أظهروا عملياتكم أمام الزبائن واجعلوا زبائنكم ظاهرين أمام الموظفين

26 دقيقة
وضوح العمليات للزبائن
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إليك هذا المقال الذي يتحدث عن وضوح العمليات للزبائن تحديداً. كان بنك “باركليز” (Barclays Bank) أوّل بنك يركّب صرّافاً آلياً ناجحاً في العالم عام 1967 الأمر الذي أثار ضجّة كبيرة. فوجود آلة تصرف الأموال النقدية كان أقل تكلفة وأكثر كفاءة من وجود صرّاف من لحم ودم لينجز العملية ذاتها. لا بل أكثر من ذلك. فقد كان بوسع الزبائن الوصول إلى الصرّاف الآلي في أي ساعة ووقتما يشاؤون – حتى عندما كانت أبواب البنك موصدة. بدا الأمر بمثابة حلّ مربح لجميع الأطراف، وسرعان ما انتشرت أجهزة الصرّاف الآلي في جميع أنحاء العالم. أمّا اليوم، فإن نسبة الأشخاص الميّالين إلى سحب المال من جهاز صراف آلي يبلغ ثلاثة أضعاف من يميلون إلى سحبها من صرّاف بشري.

لكنّ هناك شائبة في قصّة نجاح الصرّاف الآلي. فعندما يستعمل الزبائن الصرّاف الآلي أكثر من لجوئهم إلى الصرّافين من البشر، فإنّ مستوى رضاهم الإجمالي عن البنك يتراجع. فقد تبيّن أنّه عندما لا يتمكّن الزبائن من رؤية العمل الذي يُنجز لخدمتهم، فإنّهم يتصوّرون أنّ جهداً أقل قد بُذِل في تقديم الخدمة، لذلك فإنّهم لا يقدّرونها أو يثمّنونها كثيراً. تنجز أجهزة الصرّاف الآلي عملاً معقّداً: فهي تحدّد الزبائن بطريقة موثوقة، وتعثر على معلومات حساباتهم، ثم تكمل العملية بنجاح – وهي تنجز كل ذلك مع حماية سرية معلوماتهم الخاصّة. لكن بما أنّ هناك سطحاً معدنياً صلباً ورسالة غامضة تقول إنّ “العملية قيد المعالجة” يحجبان العمل الجاري عن أعين الزبائن، فإنّهم يعتبرون ذلك “السحر” بمثابة أمر مفروغ منه وينظرون إليه بطريقة مختلفة عن الطريقة التي ينظرون فيها إلى تعاملهم وجهاً لوجه مع الصرّافين الذين يعملون على خدمتهم.

أسهمت الأتمتة في تحقيق قدر عال من الكفاءة في السنوات الأخيرة، لكنّها أدّت إلى حصول انفصال بين الزبائن والعمليات وعدم وضوح العمليات للزبائن تحديداً. وبفضل أساطيل الروبوتات التي تلتقط الطلبيات، وأميال أحزمة النقل المؤتمتة، فإنّ التقاط رزمة من رزم أمازون وتوضيبها وشحنها لا يستغرق أكثر من دقيقة واحدة من الجهد البشري – وهذا نوع من التناغم الإعجازي بين البشر والآلات لا يتاح للزبائن أن يلمحوه حتى. وتمتلك شركة جوجل أكثر من مليون خادم كمبيوتري تعمل على الإجابة عن أكثر من ترليون استفسار في السنة – وهي عبارة عن معلومات توزّع خلال جزء من الثانية دون أي تلميح إلى العملية الهائلة الكامنة وراءها.

وحتّى في الحالات التي لم تنصب فيها التكنولوجيا حواجز بين الزبائن والعمل الذي يُنجز لصالحهم، كان القادة هم من نصبوها. ففي المستشفيات، 70% من عمليات التشخيص السريري تحصل في مخابر التشريح المرضي – لكنّ الأشخاص الذين يجرون هذه الاختبارات غالباً ما يكونون مخفيين في القبو أو في موقع خارجي. وهناك مئات الأشخاص الذين لهم يد في عمليات الإقلاع والهبوط الناجحة للرحلات التجارية – لكن في معظم الأحيان لا يرى الركّاب سوى طاقم الطائرة. تذكّروا كل الناس الذين يعملون في المكاتب، والمطابخ، والمخازن، والمصانع ويبذلون جهوداً تحقق قيمة كبيرة لا تقاس لكنّهم لا يدخلون عقول الزبائن على الإطلاق.

تكمن هناك معضلة إدارية حاسمة أعمل على دراستها منذ العقد الماضي. فلطالما ساد اعتقاد يقول إنّه كلّما ازداد حجم الاحتكاك بين عملية ما وزبائنها، كان إنجازها يتّسم بكفاءة أقل. فالزبائن، كما أسماهم باحث في ستينيات القرن الماضي بشجاعة هم “إزعاجات بيئية”. وطبقاً لهذا المنطق، فإنّ فصل الزبائن عن العمليات الداخلية عبر مسافة مادّية، أو زمنية، أو من خلال طرح تكنولوجيا معيّنة، يمكّن الشركات من العمل بقدر أكبر من الكفاءة، وهذا بدوره، يحقّق قيمة أكبر للزبائن. لكنّ بحثي يُظهر أنّ النوّاس يمكن أن يتأرجح زيادة عن اللزوم. فعندما يُحجب الزبائن عن عمليات شركة معيّنة، فإنّهم أقل ميلاً إلى فهم القيمة المتحققة وتقديرها. ونتيجة لذلك، فإنّهم أقل رضاً، وأقل استعداداً لدفع المال، ويحملون قدراً أقل من الثقة، وأهم أقل ولاء للشركة على مرّ الزمن. كما يعاني الموظفون أيضاً عندما يكون هناك انقطاع بينهم وبين الخطوط الأمامية للشركة، بما أنّهم يفقدون الدافع والمتعة اللذين يتأتيان من إحداث فرق في حياة الناس، كما أنهم يُحرمون من فرص التعلّم والتحسّن التي تتأتّى من التفاعل مع الزبائن.

واحد من الحلول التي استكشفتها أنا وزملائي هو طرح مفهوم “شفافية العمليات” – أي وضوح العمليات للزبائن والتصميم المتعمّد لنوافذ تطل على عمليات الشركة في الداخل وتطلّ منها إلى الخارج بهدف مساعدة الزبائن والموظفين على حدّ سواء على فهم القيمة التي تحقّقها وتقديرها. وبغية تحديد متى يجب على المدراء تصميم هذه النوافذ وكيف، ينبغي على هؤلاء المدراء أن يفهموا متى وكيف يرغب الزبائن والموظفون بفتح المجال أمام التدقيق في العمليات – ومتى يفضّل الطرفان أن يُجرى العمل خلف الكواليس.

من وراء الستار 

بدأت بتوثيق التأثيرات المفيدة لشفافية العمليات للمرة الأولى في عام 2008، عندما أنشأت موقعاً وهمياً على الإنترنت يدعى “ترافل فايندر” (Travel Finder) مع زميلي في كلية هارفارد للأعمال مايكل نورتون في إطار دراسة أكاديمية. كنّا قد لاحظنا أنّ وكلاء السفريات، حالهم حال صرّافي البنوك، آخذون بالانقراض بسبب التكنولوجيا – وفي جميع الأحوال بسبب وكالات السفر التي تعمل على الإنترنت. كما لاحظنا أنّ معظم مواقع الإنترنت التي تبيع التذاكر كانت تخفي العمل الذين تنجزه لصالح الزبائن خلف مستطيلات أو دوائر تظهر التقدّم المحرز أو النشاط الجاري، أو خلف رسائل تسويقية من قبيل “هل تعلم أنّ بوسعك أن تحجز فندقك معنا أيضاً؟” وكانت وكالة السفر التي تعمل عبر الإنترنت “كاياك” (Kayak) استثناء للقاعدة. فقد كانت هذه الشركة تبيّن للزبائن عدد شركات الطيران المختلفة التي كانت تجري بحثاً لديها أثناء انتظارهم، وكانت تضع مسارات الرحلات في خانة النتائج عند العثور عليها عوضاً عن إظهارها جميعاً دفعة واحدة. وقد تساءلنا ما إذا كان وضوح العمليات للزبائن وشفافية العمليات هذه ستغير نظرة الزبائن إلى الخدمة.

مع معرض إجرائنا لدراسة السفر، استعنّا بأشخاص للبحث عن رحلات من بوسطن إلى لوس أنجلوس على موقعنا على الإنترنت. وبعد أن أدخلوا معلومات البحث الخاصة بهم، عيّنا بطريقة عشوائية متنوّعة زمن انتظار الناس خلال الفترة التي كان الموقع يجري فيها بحثاً عن التذاكر المحتملة. أثناء الانتظار، كان بعض الناس يرون مستطيلاً يظهر مدى التقدّم المحرز، في حين كان البعض الآخر يرى إلى جانب مستطيل التقدّم المحرز العمل المخفي الذي كان الموقع ينجزه: “حالياً نحصل على النتائج من شركة “أميركان إيرلاينز” (American Airlines) … من “جيت بلو”… 133 نتيجة عثرنا عليها حتى الآن… الآن 427…”. ثم استطلعنا رأي الناس كم كان الموقع قيّماً بنظرهم. بغضّ النظر عن الفترة التي انتظرها الناس، كانوا دائماً يعتبرون الموقع قيّماً أكثر عندما كان يُظهرُ لهم العمل الذي ينجزه لصالحهم. كما أعلنوا عن استعداد أعلى للدفع، وعن تقدير أكبر للجودة، وعن رغبة أكبر في استعمال الموقع مجدداً. لا بل أكثر من ذلك. كانوا أقل حساسية بكثير تجاه الوقت الذي انتظروا خلاله عندما كانوا يعيشون حالة شفافية العمليات. والناس الذين حصلوا على خدمة فورية نظروا إلى الخدمة على أنّها قيّمة مثلهم مثل الناس الذين انتظروا 25 ثانية مع مستطيل يظهر التقدم المحرز، وهو القدر ذاته من القيمة في حالة الناس الذين انتظروا 55 ثانية واختبروا شفافية العمليات. وهذا أمر مذهل في حقبة بتنا نتوقع فيها من الخدمات المقدّمة عبر الإنترنت أن تُنجز خلال أجزاء من الثانية.

عندما يُحجب الزبائن عن عمليات الشركة، فإنّهم سيكونون أقل ميلاً إلى فهم القيمة التي تحقّق فهماً كاملاً، وتقديرها حقّ قدرها. 

في تجارب أخرى، عبّر الناس الذين اختبروا وضوح العمليات للزبائن عن اهتمام أكبر باستعمال موقع الإنترنت مجدّداً في المستقبل، حتى عندما قارنوه بموقع إنترنت أسرع أظهر النتائج ذاتها ولم يُظهر العمل وهو قيد الإنجاز. كما وجدنا أنّ الناس الذين فضّلوا المواقع التي أظهرت لهم العمل على المواقع التي فعلت أشياء أخرى لتشتّت انتباههم عن الانتظار – مثل عرض صور ترفيهية عن وجهتهم، أو رسائل ترويجية حول الخدمات الأخرى التي يوفّرها الموقع، أو لعبة تفاعلية مثل لعبة إكس – أو (X) (O). إذ لم تُسهم أي أنواع من هذه المقاربات في جعل الخدمة تبدو قيّمة أكثر.

فلماذا يبدو أنّ وضوح العمليات للزبائن تمتلك هذه القوّة الفريدة من نوعها؟ استطلعنا رأي الناس الذين حصلوا (ولم يحصلوا) على نظرة من وراء الستار على ما يجري في خدمات متنوّعة مثل المطاعم، ومتاجر التجزئة، ومواقع المواعدة عبر الإنترنت لنعلم كيف تغيّر شفافية العمليات من تصوّراتهم. وقد توصّلنا إلى أنّ الناس الذين كانوا قادرين على رؤية العمل الجاري خلف الكواليس تصوّروا أنّ جهداً أكبر قد بُذِلَ في تقديم الخدمة. كما كانوا يعتقدون أنّ مقدّم الخدمة يمتلك خبرة أكبر وهو أكثر شمولية. وقد قدّروا الجهد المبذول والجودة، وهم بدورهم قدّروا الخدمة أكثر.

ففي قطاع التجزئة، على سبيل المثال، درست أنا وبافيا موهان (من جامعة سان فرانسيسكو) وليزلي جون (من كلية هارفارد للأعمال) ما حصل عندما أضاف متجر للتجزئة عبر الإنترنت رسماً يتضمّن معلومات مدّعمة بالصور (إنفوغرافيك) يسلّط الضوء على التكاليف والعمليات المرتبطة بإنتاج منتجات مختلفة. فعلى سبيل المثال، كانت هناك محفظة تباع بسعر 115 دولاراً علماً أن تكاليفها كانت تبلغ (14.68 دولاراً) للمواد الخام، و(38.56 دولاراً) للتصنيع، و(4.26 دولارات) كرسوم، و(دولار واحد) أجور نقل. ساعد كشف الشركة للتكاليف في أن تُظهرَ للزبائن العمل الذي كان خلافاً لذلك سيظل مخفياً والذي أسهم في تصنيع المحفظة. وفي معرض هذه العملية، بطبيعة الحال، كشف ذلك أنّ الزبائن كانوا يدفعون 115 دولاراً ثمناً لشيء كان تصنيعه يكلّف 58.20 دولاراً. كما أبلغت الشركة الزبائن أيضاً أنّ المبلغ المضاف فوق التكاليف الذي تتقاضاه الشركة بواقع 1.9 ضعف يُعتبر أفضل بالمقارنة مع المبالغ المضافة فوق التكاليف التي يتقاضاها المنافسون وتبلغ ستة أضعاف، علماً أنّ التكاليف التي يتكبّدها هؤلاء المنافسون لصنع منتجاتهم كانت أعلى. وقد وجدنا أنّ مبيعات المحافظ ذات شفافية العمليات ارتفعت بنسبة 26% مقارنة بالمحافظ التي لم تعلن عن تكاليفها.

في التجارب اللاحقة، علمنا أنّ التطوّع بتوفير شفافية المعلومات لم يؤدّ إلى زيادة المبيعات فحسب، وإنما زاد أيضاً من ثقة الناس ومستوى رضاهم – حتى في الحالات التي كانت فيها الثقة خلافاً لذلك ضعيفة، مثل حالة الخدمات الحكومية. فوفقاً لمركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، فإنّ 73% من الأميركيين قالوا في عام 1958 إنّهم كانوا يثقون أنّ الحكومة تفعل الشيء الصائب على الأقل في معظم الأوقات؛ أمّا اليوم، فقد انخفضت النسبة إلى رقم هزيل لا يزيد على 20%. وتشترط بعض القوانين حدّاً أدنى من الشفافية يجب على المسؤولين وصناع السياسات المنتخبين إظهاره بخصوص بعض الأنشطة، لكن ليست الغاية من هذه القوانين تسليط الضوء على العمل غير المرئي غالباً الذي تنجزه الحكومة يومياً لتحقيق القيمة في حياة المواطنين – مثل التخلّص من القمامة، وردم الحفر، وتنظيف الرسوم على الجدران، وإصلاح أعمدة الإنارة المعطّلة في الشوارع.

