facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger
برعايةImage

قلما تجد شركة ناشئة في قطاع التقنيات التكنولوجية تنطلق بسرعة شركة "بايت دانس" (ByteDance) ومقرها في بكين، ومالكة منصة الفيديوهات القصيرة ذائعة الصيت التي لا تتجاوز مدتها 15 ثانية المعروفة باسم "تيك توك" (TikTok). ففي غضون عامين فقط من ظهوره، استطاع تطبيق "تيك توك" منافسة شركات من طراز نتفليكس ويوتيوب وسناب شات وفيسبوك بتحميله أكثر من مليار مرة في 150 سوقاً عالمية وبخمس وسبعين لغة. يدعم التطبيق رفع مقاطع فيديو مصورة منزلياً تستعرض كل ما يخطر على البال، من كوميديا إلى المجاراة الحركية للمقاطع الصوتية ونصائح العناية بالكلاب، التي يبدعها المستخدمون ويشاركونها على هواتفهم. ومن هنا جذب محتوى التطبيق العفوي غير المترابط والسريع أهواء الجماهير الشابة من مختلف بلدان العالم.

أقوى عرض للاشتراك خلال العام بمناسبة اليوم الوطني السعودي: اشتراك سنوي بقيمة 169 ريال/درهم ينتهي العرض 24 سبتمبر.

ولأن التطبيق لا يحتاج إلى كثير من الترجمة، فقد نجح تيك توك في التفوق على غيره من التطبيقات الصينية، مثل تطبيق المراسلات، "وي تشات" (WeChat)، الصادر عن شركة "تينسنت" (Tencent) الذي يكتسح السوق الصينية، ولكن استخدامه في الخارج يقتصر تقريباً على أبناء الجاليات الصينية للتواصل مع ذويهم في الوطن. وبهذا أثبت لنا رواد الأعمال الصينيون من أمثال جان يمينغ، مؤسس شركة بايت دانس أن بإمكانهم النجاح في السوق العالمية المفتوحة للمنافسة، وليس في الصين فقط، حيث برنامج جدار الحماية العظيم (Great Firewall) الذي ينظم عملية رقابة الإنترنت ويحجب الوصول إلى العديد من مواقع التواصل الاجتماعي الأميركية. وقد تشكل استراتيجية جان يمينغ في إعداد نسختين مزدوجتين من تطبيق تيك توك – واحدة لسوق الإنترنت الصيني الخاضع للرقابة وواحدة لباقي دول العالم – نموذجاً جديداً لشركات المحتوى الرقمي التي تستهدف الوصول إلى العالمية على نطاق كهذا، بما فيها الشركات الرقمية الناشئة التي يقع مقرها في الصين وتتطلع إلى العالمية، كما أن قصتهم قد تحمل دروساً مستفادة للشركات الأميركية التي شهدت محاولات مشابهة داخل الصين وواجهت عراقيل خطيرة.

كان تشانغ – المهندس السابق في مايكروسوفت ورائد الأعمال الصيني المتسلسل – يحلم منذ البداية بإنشاء شركة عابرة للحدود. ويعتبر تشانغ، البالغ من العمر 36 عاماً، أحد أفراد الجيل الجديد من رواد التقنيات التكنولوجية الصينيين ذوي الرؤى العالمية الذين استلهموا النجاح المبكر لرواد التكنولوجيا الصينيين في أواخر التسعينيات من أمثال روبن لي، مؤسس موقع "بايدو"، وجاك ما، مؤسس شركة "علي بابا"، وبوني ما هواتنغ (بوني ما)، مؤسس شركة "تينسنت". تقدر قيمة شركة بايت دانس بـ 78 مليار دولار – لتدخل نادي الشركات أحادية القرن (اليونيكورن) الصينية البالغ عددها 86 شركة عام 2018. وتتنوع شبكة داعميها ما بين شركة "سيكويا كابيتال الصين" (Sequoia Capital China) إحدى كبرى شركات رأس المال المغامر  (أو شركات رأس المال الجريء) في العالم، و"مجموعة سوفت بنك" (Softbank Group) اليابانية المتخصصة في قطاع التكنولوجيا، وشركة الاستثمار العالمية الأميركية "كيه كيه آر" (KKR)، وشركة الاستثمار الصينية "هيل هاوس كابيتال" (Hillhouse Capital)، ووحدة المشاريع المشتركة "سيغ آسيا" (SIG Asia). وبوصفها شركة ناشئة متخصصة في المحتوى الرقمي ممولة من القطاع الخاص وتأسست على يد رائد أعمال متمرّس في مجال التكنولوجيا، تمتلك بايت دانس علاقة مختلفة مع الحكومة الصينية التي تفرض قبضتها على المجموعات المملوكة للدولة. إلا أن طموحات بايت دانس للتوسع العالمي قد تصطدم بصخرة انعدام الثقة والعجز عن تدقيق سجلاتها، بحكم وجود مقرها في الصين، خاصة في ظل المخاوف الأمنية التي أحاطت بعملاق الاتصالات الصيني، هواوي، قبيل استعدادها لإطلاق الجيل الخامس من شبكات الاتصالات فائقة السرعة على المستوى الدولي.

في أغسطس/ آب 2012، وبعد خمسة أشهر من تأسيس بايت دانس، أطلق تشانغ تطبيقه الأول للهواتف (Toutiao) أي "أهم أخبار اليوم"، وهو تطبيق يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي ويقدم محتوى إخبارياً بصفة يومية بما تناسب مع الاهتمامات الشخصية لكل مستخدم. وفي عام 2016، أضاف تشانغ إلى خط إنتاجه في السوق الصينية تطبيق "دوين" (Douyin) لمشاركة مقاطع الفيديو، ومن ثم طوَّر تطبيقاً مماثلاً له في الخارج، أطلق عليه تيك توك عام 2017. وفي العام ذاته، دفعت بايت دانس ما يقدر بنحو 900 مليون دولار للاستحواذ على "ميوزكلي" (Musical.ly)، وهو تطبيق لمشاركة مقاطع الفيديو الاجتماعية يقع مقره في شنغهاي ويضم أكثر من 200 مليون مستخدم حول العالم وعدد كبير من المتابعين في الولايات المتحدة. جمعت الصفقة بين مدخلات الذكاء الاصطناعي لتطبيق تيك توك وسجل نجاحاته من جهة ومنتجات ميوزكلي المبتكرة وفهمه لاحتياجات المستخدمين في الغرب وأذواقهم من جهة أخرى.

بعد دمج بايت دانس لتطبيق ميوزكلي ذي السنوات الأربع ضمن منصة تيك توك وتوحيد علامته التجارية مع العلامة التجارية لتطبيق تيك توك في أغسطس/ آب 2018، سرعان ما اكتسب التطبيق المدمج حوالي 30 مليون مستخدم جديد خلال ثلاثة أشهر. يشار إلى أن التطبيق يصنع المال من خلال الإعلانات ومن بيع السلع الافتراضية، مثل الوجوه التعبيرية والملصقات للمتابعين. وقد تعزز نجاح التطبيق بفضل وجود واجهة سهلة الاستخدام تعرض مواد إخبارية وترفيهية يمكن الوصول إليها بنقرة واحدة، ومزودة بتقنية ذكاء اصطناعي عالية التعقيد للتوفيق بين المستخدمين ذوي الميول المتشابهة بأعلى درجات الدقة بدلاً من اقتراح محتوى معين استناداً إلى سجل مشاهداتهم و"إعجاباتهم". ومن هنا حقق المحتوى المعد في المنازل انتشاراً واسعاً، خاصة بين سكان الأرياف والمناطق الفقيرة في الصين والهند وغيرهما من الأسواق النامية التي يصعب الوصول فيها إلى خيارات ترفيهية رقمية أخرى. اكتسب تطبيق بايت دانس الجديد شهرة واسعة في مدن الصين الصغيرة وقراها، التي تهيمن عليها وسائل الإعلام المملة المملوكة للدولة.

استفاد تشانغ أيضاً من رغبة الصين في وضع الذكاء الاصطناعي على رأس أولوياتها في السباق العالمي للسيطرة التكنولوجية، حيث يشير إلى أن رسالته هي "الجمع بين قوة الذكاء الاصطناعي وتطور إنترنت الهواتف الجوالة من أجل إحداث ثورة في طريقة استهلاك الناس للمعلومات وتلقيها".

كتبت كوني تشان، مسؤولة رأس المال المغامر بشركة آندرسن هورويتز بسان فرانسيسكو، في مدونتها أن التطبيقات المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في بايت دانس قطعت أشواطاً لم تُقطَع بعد في الغرب. يستخدم تيك توك خوارزميات التطبيقات الإلكترونية، ليحدد أي مقاطع الفيديو تصلح للعرض على المستخدمين بمختلف نوعياتهم، ويقدم مقترحات بكل ما يظهر على واجهات تطبيقاتهم، ويتعرف على تفضيلاتهم كلما أكثروا استخدامه. هذا المنهج يختلف عن أسلوب فيسبوك ونتفليكس وسبوتيفاي ويوتيوب التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لاقتراح منشورات عوضاً عن إرسال المادة مباشرة إلى المستخدمين، كما أوضحت.

