تابعنا على لينكد إن

دفعت التطورات التي شهدها الذكاء الاصطناعي مؤخراً بالبعض إلى القول بأنّ الذكاء الاصطناعي قد يحل يوماً محل خبراء الأشعة من البشر. وقد طور الباحثون شبكات عصبية من الفهم العميق يمكن أن تحدد العلامات المرضية في الصور الإشعاعية مثل كسور العظام والإصابات السرطانية المحتملة، ويكون ذلك في بعض الحالات موثوقاً به أكثر منه في حالة مختص الأشعة العادي. ومع ذلك وفي غالب الأحيان، فإنّ أفضل النظم حالياً متكافئة مع الأداء البشري ولا تُستخدم إلا في الإعدادات البحثية.

في ضوء هذا، يتطور التعلم العميق (deep learning) تطوراً سريعاً، وهو تقنية أفضل بكثير من المنهجيات السابقة التي كانت متبعة في تحليل التصوير الطبي. ولعل هذا يبشر بمستقبل يلعب فيه الذكاء الاصطناعي دوراً هاماً في الطب الإشعاعي. وسوف يستفيد بكل تأكيد مجال الأشعة من الأنظمة التي يمكنها قراءة وتفسير الصور المتعددة بشكل سريع، إذ أنّ عدد الصور قد زاد زيادة كبيرة ومتسارعة في العقد الأخير متجاوزاً بذلك عدد مختصي الأشعة أنفسهم، فقد تؤخذ المئات من الصور الإشعاعية لمريض واحد في شأن مرضه أو إصابته. ونظراً لأن التصوير الإشعاعي والطب الإشعاعي مرتفع التكلفة، فإنّ أي حل يمكن أن يؤدي إلى الحد من الجهد البشري، وخفض التكاليف، وتحسين دقة التشخيص، سوف يستفيد منه المرضى والأطباء على السواء.

ماذا يعني هذا بالنسبة لخبراء الأشعة؟ ذكرت بعض التقارير أنّ بعض طلاب الطب قرروا عدم التخصص في الطب الإشعاعي مخافة أن يأتي اليوم وتختفي تلك الوظيفة المسماة “أخصائي الأشعة”. بيد أننا واثقون أنّ الغالبية العظمى من مختصي الأشعة سيظلون يشغلون وظائفهم لعقود قادمة، فهي وظائف سوف يعمل الذكاء الاصطناعي على تغييرها وتحسينها وتطويرها.

قام اثنان من العاملين معنا وهما كيث ـ وهو أخصائي أشعة وباحث في الذكاء الاصطناعي، وآخر وهو توماس، بإجراء بحوث حول أثر الذكاء الاصطناعي على الوظائف لعدة سنوات. ونحن نرى أسباباً عديدة تدلل على عدم اختفاء وظيفة “أخصائي الأشعة” من سوق العمل، وسوف نتعرض لهذه الأسباب والدلائل في ما بعد. كما نرى أنّ العديد من هذه العوامل سيحول دون تلك الأتمتة الهائلة لوظائف أخرى يفترض أنها تتعرض لنفس التهديد بواسطة الذكاء الاصطناعي.