في عام 2009، أطلقت بلدية بوسطن تطبيقاً للهواتف الذكية يدعى “سيتيزنز كونيكت” (Citizens Connect) (يدعى الآن BOS:311) بهدف تمكين المقيمين في المدينة من تقديم طلبات للحصول على خدمات عامة. ويمكن للمقيم أن يلتقط عبر التطبيق صورة لمشكلة يريد الإبلاغ عنها، مثل حفرة في الطريق، وسوف يُوسمُ الموقع الجغرافي للصورة تلقائياً باستعمال تقنية تحديد الموقع الجغرافي (GPS)، وتُرسل إلى قسم الأشغال العامة. وقد عملت أنا وزميلان هما إيثان بورتر (من جامعة جورج واشنطن) ومايكل نورتون (من كلية هارفارد للأعمال) في شراكة مع مدينة بوسطن ومؤسسة “كود فور أميركا” (Code for America) (المعنية بمعالجة الفجوة الآخذة في الاتساع بين القطاعين العام والخاص في مجال الاستعمال الفاعل للتكنولوجيا والتصميم) في عام 2014 لدراسة كيف يؤثر إظهار العمل الذي يُنجز على تصوّرات الناس تجاه الحكومة. وقد وجدنا أنّه عندما تفاعل الناس مع موقع إنترنت أظهر صوراً عن العمل الذي كان قيد الطلب أو الإنجاز، فإنّ حجم ثقتهم بالحكومة ودعمهم لها كانا أكبر بكثير بالمقارنة مع الحالة التي تفاعلوا فيها مع موقع يظهر ببساطة تعداداً للقضايا المبلغ عنها والتي كانت قيد المعالجة. لا بل أكثر من ذلك. عندما مضت المدينة خطوة إلى الأمام وطلبت من الموظفين التقاط صور للأعمال التي كانوا يعكفون على إنجازها، ومشاركتها مع الناس الذين تقدّموا بالطلبات الأصلية، فإنّ المستخدمين أصبحوا أكثر تفاعلاً بكثير، الأمر الذي زاد من عدد الطلبات التي قدّموها شهرياً بنسبة 60% ورفع من نسبة المشاكل المبلغ عنها في 40% أكثر من الفئات. وقد مكّن تزايد تفاعل المواطنين بلدية بوسطن من تخصيص عدد أكبر من العمّال لحل المشاكل وعدداً أقل من العمّال للبحث هذه المشاكل، ممّا يسمح بإنجاز قدر أكبر من الأعمال.

عندما كان الناس قادرين على رؤية صور عن العمل الذي كان قيد الطلب أو الإنجاز، فإنّ حجم ثقتهم بالحكومة ودعمهم لها كانا أكبر بكثير بالمقارنة مع الحالة التي كانوا يحصلون فيها ببساطة على تعداد للقضايا المبلغ عنها والتي كانت قيد الحل.

يمكن للتطبيق المتأنّي للشفافية أن يحقق القيمة حتى في الأوضاع التي يُحتفى فيها تقليدياً بالخصوصية، مثل الرعاية الصحية. فقد تعاونت أنا وكماليني رامداس ونازلي سونميز من كلية لندن للأعمال مع أطباء في مستشفى آرافيند لطب العيون في مدينة بونديتشيري في الهند لدراسة تطبيق شفافية العمليات في تقديم الرعاية الصحية لمرضى الزرق (الذي يعرف أيضاً باسم المياه الزرقاء أو الغلوكوما) وهو مرض عيني يعتبر ثاني سبب رئيس للعمى ويصيب ما يقارب 12 مليون إنسان في الهند. أعطي بعض المرضى في دراستنا مواعيد مع أطبائهم وفقاً للآلية الطبيعية المتّبعة في المستشفى. ومُنح الآخرون مواعيد مشتركة مع ثلاثة أو أربعة مرضى آخرين. وفي المواعيد المشتركة، تمكّن المرضى من رؤية ما يراه الطبيب عند فحص عيون الآخرين وسماع الأسئلة التي يطرحها المرضى الآخرون. وتشير نتائج تعاوننا المستمر حالياً إلى أنّ المرضى الذين يحصلون على مواعيد طبية مشتركة أكثر رضى وتفاعلاً خلال تجربتهم، وأميل إلى طرح الأسئلة، والتعلّم أكثر من تفاعلاتهم، وهم أكثر التزاماً بالوصفات المعطاة لهم، وأكثر ميلاً إلى العودة إلى جلسات المتابعة بالمقارنة مع المرضى الذين يحصلون على مواعيد فردية تقليدية مع طبيبهم.

على الرغم من أنّ الشركات تبذل عموماً جهداً كبيراً لجعل خدماتها تبدو وكأنها تنجز بأقل جهد ممكن، إلا أنّ الأمثلة عن المؤسسات التي بدأت تجرّب بأشكال مختلفة من وضوح العمليات للزبائن والشفافية أصبحت أوفر. فعندما يستعمل الزبائن جهاز صرّاف آلي لسحب المال من حساباتهم في مصرف “بي بي في أيه” (BBVA) في إسبانيا، فإنّ نظام الجهاز الملوّن بالكامل يعرض تمثيلاً بصرياً للعملة وهي تعدّ، وتفرز، وتجهّز للتوزيع. وفي معظم نوافذ خدمة السيارات في مقاهي ستاربكس في الولايات المتحدة الأميركية، استُبدل نظام التواصل موضوح العمليات للزبائنع الزبائن بشاشة فيديو ونظام كاميرا. وعندما يحدّد الزبائن طلبهم، فإنّهم يتواصلون وجهاً لوجه مع ساقي المقهى أثناء إدخال الطلب في آلة الحساب والفواتير ووضع التعليمات على كل كوب. وفي سلسلة مطاعم “دومينوز”، بوسع الزبائن استعمال تطبيق تتبّع البيتزا (Pizza Tracker) الخاص بالشركة لمشاهدة عمّال المطبخ وهم يهيئون البيتزا، ويخبزونها، ويوضّبونها تمهيداً لتسليمها.

وتعمل المدونات الصوتية لكل من الراديو الوطني العام (NPR) وصحيفة نيويورك تايمز على الربط بين المستمعين والقراء من جهة، والعمل الذي ينطوي عليه البحث في العناوين الإخبارية لليوم وإنتاجها وتقديمها، وهو عمل سيظل خلافاً لذلك بعيداً عن الأعين وغامضاً. فالراديو الوطني العام ينشر مدوّنات صوتيّة حيّة من استديوهاته، بينما تُجري مدوّنة “ذي ديلي” (The Daily) الصوتيّة التابعة لصحيفة نيويورك تايمز لقاءات مع مراسلي الصحيفة أنفسهم. وفي ديترويت، استثمر مكتب عمدة المدينة في موقع للإنترنت باسم “تتبّع التحسّن المحرز في الأحياء” (Neighborhood Improvement Tracker)، وهو عبارة عن موقع للتفاعل مباشرة مع عامّة الناس يُظهر الجهود المبذولة على مستوى كل محضر من محاضر الأراضي والموجّهة لاستعادة المدينة لعافيتها، مثل عمليات الهدم المجدولة زمنياً والمستكملة لإزالة الأنقاض في المدينة، وتراخيص البناء المُصدرة لتعزيز المجتمع.

