ازداد شيوع اتفاقيات عدم الإفصاح ضمن عقود العمل، والتي تعمل بدورها على كبح أحاديث الموظفين والتقليل من الإبداع. وليست الاكتشافات الحالية عن سنوات من المضايقات التي مارستها المؤسسات الرئيسية، سوى غيض من فيض.

تشير البيانات الجديدة إلى أنّ أكثر من ثلث القوى العاملة في الولايات المتحدة مقيّدة باتفاقية عدم الإفصاح. ونمت هذه الاتفاقيات ليس فقط من حيث عددها، بل أيضاً في اتساع نطاقها. فهي لا تظهر فقط في التسويات التي تقوم فيها إحدى ضحايا التحرش الجنسي بالحديث عن قضيتها، بل أصبحت الآن تُدرج تلقائياً في عقود العمل الموحدة عند التوظيف، حيث تحاول اتفاقيات عدم الإفصاح فرض التزامات عديدة على موظفيها الجدد، إذ تطالبهم بالصمت، وتقوم بصياغة تلك الاتفاقيات بشكل يحميها من قيام الموظفين بالتحدث عنها سلباً أو ضد ثقافتها أو قول أي شيء من شأنه أن يصورها ومدرائها التنفيذيين بشكل سلبي. وتسعى تلك الاتفاقيات أيضاً إلى توسعة نطاق السرية لتشمل معلومات أكثر من الحدود التقليدية لقانون السرية التجارية، قد تصل حتى إلى منع الموظف من مغادرة صاحب العمل ومواصلة العمل في نفس المجال.

على سبيل المثال، وبعيداً عن الأسرار التقنية للبحث والتطوير التي ترغب الشركات في حمايتها من التسرب، غالباً ما يحاول المدعون في قضايا السرية التجارية المطالبة باعتبار قوائم العملاء وحتى المعرفة العامة بالموضوع أسراراً تجارية محمية، إلا أنّ القضاة في الوقت ذاته يبدون تشككهم في تلك الادعاءات. ففي محاكمة شركة وايمو ضد شركة أوبر حول السرية التجارية، عمل القاضي أسلب على تذكير الأطراف بالفرق الأساسي بين الأسرار الفعلية والمعرفة العامة إذ قال: “هل يُفترض بالمهندس الخضوع لعملية استئصال جزء من ذاكرته قبل انتقاله إلى عمله التالي؟ يجب أن يكون الجواب لا، ولكنهم يقولون أنه يعرف كل الأسرار، وبأنّ عليه نسيان ذلك قبل انتقاله إلى عمله المقبل”. بعبارة أخرى، يحاول قانون السرية التجارية موازنة احتياجات الشركات للحفاظ على سرية بعض الأشياء، مع رغبة الموظفين في نقل مهاراتهم من صاحب عمل لآخر والذي يعتبر صلب القضية. ولكن المشكلة هنا تكون بأنه غالباً ما يتم كتابة اتفاقيات عدم الإفصاح بشكل فضفاض، وبمجرد أن يوقع الموظف على إحداها، تكون القضية ضده أقوى إذا نقل معرفته إلى منافس آخر. علاوة على ذلك، ليست كل المحاكم قادرة على ضبط الخطوط بين المعرفة العامة والمعلومات السرية. بالتالي، يُفتح التوقيع على اتفاق عدم إفصاح الباب أمام تعرض الموظفين إلى مخاطر قانونية تتجاوز تلك الأسرار التجارية التي يحميها القانون.

تقمع اتفاقيات عدم الإفصاح المنافسة، وذلك من خلال تعريفات موسعة لما يجب أن يبقى سرياً وعائداً للشركة، فضلاً عن أنها تحدّ من قدرة الموظف المستاء أو الموظف الذي يعمل في بيئة عمل عدائية على الانتقال إلى وظيفة أخرى. والأهم من ذلك، كما تبين الدراسات الأخيرة بوضوح، فإنّ منع العمال من استخدام معارفهم ومهاراتهم خارج مكان عمل واحد ضار ليس فقط للعامل، ولكن لريادة الأعمال، والمنافسة، والنمو الاقتصادي.

لذلك، غالباً ما تحاول اتفاقيات عدم الإفصاح ضرب عصفورين بحجر واحد: إسكات الموظف خلال فترة عمله في الشركة من ناحية، ومن ناحية ثانية، تقييده بوظيفته الحالية ومنعه من الانتقال إلى شركة أخرى. لكن لحسن الحظ، هناك بالفعل عدة استثناءات قانونية هامة لإمكانية إنفاذ اتفاقيات عدم الإفصاح (وذلك بالرغم من أنّ المحاكم لا تزال تطبقها على نطاق أوسع مما ينبغي). أولاً، لا يمكن لاتفاقية عدم الإفصاح منع الموظف من المساعدة في تحقيقات السلطات الرسمية. والأهم من ذلك، لا يمكنها منع الموظفين قانونياً من الإبلاغ عن سلوك غير قانوني. وينص الباب السابع من قانون الحقوق المدنية الأميركي على بطلان الاتفاقات التي تحظر على الموظفين اتهام أو مساعدة لجنة تكافؤ فرص العمل في التحقيق في أية تهم. كما يحافظ قانون الدفاع عن الأسرار التجارية الذي تم سنه حديثاً على حقوق الموظفين في الإبلاغ عن خروقات حتى لو كان ذلك يعني الكشف عن أسرار تجارية أو خرق اتفاق عدم إفصاح. ويتطلب هذا القانون من أرباب العمل إدراج هذا الاستثناء في الاتفاقية بأنفسهم، على الرغم من أنّ الامتثال لهذا القانون الجديد كان متقطعاً في أحسن الأحوال.

ولكن على الرغم من هذه الاستثناءات، يهدد أصحاب العمل بالتقاضي حتى في ظل ظروف تكون فيها اتفاقات عدم الإفصاح باطلة، حيث تُظهر الدراسات التجريبية الجديدة أنّ الموظفين غير مدركين هذه الحماية، وأنّ لغة السرية الفضفاضة التي تحويها تلك الاتفاقيات بشكل رويتي جنباً إلى جنب مع التهديد بالتقاضي تزيد الخوف من الحديث حتى رغم حماية سريته.

علاوة على ذلك، فإنّ التمديد المشترك الجديد في اتفاقيات عدم الإفصاح، هو إدراج شرط عدم الإخلال، والذي يتجاوز حماية معلومات الشركات الملموسة، ليصل إلى الطلب من الموظفين عدم التحدث سلباً عن صاحب عملهم الحالي أو السابق. ويوضح النص القياسي لعبارة عدم الإخلال ضمن عقد العمل في شركة كبرى مدى اتساع نطاق الحظر، حيث نقرأ فيه، “لا يجوز لك في أي وقت، بشكل مباشر أو غير مباشر، التقليل من شأن الشركة، بما في ذلك القيام بنشر أي بيان مكتوب أو شفوي أو إلكتروني أو رقمي، حقيقي أو غير ذلك، ويكون له تأثير سلبي على الأعمال التجارية أو الصورة العامة أو السمعة أو حسن النية للشركة، بما في ذلك عملياتها وموظفيها ومدرائها ومنتجاتها أو خدماتها السابقة أو الحالية أو المستقبلية”. وقد صرّح مجلس العلاقات العمالية الوطنية الأميركي مؤخراً أنّ شروط عدم الإخلال تتعارض بصورة غير مشروعة مع حقوق جميع العمال – وليس فقط العمال النقابيين – في المشاركة في نشاط متضافر بشأن شروط وظروف عملهم. كما أنّ لجنة تكافؤ فرص العمل أصبحت قلقة بشأن هذه البنود التي تتزايد بشكل كبير، واتخذت إجراءات ضد شركات كبرى مثلما جرى ضد سي في إس (CVS)، والتي تطلب من موظفيها التوقيع على بند عدم الإخلال كجزء من اتفاقية عدم الإفصاح القياسية لديها.

وبالنظر إلى ما سبق، ينبغي الترحيب بالجهود الرامية إلى حظر التسويات السرية في حالة مطالبات التحرش الجنسي. إذ تعتزم عدة ولايات أميركية، بما في ذلك ولايات كاليفورنيا وبنسلفانيا ونيويورك، وضع تشريع جديد في هذا الصدد. وقد أدخل الكونغرس الأميركي مؤخراً مشروع قانون من الحزبين، اسمه قانون الكونغرس “مي تو” (Me Too) الذي من شأنه أن يحد من اتفاقيات عدم الإفصاح في تسويات التحرش. ويمثل حظر السرية كجزء من اتفاقات التسوية خطوة هامة إلى الأمام، إذ يساعد ذلك بالتأكيد على كسر الصمت ومعضلة السجين التي كانت كابوساً للموظفين في الشركات ذات ثقافة التحرش.

وبينما يثير هكذا تشريع مجموعة مخاوف تتعلق بعدم قدرة الضحايا على تقديم تعهد بعدم الحديث عن القضية لاحقاً، ما سيؤدي إلى تقليل الفوائد التي سيحصل عليها أصحاب العمل من محاولة تسوية تلك القضية مع الموظفين وبالتالي يقل الحافز، إلا أنّ الهدف الأكبر من قوانيننا المناهضة للتمييز هو المساواة ووجود مكان عمل خال من التحرش للنساء والرجال. والتشريع الذي يسلط الضوء على هكذا ممارسات مظلمة هو مفتاح تحقيق هذا الهدف. إلى جانب ذلك، تهدف حماية العمالة في المقام الأول إلى منع الضرر وخلق مستقبل فيه بيئات عمل أفضل وأكثر أماناً وأخلاقية، وليس مجرد توفير أقصى تعويض مالي للضحايا بعد كل مخالفة.

ولكن لا ينبغي لصانعي السياسات أن يقصروا الإصلاحات على التسويات المتصلة بالتحرش الجنسي فحسب، بل عليهم سن إصلاحات تقيّد نطاق اتفاقات عدم الإفصاح بصفة عامة، وذلك لمساعدة العمال وتعزيز المنافسة والدينامية الاقتصادية. وكما هو الحال في قضايا التحرش، هناك عدد لا يحصى من الموظفين يمتنعون عن الإبلاغ عن المخالفات الحاصلة في أماكن العمل، أو يتنازلون عن فرص وظيفية جديدة بسبب التهديد بالتقاضي.

ويتعين على الهيئات التشريعية والمحاكم وضع حدود أكثر وضوحاً لنطاق اتفاقيات عدم الإفصاح المستحيلة التنفيذ، ومعاقبة أرباب العمل الذين يعملون لأن تصبح تلك الاتفاقيات أسلحة تخنق الكلام والإبداع. وينبغي أن يوضح القانون أنّ اتفاقيات عدم الإفصاح لا يمكنها التوسع بما يتجاوز التعاريف القانونية للسرية التجارية للشركات، والتي تتصل بما تقدمه من ابتكارات جديدة. وقامت بالفعل قوانين السرية التجارية بالموازنة بين أي عواقب قد تنشأ عن نشر معلومات حساسة، وعملت على تقييم المخاطر والمزايا لهذه القوانين، ما أدى إلى مساومات سياسية معقولة. وتتطلب حملات وسياسات التعليم شفافية أرباب العمل عند صياغة شروط عقد العمل، وينبغي أن يكون الموظفون على بينة من حدود اللغة القياسية في عقود عملهم. وينبغي تحفيز أصحاب العمل على صياغة عقود قابلة للتنفيذ وإنهاء تلك الشروط مستحيلة التنفيذ. ويمكن أن يتم ذلك بفرض عقوبات على العقود المتطرفة واعتماد “مذهب قلم رصاص أحمر” (red pencil doctrine)، والذي يجعل أي عقد ذي نطاق غير قابل للتنفيذ باطلاً في مجمله.

وأصبحت هذه الاتفاقيات سمة قياسية لعقود العمل، ولكن يجب ألا نسمح لها بإخفاء سوء السلوك أو احتكار أسواق الوظائف تحت ستار حماية أسرار الشركة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!