أولاً، ما يفعله أخصائي الأشعة يتجاوز بكثير مجرد قراءة وتفسير صور الأشعة. فأنظمة الذكاء الاصطناعي في مجال الأشعة، مثلها مثل أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى، تقوم بمهام محددة (الذكاء الاصطناعي المحدود). فنماذج التعلم العميق التي ذكرنها تم تدريبها على مهام التعرف على صور بعينها (مثل كشف العقيدات في الأشعة المقطعية للصدر أو النزيف في أشعة الرنين المغناطيسي على المخ). ولكن الآلاف من تلك المهام المتعلقة باكتشاف الأمراض المحدودة ضرورية لأجل الوقوف وقوفاً تاماً على كل النتائج المحتملة في صور الأشعة الطبية، ولا يمكن تنفيذ سوى عدد قليل منها فقط بواسطة الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي. علاوة على ذلك، فإنّ مهمة تفسير صور الأشعة لا تشمل فقط مجموعة واحدة من المهام التي يقوم أخصائيو الأشعة بإنجازها. فهم يقومون كذلك بتبادل المشورة مع الأطباء حول التشخيص والعلاج، ويعالجون الأمراض (على سبيل المثال: تقديم العلاجات الموضعية الخاصة بالبتر)، وإجراء التدخلات الطبية الموجهة بالتصوير الإشعاعي (الأشعة التداخلية)، وتحديد المعايير الفنية لفحوصات التصوير الإشعاعي التي يتم القيام بها (بحسب حالة كل مريض على حدة)، وربط النتائج من الصور الإشعاعية بالسجلات الطبية الأخرى ونتائج الاختبارات، ومناقشة الإجراءات والنتائج مع المرضى، وغير ذلك من الأنشطة الطبية والعلاجية. بل إنه حتى في تلك الحالة غير المحتملة التي اضطلع فيها الذكاء الاصطناعي بمهمة قراءة صور الأشعة وتفسيرها، فإنّ معظم مختصي الأشعة بإمكانهم إعادة توجيه تركيزهم على تلك الأنشطة الأساسية الأخرى والاضطلاع بها.

ثانياً، الإجراءات السريرية لتوظيف عمل التصوير الإشعاعي القائم على الذكاء الاصطناعي بعيدة كل البعد عن جاهزيتها للاستخدام اليومي. إنّ بحوث دراير (Dreyer) مع معهد البيانات العلمية (Data Science Institute) في الكلية الأميركية للتصوير الإشعاعي (American College of Radiology) وجدت أنّ شركات توريد تقنيات التصوير الإشعاعي المختلفة وخوارزميات التعلم العميق تتركز على أوجه مختلفة من حالات الاستخدام التي يتناولونها بالدراسة. حتى بين أجهزة كشف العقيدات القائمة على التعلم العميق والتي اعتمدتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية، كانت هناك بؤر تركيز مختلفة: احتمالية الآفات المرضية، احتمالية مرض السرطان، سمة العقدة أو موضعها. هذه البؤر التركيزية المميزة من شأنها أن تجعل عملية دمج أنظمة التعلم العميق في الممارسات السريرية الحالية عملية صعبة للغاية. وبناء عليه، فإنّ الكلية الأميركية للتصوير الإشعاعي في طريقها لتحديد المدخلات والنتائج للشركات الموردة لبرمجيات التعلم العميق. إذ تتطلب إدارة الغذاء والدواء الأميركية من شركة التوريد التحقق من فعالية ومن قيمة الخوارزميات قبل وبعد أخذها وعرضها في السوق، بينما توفر الكلية الأميركية للتصوير الإشعاعي المنهجيات الخاصة بذلك. في نفس الوقت، تسعى الكلية إلى تجميع حالات الاستعمال ـ حسب جزء الجسم، والنموذج، ونوع المرض ـ التي تكون الإجراءات السريرية، ومتطلبات التصوير الإشعاعي، وتسعى إلى تفسير النتائج بالنسبة لها محددة جميعها تحديداً جيداً ومتوافقاً مع الممارسات السريرية الحالية والمستقبلية. بالطبع، سوف يستغرق خلق مجموعة شاملة من حالات الاستعمال سنين كثيرة، وهو ما يزيد من توسيع دور مختصي الأشعة في عالم الذكاء الاصطناعي.

ثالثاً، يجب تدريب خوارزميات التعلم العميق على “البيانات المعنونة” (labeled data) (بيانات خاضعة للتصنيف من قبل أشخاص مسبقاً) للتعرف على الصور الإشعاعية. في علم الأشعة، يعني هذا صوراً إشعاعية للمرضى الذين خضعوا لتشخيص مؤكد بشأن السرطان، أو كسور في العظام، أو غيرها من الأمراض الأخرى. أما في الأنواع الأخرى التي حقق فيها التعلم العميق مستويات نجاح مرتفعة بشأن الصورة الإشعاعية، حيث تم تدريبه على ملايين الصور المعنونة (labeled images)، مثل الصور الفوتوغرافية للقطط على الإنترنت. إلا أنه ليس هناك مستودع يجمع صور الأشعة، سواء كانت معنونة أو غير معنونة. فهذه تكون ملكاً للشركات الموردة، والمستشفيات والأطباء، ومرافق التصوير الإشعاعي، والمرضى، وسوف يكون جمعها وعنونتها لتكوين كتلة حرجة لتدريب الذكاء الاصطناعي عليها بمنزلة تحد كبير للغاية، كما إنه سيستغرق الكثير من الوقت.

أخيراً، كما هو واضح أنّ السيارات ذاتية القيادة ستتطلب تغييرات في لوائح ونظم السيارات والتأمين على السيارات، إذ ستكون هناك حاجة إلى تغييرات في النظم واللوائح الطبية والتأمين الصحي في ما يتعلق بإطلاق وتفعيل تحليل الصور الآلي. من الذي سيكون مسؤولاً على سبيل المثال في حالة حدوث خطأ تشخيصي من جانب الآلة لحالة سرطان، هل هو الطبيب أم المستشفى أم الشركة المصنعة لتقنية التصوير الإشعاعي، أم عالم البيانات الذي أنشأ الخوارزمية؟ وهل سيدفع من يحصلون على الرعاية الصحية مقابل التشخيص الذي يتم عن طريق الذكاء الاصطناعي على أنها عملية أحادية تتم من جانب واحد، أم أنها عملية ثنائية تقوم بها تقنية الذكاء الاصطناعي بالمشاركة مع أخصائي الأشعة البشري؟ كل هذه المسائل تحتاج إلى حل، ومن غير المحتمل إحراز أي تقدم في هذا المجال بنفس السرعة التي تجري بها بحوث التعلم العميق في المختبرات. ربما يكون من الضروري أن تتفوق آلات التصوير الإشعاعي بالذكاء الاصطناعي على أخصائي الأشعة البشري وتصبح أفضل منه بكثير ـ لا أن تكون بنفس مستواه من الجودة ـ حتى يمكن الدفع نحو إدخال التغييرات اللازمة في التشريعات التنظيمية وفي تحمل التكاليف الناتجة عنها.

ينبغي أن يكون واضحاً وجلياً عندئذ أنه في المرة التالية التي تجري فيها تصويراً بالأشعة على الثدي باستخدام الرنين المغناطيسي، فإنه من غير المحتمل أن يشاهد صور الأشعة هذه خوارزمية الذكاء الاصطناعي فقط. فسوف يجد أخصائيو الأشعة خضوع وظائفهم الحالية لتغييرات، من دون أن يتم استبدالها أو استبدالهم، مثلهم في ذلك مثل المحامين، والمخططين الماليين، والمحاسبين، وغيرهم من أصحاب المهن، الذين يرون بعض المهام الوظيفية تقوم بها الآلات الذكية.

ونظراً لهذا، سوف يكون لزاماً عليهم تبني مهارات وإجراءات عمل جديدة. وكما جاء في منشور لمدونة على الإنترنت، فإنّ مختصي الأشعة الوحيدين الذين قد تتعرض وظائفهم للتهديد من جراء الذكاء الاصطناعي هم أولئك الذين يرفضون العمل مع الذكاء الاصطناعي. إلى جانب ذلك، هناك مزايا طبية وإنتاجية جوهرية سوف تُكتسب من دمج الذكاء الاصطناعي مع ممارسة الطب الإشعاعي. إنّ تحسينات الإنتاجية قد تعني أيضاً أنّ مختصي الأشعة يمكن أن يمضوا المزيد من الوقت في إنجاز أمور يرى الكثيرون منهم أنها من أكثر الأمور أهمية: التشاور مع أطباء آخرين حول التشخيصات وحول استراتيجيات العلاج. إذا حدث وتم إدراك وتحقيق التحسينات المتوقعة في التعلم العميق لتحليل الصور الإشعاعية، ففي هذه الحالة سوف تنجذب كل من الشركات الموردة لهذه الأنظمة، والمرضى، وأولئك الذين يدفعون مقابل الخدمات، نحو مختصي الأشعة الذين توصلوا إلى طريقة مكنتهم من العمل بفاعلية جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz