى العملاء. على سبيل المثال، من المرجح أن ينخفض الجنيه من مستواه الحالي في حال توقيع صفقة من نوع اتفاقية التجارة الحرة، ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم وزيادة كلفة الواردات. لذلك سوف تسعى الشركات غريزياً إلى زيادة الأسعار لموازنة تكاليفها.

كذلك سوف يتغيّر الطلب وفقاً لكل سيناريو، لذلك تحتاج الشركات إلى نموذج وتقييم كيفية تأثير كل سيناريو على عروض منتجاتها الحالية في السوق. فمن المحتمل أن تتراجع أحجام المبيعات في جميع المجالات، بالتوازي مع الضعف المتوقع في اقتصاد المملكة المتحدة في ظل أي سيناريو من سيناريوهات الخروج، ولكن مستوى انخفاض المبيعات سيختلف لكل منتج. كما أنّ اختلاف التطورات الاقتصادية قد يغيّر أيضاً تفضيلات العملاء وحساسيتهم على الأسعار، ما سيجبر الشركات على إعادة التفكير في عملائها المستهدفين ومحفظة السلع. ولكن من الجدير الملاحظة بأنّ وضع نماذج للتكاليف المستقبلية والطلب باستخدام بيانات الاقتصاد وسجل المبيعات قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون بمثابة دليل وليس الجواب النهائي.

6- تقييم عروضكم للقيمة والتحرّك والمراقبة

قبل اتخاذ القرارات، يحتاج قادة الشركات أن يجيبوا على السؤال: كيف سيتطور عرض القيمة الخاص بهم على المدى الطويل لدعم استراتيجيتهم للسوق أثناء تكيفكم مع الاضطرابات التشغيلية الناجمة عن "بريكست"؟ وقد كشف عملاؤنا أنهم كانوا يزيدون تركيزهم على الابتكار لتعزيز قيمة عروض القيمة. فهم يسعون إلى تقديم قيمة مستمرة للعملاء من خلال المزيد من الخدمات والدعم الفني.

في الخلاصة، وبعد التفكير في التأثير الذي قد يحدثه كل سيناريو على شركتكم، بالإضافة إلى عرضكم للقيمة، أصبحت مؤسستكم في وضع يتيح لها البدء في اتخاذ قرارات بشأن الأسعار ومحفظة المنتجات وإدارة سلسلة التوريد وإدارة قنوات التسويق والبيع والأشخاص. إذاً، يجب على فريقكم الخاص بـ"بريكست" أن يراقب بانتظام المؤشرات الاقتصادية والأحداث الرئيسية التي تشير إلى مسار المفاوضات، لمعرفة ما إذا كانت خطتكم تسير على الطريق الصحيح أو تحتاج إلى تعديل.

سيفرض "بريكست" تحديات عديدة للشركات وسيتيح أيضاً بعض الفرص. لذلك فإنّ الشركة التي لديها خطة، ستكون قادرة بشكل أفضل ليس على حماية نفسها فحسب، بل على تحديد الفرص للمضي قدماً أيضاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!