من الطبيعي أن تشعر بالانزعاج من بعض مشاكل العمل، كأن يتأخر البعض عن الاجتماعات باستمرار، أو أن تجد إجازة الأمومة في الشركة غير كافية على الإطلاق، أو ربما تعتقد أنّ نظام المعلوماتية في الشركة قديم ولا يواكب العصر. لكن، متى تنتقل من الشكوى إلى التصرّف حيال المشكلة؟ وكيف تقرر أيّ المعارك يجب عليك خوضها؟

ما الذي يقوله الخبراء؟

هناك أمر واحد مؤكد، وهو أنك لا تستطيع حلّ جميع مشاكل العمل. فكلّ شخص لديه رصيد سياسي محدود. تقول دوري كلارك، مستشارة الاستراتيجية ومؤلفة كتاب "جدّد ذاتك: حدّد شعارك وتخيل مستقبلك" (Reinventing You: Define Your Brand, Imagine Your Future): "إذا كنت تُحدث صخباً على أمر تافه فلن تتمكن من فعل شيء عندما تكون المشكلة ذات أهمية حقاً". كما أنّ محاولة معالجة كلّ المشاكل دفعة واحدة تضرّ بمكانتك حتى وإن كنت متأكداً أنها تتعلق بأمور حاسمة. تقول كارين ديلون، مؤلفة "دليل هارفارد بزنس ريفيو لقوانين العمل" (HBR Guide to Office Politics)، ومؤلفة زميلة لكتاب "كيف ستقيس حياتك؟" (How Will You Measure Your Life?): "هناك خط رفيع يفصل بين كونك شخصاً شديد الملاحظة يجيد حلّ المشاكل وكونك شخصاً محبطاً كثير التذمر". ومن الضروري أن تتمكن من معرفة موقع هذا الخط.

وتقول لويس كيلي وهي شريكة كارمن ميدينا (سيرد ذكرها في دراسة الحالة رقم 1) في تأليف كتاب بعنوان "المتمردون في العمل: مصادقة أقوى البيروقراطيين وقيادة التغيير من الداخل" (Rebels at Work: Befriending the Bureaucratic Black Belts and Leading Change from Within): "إنّ أذكى الناس هم من يحسبون الأمور التي تستحق بذل وقتهم وطاقتهم بحذر". وسواء كان الأمر ثانوياً أو أساسياً، إليك 5 مبادئ ستساعدك على اتخاذ القرار بالتصدي للمشكلة أو تركها.

أدرك مدى سلطتك

قبل محاولة معالجة أحد الأمور التي تُتعبك، ستحتاج إلى تقييم ما إذا كنت تملك المكانة والسلطة الكافيتين للنجاح في ذلك. تقول كلارك: "سيلبّي الآخرون طلباتك أكثر إذا استطعت إثبات نفسك". ابذل ما بوسعك لتحافظ على سمعتك الطيبة لدى زملائك ومدرائك. كما أنه من الأسهل خوض معركة عندما تكون جزءاً من عملك. لذلك، ضع صيغة واضحة للمشكلة بصورة تجعلها تتطابق مع مسؤوليات منصبك. وإذا كان ذلك صعباً حاول أن تغيّر التوصيف الوظيفي لمنصبك بشكل رسمي ليتضمن صلاحيات التغيير الذي ترغب بإحداثه.

تأكد من وجود حلّ لديك

لا ينبغي أن تثير الحديث عن أية مشكلة إذا لم يكن لديك حلاً بنّاء لها، أو خطة لإيجاد هذا الحل. تقول ديلون: "يجب الحرص على أن يراك الآخرون كشخص يطرح الأفكار الجديدة للنقاش بطريقة إيجابية". إذا كان لديك انتقاد بشأن أمر ما، ولكن ليس لديك طريقة لتحسين الوضع، اقض المزيد من الوقت في دراسة المشكلة والتحدث مع الآخرين قبل مناقشتها بصورة رسمية.

اسأل نفسك عن مدى أهمية المشكلة بالنسبة إليك وللمؤسسة

يُعتبر السير ضد التيار مكلّف جداً، لذلك يجب التأكد من أنّ الموضوع يستحق العناء. هل هو مجرد أمر يستفزك أم هو فعلاً يعيق أعمالك وأعمال زملائك؟ فكر بما ستجازف به، تقول كلارك محذرة: "إذا أطلقت حملة لمطالبة الشركة بإحضار قهوتك من دانكن دونتس بدلاً من ستارباكس، فستكون النتيجة الإيجابية أنك ستحصل على القهوة التي تريد. لكن في المقابل، ستظهر كشخص متمرد بلا جدوى، وهذه هي النتيجة السلبية. وتوافقها كيلي إذ تقول: "لدى المتمرد الفعال قدرة جيدة على تمييز الأمور التي تشكل أهمية للمؤسسة". وتقترح أن تقيّم أهمية المشكلة بمقياس من 1 إلى 10. إذا كانت أهميتها 6 أو أقل فمن الأفضل أن تتركها وشأنها. وتضيف كلارك أنه عليك أن توضّح بصورة دقيقة كيف يمكن للحل الذي تقترحه دفع المجموعة أو الشركة تجاه تحقيق أهدافها، حتى وإن كانت المشكلة ثانوية ولا يحتاج إصلاحها سوى مجموعة موارد ضئيلة.

اختبر الأجواء

معروف لدى الجميع مدى صعوبة مبادرات التغيير، لذلك يجب عليك أن تختبر فكرتك قبل أن تطرحها بصورة رسمية. تقول كلارك: "توجه إلى بعض من زملائك الموثوقين واختبر ردة فعلهم تجاه فكرتك. إذا رأوا أنها ستكون مهمة شاقة فقد يتوجب عليك إعادة التفكير بشأنها. أما إذا رأوا أنك ستتمكن من إنجاز أمر جيد فتكون حصلت على نقطة ارتكاز جيدة". ليس عليك أن تقيم اجتماعاً رسمياً، بل حاول اقتراح فكرتك عند إثارة الموضوع بصورة طبيعية. مثلاً، يمكنك أن تقول بعد اجتماع طويل: "يبدو أننا أمضينا وقتاً أطول من اللازم في هذا الاجتماع. لم لا نجرّب إقامة الاجتماعات وقوفاً على الأقدام لنشجع على إنهائها بسرعة"، ثم راقب ردود الفعل على اقتراحك".

اجمع المؤيدين من حولك

لا يفيد طرح فكرتك على زملائك في اختبار ردود أفعالهم حيالها فقط بل أيضاً بجمع المؤيدين حولك. لأن وجود أشخاص إلى جانبك يجعل تنفيذ الأمور أسهل دوماً. تقول كيلي: "عندما يحين الوقت المناسب لطرح فكرة ما، يمكنك أن تشير إلى ما طرحه الآخرون من آراء بشأنها. وهذا سيوضح أنك لست وحدك". ابحث عن مؤيدين خارج دائرتك المباشرة لتبين أنّ لديك دائرة دعم واسعة. ولكن تحذّر ديلون من أن تبدو وكأنك تجمع الناس حولك سراً، بل عليك توضيح أنّ هدفك هو جمع الأشخاص الذين يشاركونك الرأي من أجل إيجاد أفكار أكثر للتوصل إلى الحلول الممكنة. ولا تنضم إلى الفئة الفاسدة من الموظفين. تقول ديلون: "لا تماشي شخصاً دائم التذمر ولا من لا يخوضون معاركهم بأنفسهم. بل اختر الأشخاص الذين تثق أنهم ينالون قدراً عالياً من الاحترام".

ربما يكون من المفيد أن تكسب تأييد مديرك، ولكنه ليس ضرورياً. وفي الوقت ذاته، لا تتوقع منه أن يخوض المعركة عنك. تقول ديلون: "يجب ألا تلجأ إلى مديرك في كل مرة تريد فيها تغيير أمر ما، بل تحدث إليه عندما تشكّل فكرة واضحة وخطة لكيفية معالجة المشكلة".

مبادئ عليك تذكرها

ما يجب عليك فعله:

  • ضع صيغة واضحة للمشكلة بصورة تطابق مسؤوليات وظيفتك أو اجعلها جزءاً من مسؤولياتك بصورة رسمية.
  • حاول إيجاد حل قابل للتنفيذ، أو على الأقل خطة للهجوم، قبل طرح المشكلة.
  • كن حذراً بشأن عدد المعارك التي تخوضها. فقد تستنفد رصيدك السياسي.

ما يجب عليك عدم فعله:

  • إثارة أمر لا يشكل أهمية بالنسبة للمؤسسة.
  • الاعتماد على مديرك لخوض المعركة عوضاً عنك. بل قدّم له خطة مدروسة.
  • البدء قبل اختبار ردود فعل زملائك الذين تثق بهم على الفكرة. الزملاء المقربين والزملاء خارج نطاق دائرتك الخاصة.

دراسة الحالة رقم 1: اجعل المشكلة جزءاً من وظيفتك

قبل أن تستلم كارمن ميدينا منصبها كقائدة متخصصة في شركة ديلويت للاستشارات، عملت لمدة 32 عاماً في وكالة أمن تابعة للحكومة، حيث أدركت بعد مضي 10 سنوات على عملها هناك (أي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي) أنّ نموذج العمل في الوكالة كان يفتقد استراتيجية رقمية. تقول كارمن: "بدأت بالتفكير بأنّ هذا الأمر خطير حقاً وأننا بحاجة للتحرك فوراً والتصرف حياله". أرادت أن تتوصل الوكالة إلى طريقة إيصال المعلومات بصورة رقمية إلى واضعي السياسات، ولكن لم تحصل نداءاتها الأولية على أذن صاغية.

بقيت كارمن مشغولة بهذا الأمر، تقول: "أتذكر كيف كنت أجبر أصدقائي المساكين على الاستماع إلى أحاديثي المملة عن الإنترنت التي ستغير كل شيء في المستقبل". لقد علمت أنها ستوفق أكثر في هذه المعركة إذا كانت جزءاً من توصيف وظيفتها، ومُنحت هذه الفرصة في العام 1998. تقول كارمن: "افتُتح لي منصب جديد مع قائمة طويلة من المسؤوليات، ومن ضمنها إيجاد استراتيجية رقمية، والتي كانت آخر عنصر في القائمة. ولكنني عرفت أنني أردت أن أخصص لهذه المهمة جزءاً أكبر من وظيفتي". وفي مقابلة العمل معها، أكدت كارمن على أهمية الاستراتيجية الرقمية في رأيها. فأخبرها المدير المسؤول عن التعيين أنها جعلته يفكر بكثير من الأمور وانتهى الأمر بتسليمها المنصب.

لم تكن معركتها سهلة حتى بعد أن أصبحت الاستراتيجية الرقمية جزءاً من وظيفتها. ولكن في نهاية المطاف، استطاعت أن تساعد في تغيير طريقة عمل الوكالة. تقول: "عليك أن تكون محقاً دائماً عندما تخوض معركة ما، وأنا كنت واثقة جداً أنني كنت محقة في معركتي هذه".

دراسة الحالة رقم 2: كن مسؤولاً عن الحلّ

كانت منى تشعر بالاستياء. إذ كان هناك اجتماع سلامة شهري لجميع الموظفين، حيث يرسل مدير القسم الدعوات للموظفين ويتم تحميل الشرائح التي ستعرض في الاجتماع من موقع الشركة الدوائية على الإنترنت، وكان الموظفون يتبادلون الأدوار في تقديم العرض خلال الاجتماع. ولكن الأمر كان عبارة عن تسلية ولم يأخذه أحد على محمل الجد. تقول منى: "كانت الشرائح التي تعرض خلال الاجتماعات هي ذاتها التي عُرضت منذ بضعة أشهر، ولربما كانت إحداها عرضت في ثمانية اجتماعات سابقة". كان ذلك الاجتماع يعطّل يوم العمل وكان هدراً كبيراً لأوقات الجميع. لذلك بدأت منى بطرح سؤال هنا وهناك عن سبب فرض هذا الاجتماع. وتفاجأت بأنّ الموظفين لم يعلموا الكثير عن الأمر. تقول: "كل ما أردته هو الحصول على المعلومات المتعلقة بمتطلبات هذا الاجتماع. هل نعمل لدى شركة تفرض علينا القيام بهذا الاجتماع كل شهر؟ جميع الموظفين يجيبون بنعم، ولكن لا أحد يعلم السبب".

وبعد التحدث إلى عدد من الأشخاص، من بينهم مديرها ورئيس القسم والمدير الذي يقوم بتنظيم الاجتماعات، اكتشفت منى أنّ الاجتماع كان ضروري فعلاً. فاقترحت دمجه مع الاجتماعات الأخرى ولكن ذلك أصبح شديد التعقيد. لذلك، قررت أن تستلم الأمر بنفسها. تقول منى: "بدأت بتجميع الشرائح التي كنت أراها أكثر فائدة. ووجدت أفكاراً على موقع السلامة الخاص بشركتنا. لقد كانت تلك فرصة جيدة ليبدأ زملائي بإبداء آرائهم أيضاً". وفي النهاية، تحولت الاجتماعات إلى أمر يجده الموظفون منتجاً ومفيداً. تقول منى: "لا أحبّ التذمر بشأن الأشياء التي لا أنوي فعل شيء حيالها".

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!