البرهان واضح: يمكن لشفافية العمليات أن تسهم في حصول إعادة تشكيل جوهرية للطرق التي يفهم بها الزبائن المؤسسات التي تعمل على خدمتهم، والطرق التي ينظرون بها إليها، ويتفاعلون بها معها. ولكن ماذا عن الموظفين؟

إغلاق الدارة بالنسبة للموظفين

توصّلت دراسات رائدة شملت القطاعات الخدمية في بداية الألفية الجديدة إلى أنّ المحفّز الأساسي للرضا بين الموظفين هو معرفتهم أنّ شركتهم تقدّم النتائج المرجوّة إلى زبائن سعداء. ففي دراسة جرت عام 2007 بقيادة آدم غرانت، وهو المتخصّص بعلم نفس المؤسسات والأستاذ الجامعي في كلية وارتون، توصّل الباحث إلى أنّه عندما التقى الوكلاء في مركز الاتصالات الذين يحاولون جمع التبرّعات لصالح المنح الدراسية الجامعية بعض الطلاب الذين كانوا يحصلون على الدعم جرّاء عملهم، فإنّ إنتاجيتهم ومثابرتهم وصلتا عنان السماء. ولكن ما الذي يحصل عندما يكون هناك تفاعل آني بين الزبون والموظف؟

في عام 2012، أجريت أنا وتامي كيم (من كلية داردن للأعمال)، وتشيا جونغ تساي (من جامعة كلية لندن)، تجربة في قاعة آنينبرغ للطعام في هارفارد، التي تقدّم أكثر من 3 آلاف وجبة يومياً. كانت القاعة قد بنيت في القرن التاسع عشر في وقت كان من المعيب فيه أن يتمكّن من يتناولون الطعام من رؤية العمل الجاري في المطبخ. بموجب ذلك التقليد، يجب على متناول الطعام الذي يرغب في الحصول على البيض، أو شطيرة طازجة، أو هامبرغر، أو الأطعمة المشوية المطهية بطريقة معيّنة يفضّلها أن يكتب طلبه على قطعة ورق وأن يسلّمها إلى موظف يمرّرها عبر نافذة صغيرة إلى المطبخ، حيث يقرأ طاهٍ الطلب، ويطهو الطعام، ويمرّره مجدداً عبر النافذة لكي يأخذه موظف ويعطيه إلى الزبون. لا يمكن للطهاة رؤية الزبائن، ولا يمكن للزبائن رؤية الطهاة.

ركّبنا جهازي آيباد مزوّدين ببرمجيات للمؤتمرات المرئية عبر الفيديو – واحد في مكان تلقّي الطلبات، يُظهر الزبائن، وواحد في المطبخ، يُظهر الطهاة. ثمّ حددنا الزمن المستغرق في إعداد مجموعة متنوّعة من الأطباق، وقسنا مدى رضا الطاهي ومتناول الطعام. وعندما شغّلنا أجهزة الآيباد بطريقة تسمح للطهاة فقط برؤية زبائنهم، ارتفعت نسبة رضا الزبائن عن الطعام بنسبة 14%. وعندما شغّلنا أجهزة الآيباد بطريقة تسمح للزبائن برؤية الطهاة أيضاً، ارتفعت نسبة الرضا بواقع 22%، بينما ازدادت سرعة عمل الطهاة بمقدار 19%. وقد قال لنا أحد الطهاة ما يلي: “عندما يستطيع الزبائن رؤيتنا ونحن نعدّ طعامهم، فإنّهم يقدّرون ذلك، وأنا أقدّر ذلك. وهذا يمدّني بالرغبة في التحسين”.

عندما تتسبّب الشفافية باعتراض الناس على ما يرونه، بوسع المؤسسات الاعتماد على التجربة للتوصّل إلى مقاربات بديلة.

ومن خلال المسوح القائمة على استطلاعات الرأي والتجارب التقليدية، عرفنا أنّه عندما كان الزبائن يرون الطبّاخين يطهون طعامهم، فإنّهم كانوا يتصوّرون أنّ هناك جهداً أكبر يُبذل في خدمتهم، وكانوا يقدّرون الجهد، ويثمّنون الخدمة أكثر. وعندما كان بمقدور الطهاة رؤية زبائنهم – أي الناس الذين كانوا يستفيدون من جهودهم – فإن العمل الذي كانوا ينجزونه بدا أنّه يحظى بتقدير أكبر ويترك أثراً أكبر، ممّا جعلهم أكثر رضا عن عملهم وأكثر استعداداً لبذل الجهد. لقد كان ذلك بمثابة حلقة مكتملة ومثمرة.

لنأخذ المثال التالي أيضاً، وهو شركة تنظيف القطارات اليابانية، “تساي” (Tessei) التي أجريت بحثاً بشأنها مع إيثان بيرنستاين في معرض دراسة حالة لصالح كلية هارفارد للأعمال. فشركة تساي موكلة إليها مهمّة جسيمة وضخمة تتمثّل في تنظيف القطارات الفائقة السرعة المعروفة باسم “شينكانسن” (Shinkansen)، أو “قطارات الطلقة” أثناء توقّفها لفترات وجيزة في محطة طوكيو – ألف مقعد خلال سبع دقائق. وهذا يكافئ تنظيف ست طائرات من طراز بوينغ 737 في أقل من نصف الوقت المخصّص عادة لتنظيف طائرة واحدة. في بداية الألفية الجديدة، كان موظفو تيسي يعانون في إنجاز المهمّة المطلوبة. وكان جزء من التحدّي يتمثّل في أنّ العمل لم يكن يحظى بالتقدير الكافي. فقد كان معروفاً أنّ تنظيف قطارات الطلقة هو عمل قذر وصعب، وبالتالي فإنّ عمل الشخص كعامل تنظيف في تساي كان يُعتبرُ أمراً معيباً في اليابان. وبناء عليه، فإنّ العمّال كانوا يفعلون أي شيء ليتحاشوا لفت انتباه الزبائن. ولكن في 2005، عمل قائد جديد هو تيرو يابي على إعادة تنشيط الخدمة، جزئياً من خلال الترويج لشفافية العمليات بين الزبائن والموظفين. فبعد أن غيّرت الشركة الزي الموحّد ذا اللون الأزرق الباهت غير المرئي للموظفين (الذي كان يتماهى مع ألوان بدن القطارات) إلى اللون الأحمر المفعم بالنشاط، بدأ المسافرون يرون العمل الذي تنجزه هذه الطواقم ويقدّرونه. وبعد اتخاذ تدابير لزيادة حجم التفاعل بين العمّال والركّاب، شعر الموظفون أنهم يحظون بتقدير أكبر، وشعروا بإحساس أكبر بالغاية من عملهم. وبدأ الموظفون يقترحون تحسينات على العملية، في حين بدأ الزبائن يتدخّلون للمساعدة في تنظيف مقاعدهم. وكانت هذه التحسينات في الأداء من النوع القابل للقياس الكمّي أيضاً؛ أمّا اليوم، فإنّ فريق تيسي قادر على تنظيف قطار واحد في أربع دقائق.

وتقطع سلسلة فنادق “أوبيروي هوتيل” (Oberoi Hotels) الفخمة، ومقرّها الهند، شوطاً إضافياً في تطبيق شفافية العمليات كما عرفت من أبحاثي التي أجريتها لصالح دراسة حالة في كلية هارفارد للأعمال مع أنانث رامان (من كلية هارفارد للأعمال) وفيديا موثورام (من كلية بلافاتنيك للحكومة). فكل موظف في الشركة مخوّل مسبقاً بإنفق 1,500 روبية هندية (أي ما يعادل 25 دولاراً أميركياً) لإدخال السعادة إلى قلوب الضيوف. وكلّما عرف الموظفون بفرصة لتقديم الخدمة بطريقة تناسب زبوناً معيّناً وتسهم في تحسين تجربته، فإنّهم مدعوون إلى اغتنامها. الشرط الوحيد هو أنّ على الموظفين تسجيل ما قاموا به ليكون بمقدور الشركة والموظفين الآخرين التعلّم من إبداعهم. قاد ذلك إلى حلقة من الآراء التقويمية التي تعزّز لدى الموظفين إحساساً أكبر بالغاية، وتساعد الزبائن على الشعور أنّ هناك من يرعاهم بطريقة أفضل، وتحسّن التعلّم المؤسسي. وبفضل هذه الجهود جزئياً، تتلقّى فنادق “أوبيروي” بصورة روتينية تقويمات رائعة في استطلاعات آراء الزبائن، كما أنّ الشركة مصنّفة على الدوام على أنّها واحدة من أفضل العلامات التجارية للفنادق الفخمة في العالم.

في السياقات التي لا تسمح عملياً بتصميم تفاعل قائم على التعامل المباشر وجهاً لوجه بين الموظفين والزبائن، يمكن استعمال التكنولوجيا لتسهيل شفافية العمليات بطريقة ناجحة. ففي عام 2013، أطلقت سلسلة مطاعم دومينوز ميزة تجريبية تدعى “دومينوز لايف” (Domino’s Live) في أحد مطاعمها في مدينة سولت ليك سيتي، إذ ركّبت كاميرات إنترنت في المطبخ. وبالاعتماد على تطبيقها “بيتزا تراكير” (Pizza Tracker)، والذي يعني “متتبّع البيتزا”، كان بإمكان الزبائن الذين يطلبون البيتزا في مدينة سولت ليك سيتي الدخول إلى التطبيق ومشاهدة بث حي لعملية تحضير البيتزا. وكما تبيّن فإنّ عشرات آلاف الناس من أنحاء البلاد دخلوا إلى التطبيق لمراقبة بيتزا الناس الآخرين وهي قيد التحضير. وعندما أدركت دومينوز الإمكانيات التي تنطوي عليها هذه الميزة، فإنّها طرحتها عبر موقع فيسبوك، وفي كل مرّة ينقر فيها شخص على زر “أعجبني” أو (Like)، فإن “ضوء الإعجاب” ينير في المطبخ، ليُعطي بذلك إشارة إلى صانعي البيتزا أنّ هناك شخصاً ما يراقب قدّر العمل الذي يقومون به. على الرغم من أنّ دومينوز أوقفت خدمة “دومينوز لايف” إلا أنها أضافت ميزة إلى تطبيق “بيتزا تراكير” تمكّن الزبائن من إرسال ملاحظات تشجيعية عبر التطبيق إلى الأشخاص الذين يعكفون على تحضير البيتزا لهم – وهي عبارة عن رسائل محدّدة سلفاً من قبيل “لا أعلم ماذا كنت سأفعل من دونكم” و”أنتم أبطالي الذين تجيدون صنع البيتزا”. وفي تحرّك مشابه، حدّثت شركة أوبر تطبيقها مؤخراً لتسمح للركّاب باستكمال العلاقة مع السائقين من خلال حثّهم على إرسال ملاحظات الشكر، إلى جانب النصائح، إلى السائقين بعد انتهاء رحلة الركوب. وكما فسّر أحد السائقين الأمر قائلاً: “أشعر أنّ نهاري مليء بالسعادة عندما أدخل السعادة إلى نهار شخص آخر”.

خطر الارتداد السلبي من وضوح العمليات للزبائن

على الرغم من كلّ المنافع التي تجلبها شفافية العمليات، إلا أنها لا تعطي دوماً نتائج إيجابية. ففي بعض الحالات والظروف، يمكن أن تشكّل رادعاً للزبائن أو قد تقوّض عمل الموظفين. ولكن حتّى في تلك الحالات، يجب على المدراء أن يفكّروا مرتين قبل اختيار الشفافية الكاملة. ولا بدّ من دراسة وضوح العمليات للزبائن والشفافية بحذر وتأنّ عندما:

تكشف عن أشياء لا يريد الناس بصدق رؤيتها. قلّة من الناس قد يرغبون بالنظر إلى ما هو حاصل خلف الكواليس في عملية جمع القمامة أو قد يستمتعون برؤية لقطات مأخوذة من كاميرا مثبتة في مقدمة سيارة شرطة تظهر لقطات صدامية عنيفة مع أفراد من سلك الشرطة. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين الشفافية التي تستدعي رد فعل من قبيل “أفضل ألا أرى ذلك” والشفافية التي تستدعي رد فعل من قبيل “هذا الأمر لا يجب أن يحصل”. في حالة الخدمات التي لا يهتم بها الناس حقاً أو يجدونها غير جذابة، يجب على الشركات أن تبحث عن طرق لاستعمال الشفافية كأسلوب لتغيير طريقة تفكير الناس تجاه الخدمة وتفاعلهم معها. على سبيل المثال، انتقلت مدينة هاليفاكس في مقاطعة نوفا سكوتيا الكندية إلى استعمال أكياس القمامة الشفّافة في 2015 لكي يتمكّن الجميع من رؤية ما هي الأشياء التي تلقى في الزبالة. وقد حصل تراجع في عمليات جمع القمامة من على نواصي الطرق بنسبة 30%، في حين تزايدت نسبة إعادة التدوير بمقدار 20% تقريباً. عندما تتسبّب الشفافية باعتراض الناس على ما يرونه، بوسع المؤسسات الاعتماد على التجربة للتوصّل إلى مقاربات بديلة تحسّن الممارسات في المستقبل. فقد قادت الأفلام الملتقطة عبر الكاميرات المتثبّتة في مقدّمة سيارات الشرطة والتي تظهر العنف المفرط لأقسام الشرطة إلى حالة غضب عارمة بين صفوف عامّة الناس، لكنّها حسّنت أيضاً من الإشراف والمساءلة، وأطلقت العنان لحوارات قادت إلى تغيير في السياسات، وحسّنت التدريب المقدّم إلى العاملين على الخطوط الأمامية. قد تكون عبارة “البعيد عن العين بعيد عن البال” مصدراً أكبر للراحة في اللحظة الراهنة، لكنّها نادراً ما تضمن الوصول إلى النتائج الفضلى على المدى البعيد.

تقود إلى الشعور بالقلق. إنّ اطلاع الزبائن على كل خطوة في عملية دراسة وضعهم الائتماني لإعطائهم قرضاً، أو النظر إلى الموظفين من الخلف أثناء عملهم، هي أمور تضخّم من الشعور بالقلق. فقد وجد إيثان بيرنستاين من كلية هارفارد للأعمال أنه عندما وضعت ستائر حول خطوط الإنتاج في شركة متخصّصة بصناعة الهواتف الخلوية، ازدادت الإنتاجية بنسبة 10% إلى 15%. فبعد أن تحرر العمال من الأعين المتلصصة شعروا بقدر أكبر من التركيز وبتسامح أكبر مع تجريب طرق لتحسين العمليات القياسية. لا بل أكثر من ذلك. فقد شعر العمال بالأمان بحيث تبادلوا الأفكار مع بعضهم البعض، وبنوا روحاً رفاقية ضمن الفريق، وحسّنوا الأداء. فعندما تجعلنا الشفافية نشعر أننا خاضعين للمراقبة، فإنّها قد تجعلنا أسرى؛ لكن عندما تساعدنا على الشعور بالتفاعل، فإنّها يمكن أن تساعدنا في المضي قدماً. فعلى سبيل المثال، توصّلت أنا وزميلتي ميشيل شيل من كلية هارفارد للأعمال إلى أنّه عندما كان الزبائن الذين يخضعون إلى تقويم شفاف للحصول على قرض قد مُنِحوا أيضاً إمكانية الاتصال بسهولة بشخص داعم لطرح الأسئلة عليه أثناء العملية، فإنّ احتمال مضيّهم قدماً في موضوع القرض، إذا ما قدّم لهم، ازداد.

تنسف إيماننا بالعلاقة. عندما تكشف الشفافية أنّ شركة ما لا تتعامل بطريقة عادلة أو أنّ ممارساتها تخرق المعايير الاجتماعية المتّفق عليها، فإنّ ذلك سيزعج الزبائن وهو أمر مفهوم. فحالات الغضب الجماعي التي تصيب المسافرين جوّاً – عندما يتسبّب راكب مغتاظ بهبوط الطائرة قبل موعدها – أعلى في الرحلات التي تضمّ درجة رجال أعمال ودرجة اقتصادية ويركب كل الركّاب من الجهة الأمامية في الطائرة، الأمر الذي يجبر الناس في الدرجة الاقتصادية على اختبار شعور عدم التفاوت. وقد وجدت هذه الدراسة التي أجرتها كاثرين دي سيليس (من كلية روتمان للإدارة) ومايكل نورتون أنه عندما يركب الناس الطائرة من منتصفها، بحيث يكون منسوب الشفافية أقل، فإنّ التأثير يختفي. أو لنأخذ مثلاً الممارسة التسويقية الشائعة على نطاق واسع والمتمثلة في عرض الإعلانات بحسب الخيارات الشخصية لمن يشاهدها. لقد وجدت تامي كيم، إلى جانب كل من كيت باراسيز (من كلية هارفارد للأعمال) وليزلي جون، أنه عندما تكون الشركات شفافة بخصوص توجيه إعلانات الإنترنت على أساس الأشياء التي كشفناها عن أنفسنا، فإنّنا نقدّر هذه الشخصنة. ولكن عندما تظهر لنا الشفافية عوضاً عن ذلك أن هذه الشركات تصمّم الإعلانات وفقاً لأشياء استنتجها عنّا، فإنّ ذلك يزعجنا. كما أنّ الزبائن يتذمّرون عندما يتّضح خلافاً لذلك أنّ الشركات تشارك معلوماتها مع أطراف أخرى دون إذن.

تدمّر الحالة السحرية. في بعض الأحيان، قد نرغب في تأجيل إظهار حالة عدم التصديق الموجودة لدينا، وتوفير قدر زائد من الشفافية سيجعل ذلك مستحيلاً. فمتاجر التجزئة التي تبيع مجوهرات فاخرة، أو أدوات موسيقية، أو ديكورات منزلية غالباً ما تحتفظ بالمخزونات الإضافية من معروضاتها بعيداً عن صالة العرض لإعطاء القطع التي نراها مساحة خاصة من الغموض والفرادة. فالوهم الموجود لدينا من أنّ خاتمنا أو غيتارنا أو مزهريتنا فريدة من نوعها يعزّز تجربتنا. وعلى المنوال ذاته، حتى عندما تكون درجة الحرارة في الخارج هي 30 درجة مئوية، فإنّ الممثل الذي يؤدّي دور ميكي ماوس في ديزني لاند يجب أن يظل مرتدياً الزي ذي الرأس الثقيل خلال الاستعراض. لا شيء يمكن أن يدمّر تجربة الإيهام مثل الشفافية الزائدة. في حالات أخرى، نشعر بسعادة عارمة عندما تقع أعيننا على السر. فالجولات في المصانع والعروض التي تبيّن لنا “كيف تصنع الأشياء” منتشرة على نطاق واسع، ونحن نصب بغبطة شديدة عندما نشاهد الأخطاء والعثرات التي حصلت أثناء تصوير فيلمنا المفضّل. في الحقيقة، توفّر ديزني تجربة “الكواليس السحرية” للأشخاص الذين يختارون طوعاً التلصّص على ما يحصل وراء الستار.

تكشف عملية غير فاعلة. عندما تكشف الشفافية النقاب عن الموظفين الذين يتّسمون بعدم القدرة أو اللامبالاة أو قلّة الحيلة في تحقيق القيمة التي تعد الشركة بتحقيقها، فإنّ الزبائن يمكن أن تثور ثائرتهم. هل تتذكّر آخر مرّة كنت فيها بانتظار الحصول على خدمة معيّنة ورأيت فيها موظفين يتجاذبان أطراف الحديث بشكل ظاهر عوضاً عن مساعدتك؟ أو هل تتذكّر آخر مرّة طفح بك الكيل فيها ووصلت درجة غضبك حدّ الغليان عندما ردّد مندوب خدمة الزبائن على مسامعك اعتذارات متكررة عن مشكلة لكنّه لم يكن يمتلك السبيل أو السلطة لعلاج الوضع؟ وفي هذه الأثناء، فإنّ تعريض الموظفين للعمل مع زبائن يشعرون بخيبة الظن وبسلبية مفرطة، مع غياب أي أمل بإرضائهم، يمكن أن يكون وصفة للاحتراق النفسي. فنسبة تقلّب الموظفين في العديد من مراكز الاتصالات، على سبيل المثال، تتجاوز 150% سنوياً. وغالباً ما تنشأ حالات من هذا القبيل عندما لا تكون الشفافية قد صمّمت لتكون متبادلة ولكي تحفّز على التعلّم. فالشفافية المترافقة بآليات لجمع الآراء التي يقدّمها الزبائن والتعلّم منها، يمكن أن تسرّع التحسّن وأن توجد الفرص التي تسرّع هذا التحسّن.

تكشف أن الجهود الفضلى للشركة تفضي إلى نتائج سيئة. عندما يستطيع الناس أن يروا أنّ الكثير من الجهود المبذولة في الأروقة الخلفية ذهبت سدى لأنها أوصلت إلى نتيجة غير كافية، فإنّ ذلك يعزّز الانطباع القائل إنّ الشركة سيئة فيما تفعله. ففي تجربة أجريتها مع مايكل نورتون، تفاعل المشاركون مع واحد من موقعين على الإنترنت للمواعدة أعطاهم نتائج غير مُرضية. وقد نظر المشاركون إلى الموقع الذي أظهر حجم الجهد الكبير الذي كان يبذله على أنّه أسوأ من الموقع الذي أعطى النتيجة السيئة ذاتها لكنّه لم يُظهر الجهد المبذول. وكان الانطاع هو التالي: “بذلتَ جهداً كبيراً، وهذا أفضل ما توصّلت إليه؟ هذا يعني أنك لا تجيد عملك جيّداً”. ومع ذلك، عندما تُرتكب الأخطاء، فإنّ الشفافية التي تأتي في وقتها تظل عادة هي المسار الأفضل. فالزبائن قد يعاقبون الشركات التي تفشل في إظهار الشفافية بخصوص الخطوات غير الصائبة أو الأخطاء، مشكّكين في دوافع المؤسسة وراء إخفاء المعلومات. فقد يتساءل الزبائن: “لماذا انتظرت شركة “إكويفاكس” (Equifax) 40 يوماً لإبلاغ 143 مليون إنسان أن معلوماتهم السرّية قد اخترقت؟” أو “لماذا انتظر فيسبوك ثلاث سنوات حتى يكشف عن دخول “كامبريدج أناليتيكا” بطريقة غير ملائمة إلى سجلات 50 مليون مستخدم؟”.

تُظهرُ أن منتجات الشركة أو خدماتها في سوية أدنى من سوية منتجات المنافسين وخدماتهم. أحد الركائز الأساسية لقطاع الأعمال يظل صالحاً: إذا اكتشف زبائنك أنّ منتجاتك ذات جودة سيئة، أو ثمن باهظ للغاية، أو أقل جاذبية بالمقارنة مع عروض منافسيك، فإنهم سيبحثون عن ضالّتهم في مكان آخر. فقد توصّلت أنا وشويثا مارياداسو (من جامعة ستانفورد)، ويانتشونغ جان (من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي)) إلى أنّ هذه الاكتشافات تلحق أكبر قدر من الضرر عندما يُنظر إلى مستوى أداء شركة معيّنة على أنّه أدنى من معيار معين لدى المنافس أو في القطاع المعني. من جهة أخرى، يمكن للشفافية التي تكشف الأداء الضعيف لدى زبون معيّن – على سبيل المثال، عندما تعلن شركة كهربائك أنك تستهلك كمية من الكهرباء تفوق الكمية التي يستهلكها جيرانك – أن تشكّل محفزاً محتملاً للتغيير. ويمكن للتأثير أن يكون قويّاً بشكل خاص عندما تكشف الشركة عن تغيّرات غير جذّابة في أدائك: أنت زدت استهلاكك بنسبة 5%، لكنّ جيرانك خفّضوا استهلاكهم بمعدّل وسطي يبلغ 3%.

تسلّط الضوء على غياب التقدّم المحرز. إنّ شعورنا بعدم اليقين تجاه وضعنا يجعلنا نحسّ بعدم الراحة والانزعاج. وهذا هو السبب الذي يجعل المستطيلات التي تُظهر مدى التقدّم المحرز منتشرة على نطاق واسع على الإنترنت، والسبب الذي يجعل شركات “أميركان إيرلاينز” و”دلتا للطيران” و”يونايتد إيرلاينز” للطيران الآن تُظهر تحديثاً لوضع أمتعة الركّاب طوال الرحلة، بحيث باتت ترسل إشعارات إلى الهاتف المحمول عندما تمر الحقائب عبر أجهزة المسح، وتحمل، وتفرغ، وتوضع في منطقة استلام الأمتعة، وهكذا دواليك. فنحن نحب امتلاك الشعور بالمضي قدماً، والشفافية التي تُظهرُ العكس يمكن أن تكون مُحبطة. فعلى سبيل المثال، في تجربة جرت مؤخراً، وجدت أنّه عندما كان الناس الذين ينتظرون الحصول على خدمة معيّنة قادرين على رؤية أنّه لا يوجد أحد قد انضمّ إلى الطابور خلفهم، فإنهم أميل بكثير إلى التخلّي عن الانتظار بالمقارنة مع عدم معرفتهم لما إذا كان أحد قد انضمّ إلى الطابور أم لا. فإظهار عدم إحرازهم للتقدّم في نهاية الطابور يجعلهم يتساءلون عن جدوى استمرارهم في الانتظار. من جهة أخرى، عندما يتمكّن الناس الذين ينتظرون الحصول على الخدمة من رؤية الوقت الذي أمضوه في الانتظار يثمر عن إحراز تقدّم من نهاية الطابور، فإنهم أميل بشكل كبير إلى البقاء في الطابور.

تكشف أنّ عمليات الشركة تؤذي العمّال أو البيئة. أسهمت التغطية الإخبارية لانهيار مبنى رانا بلازا، في عام 2013، وهو حادث أودى بحياة الكثير من عمّال النسيج البنغال، وتسبّب بجرح الآلاف منهم، وللتسرّب النفطي في عام 2010 في ديب ووتر هورايزون الذي قاد إلى انتشار ملايين البراميل النفطية في خليج المكسيك، في تسليط الضوء على ظروف العمل غير الإنسانية والمعايير البيئية غير المناسبة التي أعادت تغيير شكل المبادرات التي تقوم بها الشركات في مجال استدامة سلسلة التوريد. فالشفافية في مثل هذه المشاكل يمكن أن تتسبّب بردّ فعل سلبية قوية وسريعة لدى الزبائن. ولهذه الغاية، فإنّ الشفافية تعتبر نوعاً من الاختبار: إذا كنتم لا تريدون للناس أن يروا كيف تعاملون موظفيكم أو كوكب الأرض، فإنّكم بحاجة ربما إلى إدخال بعض التغييرات. من جهة أخرى، عندما تكشف الشفافية عن أنّ الشركات تعمل بطريقة مستدامة، فإنّها يمكن أن تترك أثراً في غاية القوّة.

أجريت أنا وباساك كالاناتشي من معهد جورجيا للتكنولوجيا تجارب ميدانية مع شركة “آلتا غراسيا” (Alta Gracia)، المتخصّصة بصناعة الأزياء والتي تدفع أجور معيشة إلى عمّالها في جمهورية الدومينيكان، ومع شركة “كاونتر كالتشر كوفي” (Counter Culture Coffee)، التي تتّخذ من كارولينا الشمالية مقرّاً لها وتزاول أنشطتها في مجال تحميص القهوة بطريقة مستدامة بيئياً. ونحن نتعاون مع “مشروع لوما” (Looma Project) لإنتاج فيديو قصير يظهر لقطات عن ظروف العمل داخل مصنع “آلتا غراسيا” ويعرض لمقابلات مع العمّال الذين يناقشون أجور المعيشة التي تدفعها “آلتا غراسيا”. وأنتجنا فيلم فيديو مشابهاً يسلّط الضوء على ممارسات “كاونتر كالتشر كوفي” المستدامة بيئياً، مثل تحويل بقايا عملية التحميص إلى سماد للتقليل من النفايات المخصّصة للطمر. أسهم عرض فيلمي الفيديو هذين في أكشاك البيع في زيادة احتمال شراء الزبائن لمنتجات الشركة بنسبة 20% تقريباً، مقارنة بمجردّ عرض أفلام فيديو حول العلامة التجارية.

تكون خادعة. تعتبر الشفافية مفيدة عندما تكشف النقاب عن العمل، ولكن عندما يُستغلّ وهم الشفافية للخداع أو التلاعب، فإنّه يرتدّ سلباً بطريقة مريعة. فعندما يتّصل الزبائن بشركة “أيه تي آند تي” (AT&T) أو آبل لطلب الدعم من قسم خدمة الزبائن، فإنّ الأنظمة المؤتمتة في الشركتين تعرض أثناء الاتصال لصوت عملية طباعة بين الأوامر الصوتية لإرسال إشارة أنّ هناك عملاً جارياً. والزبائن بدورهم يفهمون معنى هذه الإشارات ولا يخلطون بينها وبين صوت شخص فعلي ينجز مهمّة. لكن يمكن للشركات بسهولة أن تنزلق عن الطريق القويم. فعلى سبيل المثال، قبل بضع سنوات، استخدمت شركة تسمّى “بريميير هيلث بلانز” (Premier Health Plans) برنامجاً كمبيوترياً للحديث نيابة عن وكلاء التسويق الهاتفي الذين كانوا يتحدّثون بلكنات ثقيلة. وكانت المكالمات تبدأ عادة بتعريف الوكيلة عن نفسها على أنها “سامانتا ويست” وتطرح عليهم سؤالاً أولياً مما يدفع الزبائن إلى الاعتقاد أنهم يتفاعلون مع مندوب خدمات من لحم ودم. لكن لحظات التوقّف الغريبة بين الجمل المتبادلة، ومحدودية ذخيرة البرنامج من العبارات، والتكرار الميكانيكي كلمة بكلمة الذي كان يحصل خلال الحوارات دفع الزبائن المتشككين إلى المقاطعة سائلين: “هل أنت روبوت؟” وبما أنّ المبرمجين كانوا قد توقعوا هذا الاحتمال، فقد أضافوا تسجيلاً لصوت ضحكة آسرة مع الرد التالي: “أنا شخص حقيقي. هل تسمعني على ما يُرام؟” ولم يكن الزبائن يصدّقونها. وسرعان ما ظهرت تسجيلات على الإنترنت لأشخاص يحققون مع سامانتا ويست ليكشفوها بوصفها ضرباً من الاحتيال.

في الآونة الأخيرة، أعلنت جوجل عن خططها لإطلاق روبوت هاتفي أكثر تعقيداً يدعى “جوجل دوبليكس” (Google Duplex)، وهو مؤتمت بالكامل ويمكن أن يحل مكان البشر تماماً – إذ بوسعه الاتصال بالمطاعم وصالونات حلاقة الشعر لطلب الحجوزات والمواعيد نيابة عن مستخدميه. تعتبر هذه التكنولوجيا من النوع الذي يخطف الأنفاس، وثمّة إمكانية هائلة لتحقيق القيمة، ولكن ما لم يُعدّل دوبليكس لكي يكون شفافاً بطريقة حقيقية، من الصعب أن نتخيّل أن من يخدعهم سيسامحونه.

كيف تستعملون شفافية العمليات في مؤسستكم؟

نظراً لكل المزايا والفخاخ المحتملة من وضوح العمليات للزبائن والشفافية، يجب على المدراء أن يتأنّوا في كيفية تطبيقها. ويجب عليهم أخذ العوامل التالية بالحسبان عند تصميم مبادراتهم:

ماذا يُكشف؟ ثمّة مكان عظيم للبدء منه ألا وهو التفكير في أجزاء العملية التي يمكن إظهارها بسهولة وبأدنى جهد ممكن. على سبيل المثال، طرح أحد المطاعم التي تتفنّن في تقديم الحلويات بعد الوجبات، مفهوم شفافية العمليات من خلال تعليق مرآة مائلة مدلّاة من السقف فوق طهاة المعجّنات الذين كانوا يعكفون على إعداد الحلويات وتجهيزها. وقد سحرت هذه النافذة الجديدة ألباب روّاد المطعم، الذين كانت الحواجز العالية وسلسلة من آلات إعداد القهوة تحدّ من إمكانية رؤيتهم في السابق، بما أنها ساعدتهم في الاطلاع على كيفية سير العمل.

يمكن العثور على فرص أخرى للشفافية من خلال مراجعة المعلومات المخزنة أصلاً في قواعد البيانات التابعة للمؤسسة وتحديد أي منها سيقدّره الزبائن. فعلى سبيل المثال، قبل بضع سنوات، وكجزء من مساعي وزارة شؤون المحاربين القدماء في الولايات المتحدة الأميركية لتحسين إمكانية الحصول على الرعاية الصحية بدأت بإجراء تتبّع داخلي لزمن انتظار المحاربين القدماء في كل منشأة تابعة لها للحصول على موعد لرؤية طبيب. وفي الآونة الأخيرة، أتاحت الوكالة هذه المعلومة علناً للمرضى على موقعها على الإنترنت. وعلى المنوال ذاته، أجرت شركة “كويك لين تاير آند أوتو سينتر”، (Quick Lane Tire and Auto Center)، وهي شركة لإصلاح السيّارات تعمل على مستوى البلد بأكمله، تجارب لتوفير لوحة للمعلومات الرقمية في غرف الانتظار التابعة لها تعطي الزبائن معلومات حول آخر المستجدّات فيما هو حاصل لسياراتهم لحظة حدوثها والوضع الحالي لطابور الخدمة.

متى يُكشف؟ تعزّز الشفافية التصوّرات التي يمتلكها الناس عن القيمة إلى الحد الأقصى عندما تكشف عن العمل لحظة حصوله أو مباشرة بعد أن يكون قد استكمل، عوضاً عن إظهار العمل الذي لم يحصل بعد. وقد وجدت في أبحاثي أنّ الزبائن يكونون أسعد عندما يظهر موقع للسفر مثل “كاياك” (Kayak) الجهود التي يبذلها أثناء بحثه لدى عشرات شركات الطيران بالمقارنة مع مجرّد إخبار الزبائن قبل الضغط على زر “البحث” أنّه سيبحث في مواقع عشرات شركات الطيران. إضافة إلى ذلك، لا يجب تلقيم المستهلكين الشفافية قسراً. عوضاً عن ذلك، يجب أن تكون لديهم فرصة متاحة ليقرّروا متى يريدون رؤية المزيد. فعلى سبيل المثال، تتلقّى شركة “يو بي إس” 143 مليون طلب لتتبّع الطرود في أي يوم من أيام العمل العادية – أي ما يعادل سبع عمليات بحث تقريباً لكل طرد. وتأتي هذه الطلبات من الزبائن الذين ينشطون بفضول لمعرفة وضع طرود معيّنة ويتتبّعون مسارها في وقت يختارونه هم. تخيّلوا لو أن “يو بي إس” اختارت عوضاً عن ذلك أن تتّصل بكم سبع مرّات لكل شحنة في أوقات تختارها هي لتقدّم لكم تقريراً حول التقدّم المحرز في توصيل الطرد.

كيف يُكشف؟ أفضل طريقة لتطبيق الشفافية هي أن تتّخذ شكلاً بصرياً – أي من الناحية المثالية إعطاء الزبائن نوافذ فعلية تطلعهم على سير العملية بحيث لا يكون هناك أي سؤال بخصوص مصداقية ما يُعرض. وعندما لا يكون ذلك ممكناً، فإنّ وجود فيلم فيديو، أو رسم يتضمّن معلومات مدّعمة بالصور (إنفوغرافيك) ويكون مصمّماً بطريقة الرسوم المتحرّكة، أو أشكال إيضاحية توفّر تمثيلاً بصرياً للعمل يعزّز التصوّر المرسوم في أذهان الناس عن القيمة أكثر من الصور الساكنة، التي تتفوّق، بدورها، على الشروحات النصّية. كما أنّ الشفافية تعطي نتائجها الفضلى عندما تقدّمها الشركات طواعية؛ أمّا الشفافية التي تنتزع من الشركات عنوة نتيجة لتشريعات، أو أنظمة، أو ضغوط من المستثمرين، أو غير ذلك من العوامل فهي لا تبني الثقة.

أفضل طريقة لتطبيق الشفافية هي أن تتّخذ شكلاً بصرياً – أي من الناحية المثالية إعطاء الزبائن نوافذ فعلية تطلعهم على سير العملية بحيث لا يكون هناك أي سؤال بخصوص مصداقية ما يُعرض.

لا تنسوا إغلاق الدارة. فالشفافية تكون في أقصى درجات النفع عندما يُسمح لها أن تسير في الاتجاهين – من الزبائن إلى داخل العملية ومن الموظفين إلى الخارج نحو الزبائن. فإجبار الموظفين على بذل الجهد الشاق خلف حُجُب يحرمهم من رؤية الكيفية التي يساعد بها عملهم الزبائن، ممّا يقلل من شعورهم أنّ عملهم يحظى بالتقدير، ويقوّض الدافع الموجود لديهم. لا بل أكثر من ذلك. يمكن للشفافية المعطاة للموظفين أن تمنحهم المعلومات التي يحتاجون إليها لتصميم خدماتهم بحسب حاجة الزبون، وأن تساعدهم في تعلّم طرق أفضل لإنجاز العمل.

بمعنى من المعاني، يمكن القول إنّ شركات اليوم قد باتت ضحايا للمكاسب الهائلة في الإنتاجية في الاقتصاد العالمي والتي تحققت على مدار القرنين الماضيين. فالزبائن اليوم يعتمدون على طيف يبعث على الدوار من المنتجات التي تصنّع وتوزّع في أنحاء العالم، والخدمات التي تقدّم بتواتر يزداد كثافة. لكنّ الوفرة والراحة اللتين تأتيان بلا أي جهد ظاهرياً تسهّلان على المستهلكين أيضاً أخذ العمل على أنّه أمر مفروغ منه، وتسهّل على الموظفين تفويت التعلّم والحافز اللذين يمكن الحصول عليهما من التفاعل مع الزبائن. وبالتالي يجب على الشركات أن تأخذ هذا الأمر بالحسبان وأن تعتمد على وضوح العمليات للزبائن وأن تتوقّف عن إخفاء عملياتها بطريقة تلقائية بهدف تحقيق الكفاءة، بل يجب عليها عوضاً عن ذلك أن تفكّر بطريقة متأنية متى وكيف تظهر هذه العمليات علناً من أجل تحقيق قيمة إضافية للزبائن والموظفين على حدّ سواء.

اقرأ أيضاً:

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!