بدأ مشهد خدمات الرعاية الصحية في الولايات المتحدة بالتغيّر، إلا أنّ الجهات المعنية بتقديم الرعاية الصحية التقليدية ليست طرفاً في هذا التغيّر. بعد إعلان شركة سي في إس (CVS) عن صفقة لشراء شركة إيتنا (Aetna) التي تبلغ قيمتها 69 مليار دولار، تعاونت شركة التأمين الصحي مع شبكة كبيرة من أهم مقدمي الرعاية الصحية، حيث أقامت سي في إس ما يزيد على 1,100 عيادة داخل صيدلياتها في ما يسمى “عيادات الدقيقة الواحدة” ضمن 33 ولاية وفي مقاطعة كولومبيا التابعة لولاية واشنطن. كما اجتمعت شركة أوبتم (Optum)، التابعة لمجموعة يونايتد هيلث (UnitedHealth Group) أكبر شركة تأمين صحي في أميركا، بحوالي 20,000 جهة من أقوى مقدمي الخدمات الطبية، إلى جانب ذلك، أعلنت مجموعة يونايتد هيلث في 6 ديسمبر/كانون الأول الماضي نيتها شراء مجموعة دافيتا ميديكال (DaVita Medical Group) بمبلغ 4.9 مليار دولار. وتدير شركة دافيتا حوالي 300 عيادة طبية و35 مركز رعاية عاجلة و6 مراكز لجراحات اليوم الواحد في ولايات كاليفورنيا وكولورادو وفلوريدا ونيفادا ونيومكسيكو وواشنطن.

وتؤثر مثل هذه الصفقات بشكل كبير وسريع على مجال تقديم الرعاية الصحية التقليدي الذي تُهيمن عليه غالباً المستشفيات. وفي الحقيقة، يمكنني القول بالاستناد إلى خبرتي التي امتدت لأكثر من 35 عاماً أنّ هذه البيئة هي من أكثر البيئات اضطراباً في مجال الرعاية الصحية.

وكما نعلم، تُعتبر الرعاية الصحية التقليدية في الولايات المتحدة مكلفة جداً. إذ تشكل هياكل التكاليف في المستشفيات جزءاً كبيراً من المشكلة. لذلك، نرى اختلالاً في قطاع المستشفيات، حيث ظهرت العديد من الاتجاهات التي تؤرق إدارات المستشفيات، منها المستشفيات المحلية المستقلة التي تتميز بانخفاض تكاليفها. وتوجد هذه المستشفيات في مواقع استراتيجية ضمن المناطق ذات النمو السكاني السريع، ولا تتضمن سوى عدد قليل من أسرّة المرضى المقيمين وغرف الطوارئ، وتخلو من خدمات الرعاية طويلة الأجل وخدمات الصحة الإنجابية التي تؤثر على الأرباح. وما يبعث على زيادة القلق لدى قيادات الرعاية الصحية هو ظهور بعض الخدمات المصممة لإلغاء مفهوم إقامة المرضى داخل المستشفيات. إذ ظهرت خدمة جديدة تسمى “المستشفيات المنزلية” والتي طورت مفهومها كليات الطب والصحة العامة في جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins) وتم اختبارها في العديد من ميادين الرعاية الصحية في جميع أنحاء الولايات المتحدة وأثبتت نجاحها. ولنفكر في الأمر، إذا كانت القوات المسلحة الأميركية تستطيع إقامة منصة جراحية شديدة التعقيد في أي مكان من العالم بغضون ساعات، فكيف يصعب استيعاب وجود المعرفة والتكنولوجيا اللازمة للعناية بكبار السن والمرضى في منازلهم؟ وفي الحقيقة، يرى معظم الناس أنّ هذه الخدمة هي ما يحتاجون إليه تماماً.

ولكن بالنسبة لشركات التأمين الصحي، لماذا تتعاون مع عيادات الأطباء؟ أدركت شركات التأمين هذه أنّ المستشفيات أصبحت كالسلع، ويمكن أن تختفي العديد من وظائفها تماماً. كما أدخلت الخدمات غير التقليدية المستحدثة إلى القطاع بدائل جديدة للأنظمة الإدارية البيروقراطية والتعسفية الموجودة في المستشفيات التقليدية. وتساعد خدمات الرعاية المنزلية، بما فيها التحاليل والأشعة السينية والخدمات التشخيصية، على تجنب مشكلة البحث عن مواقف سيارات في المستشفيات أو الانتظار على الهاتف لمدة 20 دقيقة لحجز موعد. بعبارة أخرى، أدى ظهور خدمات جديدة تركّز على مصلحة العميل وتعتمد على التقنيات المتطورة إلى الاستغناء بشكل كبير عن العديد من الخدمات التي تُقدم بشكل تقليدي في المستشفيات ذات التكاليف المرتفعة ومستوى الخدمة المتدني.

ولتخفيض تكلفة أقساط التأمين، حققت شركات إيتنا وسي في إس، ويونايتد هيلث وأوبتم، وبالتأكيد غيرها من الشركات، التوازن بين الجانب المالي وتقديم الرعاية الصحية. ومن الواضح أنها تسعى لخلق حافز مالي يجعلها تتخلى عن العامل الأساسي للتكاليف في قطاع الرعاية الصحية، وهو العلاج داخل المستشفيات. ويمكن خفض التكلفة الإجمالية للرعاية الصحية، وبالتالي خفض تكلفة أقساط التأمين، من خلال تكريس الأطباء والموارد التكميلية بشكل يضمن الاستغناء عن خدمات الرعاية غير الضرورية في المستشفيات، التي تشكل 70% أو أكثر من التكلفة الطبية. ويُعتبر هذا التوفير في التكاليف والارتقاء بمستوى الخدمة هو ما يميّز بين شركات التأمين والصيدليات وغيرها من الوافدين الجدد إلى القطاع.

وفي الحقيقة، كان هذا النموذج موجوداً منذ 70 عاماً، إذ رأيناه في مؤسسة كايزر بيرماننت (Kaiser Permanente) التي بدأت كمجموعة ممارسة طبية وشركة تأمين (لا تزال تضم بعض المستشفيات) وظلت دائماً واحدة من شركات التأمين الصحي الأقل تكلفة والأعلى جودة في كاليفورنيا. إذاً، بدأ قطاع الرعاية الصحية بالعودة للماضي في طريقه نحو المستقبل.

من جهة أخرى، تواجه المستشفيات تحد كبير، حيث تسعى هذه المؤسسات الجديدة الجريئة إلى رفع قيمتها من خلال تقديم خدمات أقل تكلفة وأعلى جودة لأعداد أكبر من المرضى. وهذا ما تبحث عنه الشركات الكبيرة والجهات الحكومية أيضاً. وعندما يصبح الهدف هو تخفيض التكاليف ورفع مستوى الخدمة، يكون الحل هو تقليل خدمات المستشفى أو نقلها إلى مكان أقل تكلفة.

لذلك يجب على مقدمي الرعاية الصحية بشكلها التقليدي خوض المعركة، ويمكنهم القيام بذلك. لكن لابدّ من إجراء تغيير كبير.

أولاً، يتعين على القيادات معرفة الطريق الذي تتجه إليه أنظمة الحوافز والانتقال بسرعة إلى نظام يقوم على القيمة لا الكمية. ويعني ذلك التخلي تماماً عن نموذج دفع الرسوم مقابل الخدمات والانتقال إلى نموذج الدفع حسب المخاطر العالمية. فهم مستشفى إنترماونتين هيلث كير (Intermountain Healthcare) ذلك، وهو الواقع في مدينة سولت ليك التابعة لولاية يوتا الأميركية). إذ يساعد هذا النموذج على تحفيز أنظمة تقديم الرعاية على إعادة توجيه الموارد من المستشفيات إلى العيادات الخارجية والمنازل. وإذا كان النظام الصحي مسؤولاً عن كامل تكاليف إدارة الرعاية الصحية مع مرور الوقت، يُصبح لديه حافز مالي لإبقاء المرضى خارج المستشفيات.

ثانياً، يتعين على أنظمة تقديم الرعاية وضع نظام إداري يسمح بالابتكار والاختبار السريع، حيث ينبغي القضاء على الإجراءات البيروقراطية وتمكين العاملين الميدانيين من اكتشاف المشكلات وحلها مباشرة، بدلاً من انتظار المدراء المستبدين لاتخاذ كافة القرارات. ولا توجد اليوم لدى معظم أنظمة تقديم الرعاية الصحية إجراءات خاصة بالابتكار وحل المشكلات، ولا يتم تدريب الموظفين على اكتشاف المشكلات وحلها، ما يجعلهم يتخذون حلولاً بديلة تؤدي إلى مشاكل أكبر أو حتى إلى الوفاة في بعض الحالات.

لن تحدث التغيّرات الهامة ما لم تغيّر قيادات أنظمة الرعاية الصحية من تلقاء نفسها أولاً. يجب عليها الانتقال من السلوكيات الإدارية القائمة على القيادة والسيطرة إلى السلوكيات القيادية القائمة على التطوير والتحسين. لقد قابلت الكثير من القادة في مجال الرعاية الصحية الذين يؤمنون أنّ التغيّر أمر رائع “ما لم يُجبروا على ذلك”. مثلهم مثل الضفدع في الماء الساخن، لا يشعر بخطورته حتى يغلي ويموت.

أما اندماج سي في إس وإيتنا، فما هو إلا غيض من فيض، حيث ارتفع عدد الشركات الناشئة في قطاع الرعاية الصحية بشكل هائل، ويتجلى ذلك في عدد صفقات تمويل المشاريع الذي ارتفع بنحو 200% من عام 2010 إلى عام 2014. ولا يصعب التنبؤ بأنّ الكثير من مهام الرعاية الصحية التقليدية سوف تختفي، وتحلّ محلها الأنظمة الدخيلة التي تركّز على هدف واحد، ويتمثل بالقضاء على الوسائل التقليدية لتقديم الرعاية الصحية. وربما يحدث مثلما حدث لصناعة سياط عربات الخيل التي اندثرت بظهور السيارات، فالنجاة ليست نتيجة حتمية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!