تابعنا على لينكد إن

من الجيد أن يكون المرء مستهلكاً في هذا الزمن. فقد قلبت نماذج العمل الرقمية العلاقة بين المستهلك والعلامة التجارية رأساً على عقب؛ فلم يعد المستهلكون بحاجة لأن يقوموا بأنفسهم بالبحث بين المنتجات والشركات المختلفة لإيجاد ما يصبون إليه، بل باتت العلامات التجارية هي التي تأتي إليهم، وبات أمام المستهلكين خيارات وقنوات كثيرة ومتنوعة لتلبية احتياجاتهم أكثر من أي وقت مضى.

ومع ذلك، هنالك دائماً جانب سلبي للقضية؛ فهذا الاقتصاد الرقمي الذي يبدو بلا حدود ولا نهايات قد جلب معه شعوراً بالانكشاف المبالغ فيه. ومع أنّ أحداً لا يرغب في الشعور بأنه مراقب، إلا أننا ومع استمرار التكنولوجيا بالتطور والنضوج وجدنا أنفسنا محاطين بماكينات تسويقية فاقت في قربها من خصوصياتنا ما يمكن أن يقبل به أي أحد.

إنّ قوة التكنولوجيا الرقمية هائلة لدرجة أنّ العلامات التجارية بدأت بإساءة استخدامها، الأمر الذي استجلب معه تقويض الثقة التي كانت يوماً قائمة بين الشركات والزبائن.

على مدار العقد الماضي، راكمت الشركات أكواماً من التكنولوجيات التسويقية لجمع البيانات وتنظيمها على أمل استهداف الزبائن بشكل أكثر فعالية. وانطلاقاً مما تعد به تلك التكنولوجيات من ضمان ولاء الزبائن وزيادة الإيرادات، لم يتأخر المسؤولون عن التسويق في البدء باستخدام البيانات الشخصية الخاصة للزبائن من دون معرفتهم ولا موافقتهم. والأخطر من ذلك أنّ ممارسة شراء البيانات من جهات وسيطة ثالثة قد بات اليوم هو السائد، الأمر الذي أدى إلى توفر بيانات الزبائن على نحو مبالغ فيه وغير مستحق من قبل الشركات، ما أطلق بدوره آلية مظلمة من تسييل الحياة الرقمية للمستهلكين وتحويلها إلى قيمة نقدية، وهو ما أدى ببساطة إلى نتائج عكسية بالنسبة للشركات التي لجأت إلى تلك الممارسات.  

وكنتيجة لإساءة استخدام تلك البيانات، شرعت العلامات التجارية تمطر المستهلكين بعروض ورسائل لم تكن في الحقيقة مناسبة لاحتياجاتهم. وعوضاً من أن تكون صادقة مع الأشخاص الذين تحاول الوصول إليهم فتكسب ثقتهم وولاءهم، بدأت العلامات التجارية تبتعد عنهم وتنفّرهم.

وتؤكد البحوث على أنّ حوالي نصف المستهلكين يفيدون بأنهم قد ابتعدوا عن صفحة إحدى الشركات وتوجهوا للشراء من شركة أخرى، لأن تلك الشركة أساءت خدمتهم. وعلاوة على ذلك أظهرت البحوث أنّ 73% من المستهلكين يشعرون بأنهم لم يلقوا معاملة شخصية تناسب احتياجاتهم الخاصة والفريدة.  

إنها حالة إشكالية: فالمستهلكون يرغبون في تلقي عروض مفصلة على مقاس سلوكهم الماضي واحتياجاتهم المستقبلية الخاصة؛ إلا أنه يتعين على الشركات، إذا ما أرادت التعامل مع المستهلكين على هذه السوية من الشخصية والخصوصية، أن تجمع كماً كبيراً من بياناتهم الشخصية، هم غير راغبين في أن تستخدم جميعها، ويصرون على أن تستخدم بطريقة لا تثير مخاوفهم.

فما هي الطريقة المناسبة للتعامل مع هذا الوضع المقعد؟

من شأن العروض المفصلة على مقاس الحاجات الشخصية الخاصة، إذا ما صممت بشكل صحيح، أن تحقق إيرادات حقيقية. لقد وجد بحث أجرته شركة ماكنزي أنّ تصميم العروض على مقاس الحاجات الخاصة يمكن أن يحقق خمسة إلى ثمانية أضعاف العائد على الاستثمار في مجال التسويق ويزيد المبيعات بنسبة 10% أو أكثر. ولا شك في أنّ استثمار الشركات في تحسين التواصل مع زبائنهم سيؤتي ثماره بكل تأكيد.   

ولإقامة علاقة تمتاز بقدر أكبر من الثقة مع الزبائن، يتعين على المؤسسات البدء بالتخلص من جميع العمليات الداخلية الهادفة إلى الحصول على بيانات عبر أطراف ثالثة. ويتعين عليها ألا تستخدم إلا البيانات التي حصلت عليها بموجب موافقة صريحة من الزبائن. حتى الآن، كان المستهلك الوسطي لا يدرك في الغالب أنه عندما “يضغط على مفتاح تشغيل ملفات تعريف الارتباط”، إنما يوافق على مشاركة بياناته ومعلوماته الخاصة مع العشرات – وفي بعض الأحيان المئات – من الشركاء المرتبطين به. لكن ذلك قد تغير اليوم.

ومن الآن فصاعداً، سيطلب المستهلكون شفافية تامة حول مدى تسييل بياناتهم الخاصة، وسيحصلون على تلك الشفافية؛ إذ لا بدّ من ذلك اعتماداً على بحث حديث أظهر أن 79% من المستهلكين سيقاطعون أية علامة تجارية تستخدم بياناتهم الخاصة من دون علمهم. ومع تطبيق قوانين تشريعات الاتحاد الأوروبي العامة لحماية البيانات على نطاق واسع في جميع القطاعات، باتت الشركات ملزمة بإعادة تقييم ممارساتها المرتبطة بالبيانات، والإعلان عنها بوضوح وشفافية أمام الزبائن، والوفاء بوعودها؛ الأمر الذي يجعلها تخرج من هذه العملية أقوى وأقدر على المنافسة مما سبق.

كما إن تطبيق تشريعات الاتحاد الأوروبي لحماية البيانات إلى جانب قوانين خصوصية أكثر حزماً، سيعني أنّ على المسوقين تقديم الحوافز للمستهلكين لكي يقبلوا بمشاركة بياناتهم. انظر إلى أفضل الممارسات:

  • وضّح المزايا التي سيحصل عليها الزبائن. وقد تشمل تلك المزايا تقديم عروض أكثر ملاءمة لشخص الزبون، وجوائز حصرية، وسماح بالدخول إلى أدوات صناعة القرار التي من شأنها تسهيل الحياة. وتمثل شركة نتفليكس مثالاً رائعاً على ذلك؛ فمن دون السماح للشركة بالدخول إلى بياناتهم الخاصة لا يستطيع الزبائن الاستفادة من محرك نتفليكس الفعال لتقديم التوصيات، والذي يعد وسيلة فعالة في أيدي المستهلكين لاكتشاف المحتويات الجديدة التي تتطابق إلى حد بعيد مع اهتماماتهم الخاصة.
  • امنح زبائنك تحكماً تاماً بأنماط البيانات التي يرغبون في مشاركتها. هنالك بالطبع بعض أنماط البيانات التي تعد حساسة أكثر من سواها. فقد يقبل أحد الزبائن بمشاركة اسمه وتاريخ مولده من دون أن يرغب في مشاركة عنوانه أو رقم جواله. ولذلك، فإنّ منح الزبائن التحكم التام والشفافية الكاملة حول إتاحة أو حجب أنماط بياناتهم الخاصة المختلفة سيجعلهم على استعداد أكبر للقبول بمشاركة بعض تلك البيانات بالحد الأدنى.
  • وفر الأدوات التي تسمح للزبائن بسهولة ووضوح أن يعدلوا إعدادات الخصوصية. وللقيام بذلك يتعين على المؤسسات التفكير في إقامة مركز خصوصية رقمي، يسهل على الزبائن فهم الخيارات المتاحة أمامهم فيما يرتبط ببياناتهم وإدارة تلك الخيارات، ومن ضمن ذلك القدرة على التحديد الدقيق للجهات داخل المؤسسة التي تمتلك حق الدخول إلى تلك البيانات. علاوة على ذلك، من الضروري أن يسمح المركز لكل زبون بتنزيل إعدادات بياناته الخاصة، الأمر الذي يتيح له أن يعرف بنظرة واحدة وبالضبط ما هي البيانات المتاحة لأي جهة وفي أي وقت.

أما الخطوة الأخيرة فتتمثل في الحفاظ على الاستمرارية. إذ أنّ موافقة الزبون الأولية على مشاركة بياناته شيء، وشعوره بالتحفيز للاستمرار بمشاركة بياناته في الأوقات اللاحقة شيء آخر. وبمقدور المسوقين الحفاظ على علاقة طيبة وقوية مع الزبائن من خلال الالتزام بسياسات الخصوصية والحفاظ على التواصل المستمر والرفيع معهم. ومن شأن التكنولوجيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي أن تساعد في ذلك من خلال إنشاء لوحة واحدة لكل زبون تظهر سلوكهه فيما مضى، واتصالاته السابقة مع العلامة التجارية. وباعتقادي أنّ المستهلكين سيحصرون ولاءهم باضطراد بالمؤسسات والعلامات التجارية التي تساعدهم على تحقيق أهدافهم اليومية. كما إنهم سيستثمرون وقتهم ومالهم في تعزيز علاقتهم وتعميقها مع عدد قليل من العلامات التجارية.

لقد بدّل العصر الرقمي بشكل جوهري التصورات التي تحكم خيارات الأشخاص في مزاولة أعمالهم وعلاقاتهم بالشركات. ومتى خسرت الشركات ثقة الزبائن، يغدو من المستحيل تقريباً إعادة بناء علاقة صادقة ومستدامة معهم.

وكمسوقين يتعين علينا أن ندرك أنّ الأناس الحقيقيين إنما يشترون من أناس حقيقيين مثلهم. ولهذا السبب تعد الأصالة والموثوقية بالنسبة للرسائل التسويقية من السمات بالغة الأهمية، وبخاصة في هذا العصر الرقمي. ولعل الشفافية والرضا والثقة هي من أهم مفاتيح بناء علاقة متينة وطويلة الأمد بين الشركات والزبائن.

ومع اعتماد الصناعة بشكل مضطرد على البيانات، بات على المسوقين تفادي التوجه وفق نهج علمي مبالغ فيه نحو تحقيق نتائج إلزامية عامة لا تأخذ بالحسبان عامل الخصوصية؛ بل يتعين علينا استخدام البيانات لتعزيز علاقاتنا مع الزبائن والمساعدة في توجيههم لاكتشاف أهدافهم الخاصة بأنفسهم. دعونا نعمل لتحسين حياة الزبائن لا التلاعب بهم لتحقيق مكاسب آنية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تسويق

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz