بحث: لماذا نتخذ قرارات أفضل عندما نستخدم الورقة والقلم بدلاً من الأجهزة الرقمية؟

4 دقائق
استخدام الورق
ماستر1305/غيتي إميدجيز
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخصمع شيوع الرقمنة، أصبحت القرارات التي تُتخذ باستخدام الأجهزة الرقمية في تزايد مقارنة بالقرارات التي كانت تتخذ باستخدام الورق. وللتأكيد، فإن لهذا الاتجاه فوائد كثيرة — ولكن الدراسات الحديثة التي أجرتها كاتبتا هذا المقال تشير إلى أنه قد يجعلُ الأشخاص يأخذون قرارات أقل صواباً. وعلى وجه التحديد، وجدت سلسلة من الدراسات التي ضمت مشاركين عبر الولايات المتحدة والصين أن احتمالية أخذ قرارات صائبة أو مسؤولة تقلّ لدى الأشخاص عند استخدامهم وسائل رقمية كالأجهزة اللوحية بدلاً من الوسائل الورقية كالاستمارات أو قوائم الطعام أو أي أداة أخرى تساعد على صناعة القرار. يعود سبب ذلك إلى أن استخدام الورق يجعل القرار يبدو واقعياً أكثر، وبالتالي أكثر تمثيلاً لهوية صانع القرار، فتزيد فرص اتخاذ قرارات صائبة في نهاية المطاف. بطبيعة الحال، لا يناسب استخدام الورق جميع الحالات، ولكن هذا البحث يشير إلى أنه في بعض المواقف على الأقل قد يكون طريقة فعالة لتحفيز الموظفين أو العملاء أو أفراد المجتمع الآخرين على اتخاذ قرارات صائبة.

فمن طلب الطعام إلى شراء كتاب جديد إلى القيام بالتبرع للجمعيات الخيرية، أصبحت القرارات التي تتخذ باستخدام الأجهزة الرقمية كالأجهزة اللوحية والهواتف وأجهزة الكمبيوتر في تزايد مقارنة بالقرارات التي كانت تتخذ باستخدام الورق. ولهذا الاتجاه نحو الرقمنة مزايا كثيرة عندما يتعلق الأمر بالكفاءة والاستدامة على وجه الخصوص — ولكن هل يمكن أن يؤثر سلباً في كيفية اتخاذنا للقرارات؟

أجرينا سلسة من الدراسات ضمّت أكثر من 2,500 مشارك عبر الولايات المتحدة والصين من أجل استكشاف مدى تأثير الوسيلة التي يستخدمها الأشخاص على صنع قراراتهم، وركزنا على القرارات التي لها جوانب أخلاقية، كالتبرع للجمعيات الخيرية أو اختيار طبق رئيسي صحيّ في أحد المطاعم، إذ طلبنا من المشاركين اتخاذ قرارات متنوعة كهذه باستخدام استمارات ورقية أو أجهزة لوحية، وعلى الرغم من ضبط باقي المتغيرات في التجربة، وجدنا باستمرار أن قرارات مستخدمي الوسائل الورقية كانت أكثر صواباً مقارنة بتلك التي اتخذها مستخدمو الأجهزة الرقمية. على سبيل المثال، لاحظنا أن الأشخاص الذين قرؤوا خياراتهم على وسائل ورقية كانوا أميل إلى التبرع للجمعيات الخيرية واختيار الأطباق الرئيسية الصحية وتفضيل الكتب التعليمية على الكتب المسلّية.

عندما يبدو لنا القرار واقعياً أكثر، نتصرّف بطريقة أكثر صواباً

ما السبب وراء ذلك؟ تشير دراساتنا إلى أن الآلية الأساسية التي تدفع هذا التأثير هي الشعور بمدى “واقعية” القرار. إذ وفي اثنتين من دراساتنا، طلبنا من المشاركين وصف مدى شعورهم بواقعية القرار أو ملموسيّته، بالإضافة إلى مدى اعتبارهم أن قرارهم يمثّل هويتهم، فأشاروا باستمرار إلى أن اتخاذ قرار ما باستخدام وسائل ورقية يبدو أكثر واقعية وتمثيلاً لهويتهم مقارنة باتخاذهم القرار ذاته عبر وسائل رقمية. كما أكدت تحاليل المتابعة أنه عندما بدا القرار أكثر واقعية للمشاركين، كانوا أميل إلى الشعور بأن هذا القرار يمثل هويتهم، وبالتالي دفعهم غالباً إلى تبني خيارات صائبة أو مسؤولة في نهاية المطاف.

ومن المثير للاهتمام أننا لم نرَ هذه الظاهرة عندما اتخذ المشاركون قراراً عن شخص آخر. إذ في تجربة أخرى، طلبنا من المشاركين اختيار طبق رئيسي سواء لأنفسهم أو لصديق ما عبر كلا الوسيلتين: الورقية والرقمية. عند اختيارهم لأنفسهم، كان المشاركون أميل لاختيار خيار صحي عند استخدامهم لوسيلة ورقية مقارنة بالأداة الرقمية، أما عند اختيارهم وجبة لصديق ما، فلم تؤثر الوسيلة في اختيارهم. يدعم ما سبق الفكرة التالية: يصبح الأشخاص أكثر ميلاً لاختيار الخيار الصائب عند شعورهم بأن القرار يمثلهم كأشخاص، وبالمقابل إذا لم يكن القرار مرتبطاً بهم، فإن مدى “واقعية” الوسيلة ليس له أهمية.

لتعزيز اتخاذ قرارات صائبة، فكّر في استخدام الورق

قد يبدو تفصيلاً صغيراً، ولكن تبيّن دراساتنا أن الوسيلة التي يستخدمها العملاء أو الموظفون أو أفراد المجتمع الآخرون لاتخاذ القرار لها وقع كبير على قراراتهم، ولذلك آثار مترتبة على خبراء التسويق وصانعي السياسات وكل من يسعى إلى تعزيز أي نوع من السلوكيات المحمودة. على سبيل المثال، قد تفكر المطاعم في اختيار قوائم الطعام الورقية بدلاً من الرقمية لتحفيز المشترين على انتقاء خيارات صحية أكثر. وبالمثل، قد يختار أولياء الأمور والمعلمون تزويد طلابهم باستمارات ورقية لطلب الكتب بدلاً من الرقمية للزيادة من احتمالية اختيار الطلاب للكتب تعليمية. بالإضافة إلى ذلك، قد تستفيد الجمعيات الخيرية والمجموعات السياسية من جعل استمارات التعهد أو التطوع ورقية بدلاً من الاعتماد على المواقع الإلكترونية أو التطبيقات الرقمية لالتماس الدعم.

من دون شك، أصبحت القرارات تُتخذ على منصات رقمية بعدما كانت تتخذ حصراً عبر وسائل ورقية بسبب الانتقال إلى العمل الهجين والعمل عن بعد. بينما ركزت تجاربنا على مجموعة محددة للغاية من القرارات في بيئات مُراقبة، فمن المحتمل أن تظهر تأثيرات مشابهة عندما يتعلق الأمر بالتفاعل وجهاً لوجه مقارنة بالتفاعل عن بعد. فإذا كان القرار الذي تتخذه عبر تطبيق زووم أو من خلال استطلاع عبر الإنترنت أقل واقعية وبالتالي أقل تمثيلاً لهويتك مقارنة باتخاذ القرار ذاته في أثناء التفاعل وجهاً لوجه، فقد تترتب عواقب وخيمة على مكان العمل الافتراضي (مع ذلك، لا بد من وجود عوامل أخرى تسهم في عملية اتخاذ الموظفين للقرارات في بيئات العمل الطبيعية).

مع التأكيد، لا يعدّ استخدام الورق ضماناً لاتباع السلوكيات المحمودة، ولا يناسب جميع الحالات حتماً. كما من المهم التفكير في تأثير المنتجات الورقية على البيئة، لذا إذا اخترت الوسائل الورقية لإنتاج قوائم الطعام أو الاستمارات أو أي أداة أخرى تساعد على صناعة القرار، فيجب عليك أن تسعى إلى استخدام ورق مُعاد تدويره لتسهّل على المستخدمين إعادة استخدامه ثم تدويره عند التخلص منه. كما أن استخدام الورق ليس عملياً في بعض بيئات العمل كمنصات التجارة الإلكترونية أو أماكن العمل التي تعمل عن بعد بشكل كامل. في هذه الحالات، قد يريد المدراء تحرّي استراتيجيات أخرى قد تجعل القرارات تبدو أكثر واقعية حتى على المنصات الإلكترونية، كتذكير المستخدمين بتأثير قرارهم على الواقع. ولكن عندما يصبح استخدام الورق خياراً، يشير بحثنا إلى أنه ربما يكون طريقة فعالة لجعل القرار أكثر واقعية وممثلاً لهوية صانع القرار، ما يزيد بالتأكيد من فرص اختياراتهم الصائبة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .