استئصال الغطرسة قبل حدوث الخسارة

4 دقائق
shutterstock.com/AJR_photo
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

قد تكون الغطرسة الخطيئة المتمثلة في الكبرياء الزائد أو العجرفة، وقد تكون الاضطراب الذي يواجه الرئيس التنفيذي، والذي يُساء فهمه كلياً، إذ إنها لا تقتصر على النرجسية فقط، لكنها أكثر خطورة منها بكثير.

في الواقع، لم ينجح أحد في فهم طبيعة هذه المشكلة وديناميكياتها أكثر مما فعل الكاتب اليوناني إيسوب (Aesop) عندما كتب: “الأرنب البري، في الظروف التي ينبغي أن ينتصر يفوز فيها (كسباق سلحفاة)، يخطف الهزيمة من فكيّ النصر بعد أن يجعل من نفسه أحمقاً نتيجة ثرثرته قبل السباق، ولو تجنّب الأرنب البريّ الغطرسة (وقيلولته الشهيرة)، لتمكن ببراعة من هزيمة السلحفاة، وانتقل بعدئذ إلى توزيع تواقيعه، وإجراء مقابلات صحفية. فالكبرياء لم يُصبه قبل الخسارة فقط، لكنه المسبب الفعلي لها”.

أذكُر مدى افتتان معظم الناس بالغطرسة وجهلهم بها. في شهر مارس/آذار من كل عام عند بدء بطولة “الرابطة الوطنية لرياضة الجامعات” (NCAA) في كرة السلة، يطيح فريق مستضعف بواحد أو أكثر من الفرق المتزعمة باستمرار، الأمر الذي يدفع بعض الساخرين إلى المجاهرة بالخاسر على أنه ضحية للغطرسة، وعلى الرغم من إمكانية ابتلاء مؤسسات بكاملها بالغطرسة، فإنها عادة ما تكون علّة انعزالية لأنها تتمحور في جوهرها حول التحدي.

البوادر الشائعة في حالة الأرنب البري – التي تسبق تدميره لذاته، ومكابدته للغطرسة تجعل العالم يرى المشكلة التي يعاني منها – هي ميزة أساسية لهذا الاضطراب، إذ يميل الأشخاص المتغطرسون إلى الكشف عن الخصائص المميزة لـ “اضطراب التحدي المعارض” عندما ينهارون، ولا تقوم فِرق كرة السلة الجامعية بذلك، خلافاً لما يدّعيه المعلقون على الجنون الحاصل في شهر مارس/آذار، وقد ترتبك بعض الفِرق ذات المراتب العليا عندما ترزح تحت الضغوط الناتجة عن التوقعات العالية بتفوقها، وقد لا يأخذ بعضها جميع المنافسين على محمل الجد كما ينبغي لها أن تفعل. لكن لفهم الغطرسة، عليك أولاً أن تدرك أنها فعل ناتج عن التحدي، وأن من يعاني من الغطرسة لا يتخذ إجراءات لضمان عدم تحقيقه للنجاحات التي سعى إلى تحقيقها إلا بعد إهانة الآخرين تماماً.

في المقابل، النرجسية هي اضطراب في الشخصية، ويعني ذلك أنها تبدأ في سنوات المراهقة وتحدد أسلوب عمل الشخص بأكمله. إذا شعرت بالحاجة إلى التباهي والترويج للذات لتحافظ على إحساسك بالاكتفاء الذاتي من الناحية النفسية ببساطة، بسبب مرحلة الطفولة التي تركتك تشعر بالحرمان من الرضا عن نفسك، ستؤثر بك تلك المشكلة إلى الأبد. يستطيع العلاج النفسي تخفيف ميل الشخص النرجسي إلى تبجيل الذات، لكنه سينتكس تحت الضغط ليصبح أنانياً بشكل لا يطاق، فالنرجسي يبقى نرجسياً طوال الوقت تقريباً.

ومن ناحية أخرى، فإن الغطرسة هي اضطراب تفاعلي، وهي إما عاقبة مؤسفة لقصاصات الصحف التمجيدية التي لا تنتهي، ما يفضي إلى ثقة مفرطة فائقة، أو تتويج لسلسلة انتصارات تجعل الشخص يعاني وهماً عابراً بأنه منيع. سيعاني الكثير من الأشخاص الصالحين من الغطرسة في ظل الظروف السيئة، لكنهم يميلون إلى التعافي منها بعد أن يسهم سقوطهم من عليائهم في تقلص الأنا الخاص بهم ليعود إلى حجمه الطبيعي.

كينيث لاي (Kenneth Lay)، الرئيس التنفيذي السابق لشركة “إنرون” (Enron)، هو مثال جيد على غطرسة الرؤساء التنفيذيين. قبل فترة طويلة من انهيار الشركة أشاد لاي بشركته لأنها ذات “اقتصاد حديث” قبل “أن تتحول إلى شركة رائعة حقاً”، وفي بريد إلكتروني أرسله إلى الموظفين والعامة قبل أسابيع فقط من إفلاس “إنرون”، تباهى لاي قائلاً: “أداؤنا الآن أفضل من أي وقت مضى، ولم يسبق أن كان نموذج أعمالنا أقوى مما هو عليه الآن. لدينا أرقى مؤسسة في مجال الأعمال التجارية الأميركية حالياً”.

والأمر المأساوي في تدمير الذات الذي مارسه لاي وانهيار شركة “إنرون” – بغض النظر عن الدمار الذي ألحقته بعدد من الناس – هو أن لاي أسس الشركة وتقاعد ومن ثم عاد محاولاً إنقاذها، وليس ليستغل منصبه في تكوين نفسه، ومع ذلك لم يستطع لاي في نهاية المطاف أن يلقي أسلحته ويعترف بالهزيمة، وبذلك سمح لكبريائه أن يكون عائقاً في وجه المنطق، ما أدى إلى الخراب نتيجة لذلك، ولأنه لم يستطع أن يشهد فشل كبريائه وفرحه ولم يرغب في اتخاذ القرارات الصعبة التي لربما أنقذت نسخة متضائلة منهما، قرر تزوير الحسابات، وبقيامه بذلك فوت الفرصة المتاحة لشركته.

ألا توجد طريقة لتقليص فقاعة الغطرسة بينما لا تزال تتضخم قبل أن تنفجر بشكل كارثي؟ ينبغي أن يفي إدخال بعض التعديلات الهيكلية على روح العصر الخاصة بشركتك، أو إيضاح المبادئ التي افترضت أنها كانت واضحة ومقبولة، بالإضافة إلى بعض جرعات القسوة الناتجة عن المحبة المدروسة من حيث توقيتها ومكانها بالغرض.

تعد فضيلة التواضع أهم جوانب ثقافة شركتك التي يجب أن تغرسها في نفوس جميع الموظفين، ولا سيما النجوم الذين يعتبرون الأكثر عرضة للغطرسة. في رواية “الملك لير” (King Lear)، لـ “وليام شكسبير” (William Shakespeare)، يحذّر البهلول الملك المشؤوم قائلاً: “امتلك أكثر مما تُظهر، وتحدث أقل مما تعرف”. من الصعب القيام بذلك الآن في مجتمعنا، حيث يلوّح كل مغفل في فعالية رياضية بمجسم اليد المنتصرة، ونادراً ما ترى لاعباً رئيساً في دوري البيسبول يسجل هدفاً دون أن يومئ بطريقة تشير إلى أنه يتعاطى مهلوسات. لا يمكنك تغيير المجتمع، لكن يمكنك جعل هذا النوع من الإبهار محظوراً في شركتك.

لكن حتى لو قمت بذلك، فلا يمكنك ضمان عدم تفاخر أحد “موظفيك المتبجحين” بنفسه أمام الجميع بعد نجاح كبير، هذا هو الوقت المناسب لتقسو عليه نتيجة محبتك، أعلمه بعبارات صارمة أنه لن يستطيع ممارسة سلوكياته الاحتفالية الغريبة، وذكّره بأن معظم الناس يستمتعون بتشجيع المستضعفين والمرشحين المجهولين والأشخاص ذوي احتمالات النجاح الضئيلة، لا سيما عندما يتنافسون مع خصوم أقوياء. (استغلت الحملة الإعلانية التي أطلقتها شركة “آيفس” (Avis)، باسم “نحن نحاول جاهدين” هذا الانطباع فقط)، فالاستمتاع برؤية محبوب الجماهير يسقط من عليائه طبيعة بشرية.

لهذا السبب يجب أن تكون فطيرة التواضع الحلوى الوحيدة المقدمة في كافيتيريا الشركة، فإذا اكتسب أحد الموظفين سمعة الغرور مستعرضاً غطرسته، سيرغب الجميع وحتى زملاؤه في رؤيته يفشل، وطالما أنه من المعروف جيداً أن “الرأس الذي يحمل التاج لا يخلو من الهموم”، فلا تُجرِ احتفالات تتويج في شركتك، وإذا أصرّ أحد الأشخاص المتميزين على إبراز نفسه، أخبره بأنه لا يولد الإعجاب لدى الآخرين، ولكنه يجعل نفسه مستهدفاً عوضاً عن ذلك.

لا تنسَ الصيغة التي طورها عالم النفس والفيلسوف ويليام جيمس (William James)، بهدف تعزيز تقدير الذات: “احترام الذات مستمد من نسبة نجاحاتك إلى ادعاءاتك (أو كما نقول اليوم “أداؤك المتوقع”)، إذا صدّق موظفوك هذا النموذج سيشهدون بطبيعة الحال المزايا الكامنة في تقديم وعود معقولة والسعي إلى تقديم نتائج متميزة، وهو أسلوب طبيعي لمنع الغطرسة.

وكما قال المحلل النفسي كارل يونغ (Carl Jung): “نحن نخدع أنفسنا دوماً من خلال الكبرياء، لكن في أعماقنا… صوت عميق وخافت “يخبرنا أن هناك خطأ ما”، ولإنقاذ شخص متغطرس من نفسه اكتشف ما يقوله صوته الخافت له ونبهه برفق ليتخلى عن كبريائه.

لكن تذكر أنك مثلنا جميعاً، تنفر بطبيعة الحال عندما يتباهى الأشخاص الموهوبون جداً، بغض النظر عن مستوى جودة أدائهم، وبالتالي عندما تقسو عليهم قليلاً نتيجة محبتك لهم، تأكد أن تشدد على المحبة، أما القسوة فستكون عفوية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!