لا تدخر الشركة وسعاً في البحث عن اتجاهات المحتوى العالمي من مكتبها في لوس أنجلوس. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، تهافتت بايت دانس على شراء تطبيق "فليباغرام" (Flipagram) الذي أُعد في لوس أنجلوس بغرض تحويل الصور إلى مقاطع فيديو مصحوبة بمقاطع صوتية، كما استثمرت 50 مليون دولار في تطبيق "لايف مي" (Live.me) المُعد أيضاً في لوس أنجلوس بغرض البث المباشر والذي تمتلك شركة "تشيتا موبايل" (Cheetah Mobile) الصينية المتخصصة في تطوير تطبيقات الهواتف حصة الأغلبية فيه. علاوة على ذلك، فقد استحوذت بايت دانس على تطبيق "نيوز ريبابليك" (News Republic) المتخصص في تغطية الأخبار العالمية ومقره فرنسا بعد شرائه أيضاً من تشيتا موبايل مقابل 86.6 مليون دولار. هذا وحاولت بايت دانس شراء حصة الأغلبية في المجتمع الإخباري الأميركي على الإنترنت المعروف باسم "ريديت" (Reddit)، من شركة "سي نيوهاوسز آدفانس بابليكيشنز" (Si Newhouse’s Advance Publications) إلا أنها خسرت هذه الصفقة أمام شركة تينسنت التي استطاعت إنهاء الصفقة لصالحها باستثمار مشترك بقيمة 300 مليون دولار في مطلع 2019.

يواجه فيسبوك منافساً عالمياً شرساً مقبلاً من الصين ممثلاً في تيك توك. ففي عام 2018، احتل تيك توك المركز الرابع على مستوى العالم للتطبيقات الأكثر تحميلاً من فئة التطبيقات غير المتخصصة في الألعاب، وبذلك يأتي بعد الفيسبوك مباشرة بمعدل تحميل 663 مليون مرة، بينما يبلغ معدل تحميل الفيسبوك 711 مليون مرة بتطبيقاته ذات الصلة من واتساب وماسنجر، وفق بيانات شركة "سنسور تاور" (SensorTower). جاء أحد أسباب تحليق تيك توك عالياً دخوله السوق الهندية ذات القاعدة السكانية الشابة المتمرسة في الهواتف الجوالة، إذ يشكل الهنود قرابة ربع عدد تحميلات تيك توك. في الربع الأول من 2019 زاد عدد تحميلات تيك توك 188 مليون مرة ليتفوق بذلك على فيسبوك وعدد تحميلاته 176 مليون مرة، ويلاحق الواتساب (224 مليون مرة) والماسنجر (209 مليون مرة).

في أواخر 2018 طرحت فيسبوك نسختها الخاصة من برامج إعداد مقاطع الفيديو القصيرة باسم "لاسو" (Lasso)، الذي يعتبر ضربة قوية لتيك توك، فهو يستهدف المراهقين، ولا يمكن الدخول عليه إلا عن طريق فيسبوك أو إنستغرام، ويقتصر استخدامه في الوقت الحالي على الولايات المتحدة فقط. بلغ عدد تحميلات لاسو بين الأميركيين 70,000 مرة في أربعة أشهر منذ طرحه في نوفمبر/تشرين الثاني، مقارنة بحوالي 40 مليون مستخدم لتطبيق تيك توك في المدة ذاتها، وفقاً لشركة سنسور تاور المتخصصة في تحليل التطبيقات.

من جهة أخرى، تسبب صعود تيك توك في سلسلة من المشكلات التنظيمية، فقد فرضت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية غرامة بقيمة 5.7 مليون دولار على تيك توك لعدم أخذها موافقة الآباء قبل جمع الأسماء، وعناوين البريد الإلكتروني، والمعلومات الشخصية الخاصة بالأطفال دون السن الثالثة عشرة. وأصدر المشرعون في الهند قراراً بحظر تحميل التطبيق لمدة وجيزة في أبريل/نيسان الماضي على منصتي آبل وأندرويد لتشجيعه الانحلال الأخلاقي بين الشباب، ورُفع الحظر بعد بضعة أسابيع، إذ نجح محامو بايت دانس في تأكيد حجب التطبيق للمحتويات المشينة ومنعه لفيديوهات العري ومواصلته تحديثه برمجياته لتحديد المقاطع المزعجة وإعداد توصيات بتقديم محتوى مناسب لكل شخص.

على الرغم من التحديات التنظيمية وغيرها، تواصل شركة بايت دانس بناء امبراطورية من التطبيقات لجيل جديد، متحدية بذلك الحدود المرسومة حول المحتوى الرقمي التقليدي. وإذا تمكّنت الشركة من الاستمرار في تحقيق رسالتها بأن تصبح شركة عابرة للحدود باستخدام تقنيات من شأنها أن تغير قواعد اللعبة، فقد تؤدي إلى ظهور شركات أخرى تنتهج النهج ذاته وتؤثر في غيرها من مطوري التقنيات التكنولوجية بالأسواق النامية وتشجعهم على دخول حلبة المغامرة أيضاً. سيؤدي هذا التوجه الجديد في النهاية إلى توسيع نطاق الابتكارات الرقمية العالمية بما يعود بالنفع على المستهلكين وقطاع الأعمال.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!