تابعنا على لينكد إن

نحاول أن نتخيل دوماً، كأبوين لطفل يبلغ من عمره العامين ويسافران دائماً، مقدار العمل الذي يمكننا إنجازه عندما نسافر بالطائرة، إذ نكون وقتها بعيدين على هواتفنا وأصدقائنا وفيلم “البحث عن نيمو” (Finding Nemo). نسابق الزمن لإتمام كل الأمور المرتبطة بالسفر مثل إعداد الحقائب والمرور عبر بوابة إدارة أمن المطار وإجراء آخر اتصال مع العمل، وتوديع بعضنا، ثم الصعود إلى الطائرة. بعد ذلك، نجرب الحصول على تجربة العمل المذهلة في رحلة الطائرة، إلا أنها لا تحدث. ما يزيد الأمر سوءاً، هو اطلاعنا على بريدنا الإلكتروني وقراءة ذات الرسالة مرة بعد مرة من دون فائدة، حيث نهبط ونحن مرهقون جداً لدرجة عدم تمكّننا من الرد على الرسائل الإلكترونية المرسلة إلينا والتي باتت كثيرة جداً.

لماذا يستنزف الطيران طاقتنا طالما نجلس فقط من دون القيام بأي شيء؟ لم ليس في إمكاننا أن نكون أكثر تركيزاً ومرونة وعزماً في عملنا كي نتمكن من تحقيق كل الأهداف التي وضعناها لأنفسنا؟ أدركنا اعتماداً على الأبحاث الحالية أنّ المشكلة لا تكمن في جدول أعمال مزدحم أو السفر بالطائرة نفسها، بل تكمن في سوء فهمنا لما تعنيه مرونة الشخص والأثر الناتج عن الإرهاق.

غالباً ما نفهم المرونة والمثابرة بطريقة صارمة و”صعبة”. نتخيل أحد الجنود يخوض عبر الطين، أو ملاكم يُكمل جولة ملاكمة إضافية، أو لاعب كرة قدم يلعب دقائق أكثر من طاقته. نؤمن أنه كلما كنا أكثر صرامة وشدة في أدائنا، نكون أكثر نجاحاً. إلا أنّ هذا المفهوم بأكمله غير دقيق علمياً.

يؤدي نقص فترة التعافي واستعادة النشاط لدينا إلى تحجيم قدرتنا على الصمود والنجاح، حيث وجدت الأبحاث علاقة مباشرة بين نقص فترة استعادة النشاط وزيادة حدوث مشاكل تتعلق بالصحة والسلامة. كما يؤدي عدم القدرة على استعادة النشاط، سواء عن طريق عدم النوم المنتظم بسبب أفكار متعلقة بالعمل، أو بسبب الرغبة المعرفية الملحة للاطلاع على كل جديد باستخدام هواتفنا، إلى خسارة الشركات ما مقداره 62 مليار دولار سنوياً ناتجة عن خسارة الإنتاجية.

في نفس الوقت، لا يعني مجرد توقفنا عن العمل استعادة نشاطنا. صحيح أننا “نتوقف” عن العمل في بعض الأحيان بحلول الخامسة، إلا أننا نقضي بقية المساء نفكر في حلول لمشاكل العمل، ونتحدث عنه على العشاء، ونأوي إلى فرشانا وفي رأسنا ما علينا فعله غداً. وجد باحثون نروجيون في دراسة أنّ 7.8 في المئة من النرويجيين أصبحوا مدمني عمل. ويعرّف العلماء “مدمن العمل” على أنه “من يبالغ في القلق بشأن عمله، وتقوده دوافع عمل لا يمكنه السيطرة عليها، ويستثمر الكثير من الوقت والجهد في العمل على حساب مجالات الحياة الأخرى”.

نعتقد بدورنا أنّ عدد من ينطبق عليهم هذا التعريف من الأميركيين يشكل الغالبية، بما في ذلك أولئك الذين يقرؤون نشرة هارفارد بزنس ريفيو، الأمر الذي دفعنا إلى بدء الدراسة حول إدمان العمل في الولايات المتحدة. تستخدم دراستنا مجموعة بيانات خاصة بشركات كبرى تقدمها إحدى الشركات الطبية الرائدة لدراسة كيف تقوم التكنولوجيا بإطالة ساعات عملنا، بالتالي، تتداخل مع استعادة النشاطات المعرفية الضرورية والتي تُنتج ارتفاعاً هائلاً في تكاليف الرعاية الصحية وعوائد أقل لأصحاب العمل.

غالباً ما يُزرع الاعتقاد الخاطئ المتعلق بالمرونة في سن مبكرة، إذ يقوم الآباء والأمهات، لدى محاولتهم تعليم الأطفال المرونة، بالاحتفاء ببقاء ابنهم (طالب الثانوية) ساهراً حتى الثالثة صباحاً لإنهاء مشروع معرض العلوم. يعتبر هذا تشويها بالغاً لمفهوم المرونة، إذ أنه حتى الطفل المرن بحاجة إلى الراحة أيضاً. يذهب ذاك الطالب إلى المدرسة في اليوم التالي مرهقاً، بالتالي، يخاطر بحياة من حوله بسبب قيادته للسيارة وهو في حالة إرهاق، كما يفتقر القدرة الذهنية الكافية لأداء اختبار اللغة الإنجليزية بشكل جيد، ويتصرف مع أصدقائه بمزاجية عالية، وعندما يعود إلى المنزل، يكون مزاجه متقلب مع والديه. يعتبر كل من الإرهاق والإنهاك أعداء المرونة، وتلك العادات السيئة التي نتعلمها ونحن صغار تؤثر علينا بشدة عندما ندخل سوق العمل لاحقاً.

كتبت أريانا هافينغتون في كتابها “ثورة النوم” (The Sleep Revolution)، “إننا نضحي بنومنا باسم الإنتاجية، ولكن من المفارقات أنّ خسارتنا للنوم، على الرغم من الساعات الإضافية التي نقضيها في العمل، تضيف ما يصل إلى 11 يوماً من الإنتاجية المفقودة سنوياً لكل عامل، أي حوالي 2280 دولار”.

يكمن مفتاح المرونة الحقيقي في المحاولة الجاهدة، ثم التوقف، ثم استعادة النشاط، ثم المحاولة ثانية، وهي الخلاصة المستندة إلى علم الأحياء، حيث يمثل “التوازن” مفهوماً حيوياً أساسياً يصف قدرة الدماغ على الترميم والحفاظ على قدراته. صاغ عالم الأعصاب برنت فيرل، من جامعة تكساس “أيه أند أم” مصطلح “قيمة الاستتباب” لوصف القيمة التي تحتوي إجراءات معينة تعمل على خلق التوازن. بالتالي، راحة الجسم. عندما يكون الجسم خارج حالة التوازن بسبب الإرهاق، نضيّع مقداراً هائلاً من مواردنا العقلية والجسدية للعودة إلى حالة التوازن تلك قبل أن نتمكن من المضي قدماً.

كما كتب كل من جيم لوهر وطوني شوارتز، أنه إذا أمضيت الكثير من الوقت ضمن منطقة الأداء، عليك بقضاء وقت مماثل ضمن منطقة استعادة النشاط، وإلا ستنضب طاقتك. يتطلب حشد قدراتك من أجل “المحاولة الجاهدة” حرق طاقة للتغلب على مستوى الانتباه المنخفض لديك حالياً، وهو ما يدعى باسم “وضع القيود” والتي تُفاقم أيضاً الإرهاق. وهكذا، كلما فقدنا توازننا بسبب العمل الزائد، احتجنا لأنشطة نوعية، تسمح لنا بالعودة إلى حالة التوازن المطلوبة. وتتناسب قيمة فترة النقاهة طرداً مع حجم العمل المطلوب منا.

إذاً، كيف نستعيد ونبني قدرتنا على المرونة؟ يفترض معظم الناس أنه إذا توقفوا عن القيام بأمور مهمة مثل الرد على رسائل البريد الإلكتروني أو كتابة تقرير، سيتعافى الدماغ بشكل طبيعي، أي أنه مثلاً عندما تبدأ من جديد في وقت لاحق من نفس اليوم أو في صباح اليوم التالي، سيكون لديك ما يكفي من طاقة ثانية. لكن جميع القراء هنا قد مروا بتلك الأوقات السيئة عندما تستلقي في السرير لساعات من دون القدرة على النوم لأن عقلك يفكر في العمل. إذا كنت تستلقي في السرير لفترة 8 ساعات، ربما ستستريح، لكن الشعور بالإرهاق سيلازمك في اليوم التالي. ذلك لأن الراحة واستعادة النشاط ليسا الشيء نفسه، والتوقف لا يعني استعادة النشاط.

إذا كنت تحاول بناء المرونة في العمل، ستحتاج إلى فترات استعادة نشاط كافية داخلياً وخارجياً. أجرى الباحثون زيجلسترا وكروبلي وريدستدت بحثاً في العام 2014 جاء فيه: “يشير مصطلح استعادة النشاط داخلياً إلى فترات راحة أقصر تتم ضمن إطار يوم العمل أو داخل العمل نفسه في شكل فواصل قصيرة مجدولة أو غير مجدولة، وذلك عبر تحويل الانتباه أو الانتقال لمهام عمل أخرى عندما تنضب الموارد العقلية أو البدنية اللازمة لإنجاز المهمة الأولية أو تُستنزف تلك الموارد مؤقتاً. يشير الانتعاش الخارجي بدوره إلى إجراءات تتم خارج العمل مثل تلك التي تتم في وقت الفراغ بين أيام العمل أو عطلة نهاية الأسبوع أو الأعياد أو الإجازات”. إذا كنت تقضي فترة ما بعد العمل مستلقياً على سريرك تقرأ أخباراً سياسية على هاتفك، أو تفكر بكيفية ترميم منزلك، لن يكون دماغك قادراً على الحصول على الاستراحة من كل ما يخوضه. تحتاج أدمغتنا إلى الراحة حالها حال أجسامنا.

إذا كنت تريد حقاً بناء مرونتك، يمكنك البدء من خلال التوقف الاستراتيجي. أعطي نفسك الموارد لتكون مثابراً من خلال خلق فترات استعادة نشاط داخلية وخارجية. وصفت إيمي بلانكسون في كتابها “مستقبل السعادة” (The Future of Happiness) المعتمد على عملها في كلية ييل للأعمال، كيف يمكنك التوقف استراتيجياً خلال النهار باستخدام تكنولوجيا السيطرة على الإرهاق، إذ تقترح تحميل تطبيقات مثل إنستانت (Instant) أو مومينت (Moment) لرؤية عدد المرات التي نظرت فيها إلى هاتفك كل يوم. يقوم الشخص بالمتوسط بالاطلاع على هاتفه 150 مرة يومياً. إذا استغرقت كل مرة دقيقة واحدة (وهو ما سيكون توقعاً متفائلاً للغاية)، سيؤدي ذلك إلى خسارتنا 2.5 ساعة يومياً.

يمكنك استخدام تطبيقات مثل تطبيق أوفتايم (Offtime) أو أنبلوغد (Unplugged) من أجل إنشاء فترات خالية من التكنولوجيا مجدولة بشكل استراتيجي. إضافة إلى ذلك، يمكنك أخذ استراحة إدراكية كل 90 دقيقة لإعادة شحن طاقتك. حاول ألا تتناول الغداء في مكتبك، واقض وقتك في الخارج أو مع أصدقائك من دون التحدث عن العمل. خذ كل أيام إجازتك المدفوعة والتي لن تعيد إليك نشاطك فحسب، بل سترفع إنتاجيتك واحتمالات حصولك على ترقية.

أما بالنسبة لنا، فقد بدأنا باستخدام الوقت الخاص برحلات طيراننا لتكون منطقة خالية من العمل، بالتالي، استعادة نشاطاتنا، وكانت النتائج أكثر من رائعة. عادة ما نتعب بالفعل بحلول الوقت الذي نصعد فيه تلك الطائرة، حيث تكون المساحة ضيقة والاتصال بالإنترنت متقطعاً وهو ما يجعل العمل أكثر صعوبة. أما الآن، فبدلاً من السباحة ضد التيار، نحاول الاسترخاء أو التأمل أو النوم أو مشاهدة الأفلام، أو قراءة المجلات، أو الاستماع إلى إذاعة مسلية. عندما نهبط من الطائرة، بدلاً من الشعور بالإرهاق، نشعر باستعادة النشاط والقدرة على العودة إلى العمل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz