في عام 2016، قدّر صندوق النقد الدولي حجم الفساد بنحو 2% من الناتج الاقتصادي العالمي – أي ما يعادل 1.5 إلى 2 تريليون دولار أميركي عالمياً. على سبيل المثال في الهند وفي العام 2016 تحديداً، أبلغ نحو 7 من كل 10 مواطنين عن دفع رشوة مقابل الحصول على الخدمات العامة الأساسية مثل المدارس العامة والعيادات أو المستشفيات العامة والحصول على الوثائق الرسمية والمرافق وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية. وعلى الرغم من وجود العديد من القوانين لمكافحة الفساد والزيادات في إنفاذ تلك القوانين، ما زالت الرشى على وجه الخصوص تستشري وأضرارها تتواصل على مستوى الأعمال والمجتمع.

وبما أن وجود قوانين على الورق ليس كافياً، فإن جهود مكافحة الفساد ومكافحة الرشوة تحتاج إلى المزيد من قوة الدفع من جانب القطاع الخاص. تحتاج الأعمال إلى لعب دور أقوى في دعم الممارسات المسؤولة في كل جانب من جوانب عملياتها. فبعد كل شيء، يواجه هؤلاء الذين يجدون أنفسهم متورطين في فضائح الرشوة على سبيل المثال مجموعة من العواقب بما في ذلك تعطل الأعمال ودفع نفقات مالية وقانونية باهظة وإلحاق الضرر بعلامتهم التجارية وسمعتهم.

وعادة ما تدير الشركات مخاطر الرشوة والفساد من خلال مزيج من العمليات الداخلية وشروط الاعتماد والممارسات الجيدة الأساسية في جميع عملياتها – بما في ذلك العمليات مع الموردين والبائعين. يمكن أن تكون المعايير الخارجية أيضاً أداة قوية لدعم تلك الجهود، إذ تساعد الشركات في تعزيز الأخلاقيات وممارسات الامتثال من خلال تقديم إطار عمل واضح. وأحد أمثلة هذه الأدوات الخارجية هو معيار أيزو 37001 لمكافحة الرشوة والذي نُشر من جانب المنظمة الدولية للمعايير عام 2016 وصُمم على يد لجنة من كبار مدراء الشركات العالمية وأصحاب المصلحة الآخرين. ويوفر هذا المعيار للشركات هيكلاً لوضع برنامج فعال لمكافحة الرشوة بالتوافق مع ملف المخاطر الخاص بها وقياس جودته، وبناء ثقافة تقدّر السلوك الأخلاقي. كما يحدد هذا المعيار البرنامج الذي يمكنه الصمود وحده أو دمجه مع نظام الإدارة الحالي للشركة، ويوفر لغة ومنهجاً مشتركين يمتدان عبر الحدود والصناعات. ويغطي هذا المعيار الرشوة بجميع أنواعها – المباشرة وغير المباشرة، الواردة والصادرة، ولا يعالج مسائل الاحتيال والاحتكار وغيرها من جرائم الفساد والمنافسة وغسيل الأموال أو الأنشطة الأخرى المتعلقة بالممارسات الفاسدة.

هناك خمسة أساليب مهمة يمكن لمثل هذه المعايير مساعدة الشركات في تعزيز ممارساتها:

تحديد أدوار واضحة لمجالس الإدارات والإدارة العليا: يركز هذا المعيار على الأدوار القيادية كمركز لنظام فعال في مكافحة الفساد ويوضح مسؤوليات مجلس الإدارة والإدارة العليا، بما في ذلك ضمان توافق استراتيجية الشركة مع سياسة مكافحة الرشوة. ويتطلب أيضاَ أن يتولى إدارة قسم ممارسات الامتثال من يتمتعون بالمهارات والمكانة والسلطة والاستقلالية والموارد المناسبة. إن وجود أدوار محددة بوضوح ووجود الموارد المناسبة يرجح نجاح سياسات مكافحة الرشوة ومكافحة الفساد، وهذا مدعوم بتقرير صدر عام 2016 عن معهد إيثيسفير (Ethisphere Institute) وشركة كرول (Kroll) (التي أصبحت بعد ذلك جزءاً من مؤسسة Duff & Phelps)، والذي وجد علاقة ملحوظة بين إدراك المخاطر ومستوى مشاركة مجلس إدارة الشركة؛ فكلما زاد تفاعل أعضاء مجلس الإدارة وفريق القيادة، ارتفع احتمال قول المشاركين إنهم يعتقدون أن مخاطر مكافحة الرشوة والفساد ستقل أو ستبقى كما هي في السنة المقبلة.

ترسيخ ثقافة الامتثال: ستدعم الجوانب الوقائية لهذا المعيار جهود الشركات لبناء ثقافة تقدّر قيمة الأخلاقيات والامتثال في عملياتها. وبالإضافة إلى متطلبات الدور القيادي، يتطلب المعيار الاتصال والتدريب لتعزيز برنامج الامتثال والتحسين المستمر لضمان عدم ركود البرامج واستجابتها للمخاطر المتغيرة.

تمكنت شركة سيمنز الألمانية من إعادة بناء الثقة بعد فضيحة رشوة طالت الإدارة العليا للشركة، من خلال تنفيذ برنامج امتثال فعال. وتضمن ذلك ممارسات امتثال صارمة جديدة لمكافحة الفساد وتعيين متخصصين مؤهلين في ممارسات الامتثال بجميع أنحاء الشركة، وإطلاق تدريب شامل وخط ساخن للإبلاغ عن الممارسات غير الأخلاقية، والتقصي والمراقبة لرصد الأخطاء وضمان التحسن المستمر. ومن خلال هذه الجهود، سعت الشركة إلى الابتعاد عن ثقافة وُصفت بأنها "متساهلة مع الرشوة" إلى ثقافة "مدفوعة بالمعايير الأخلاقية". وطبقت سيمنز أنواع العمليات المطلوبة من معيار أيزو 37001 (على الرغم من أن عملها تم قبل إصدار هذا المعيار).

دعم نهج ثابت: غالباً ما يراقب مدراء الامتثال الأعمال في أكثر من موقع واحد ويُعد ضمان اتباع نهج ثابت أمراً بالغ الأهمية. ففي عام 2010، وخلال إحدى الممارسات لمراجعة برنامجها العالمي للامتثال ومكافحة الفساد وتحسينه، اكتشفت شركة رالف لورين أدلة على أن الشركة التابعة لها في الأرجنتين دفعت رشوة لمسؤولين في الحكومة الأرجنتينية. وكشفت الشركة على الفور هذه المعلومات لوزارة العدل الأميركية ولجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية. وفي هذه الحالة، دفعت الشركة الأم غرامات مجتمعة بقيمة 1.6 مليون دولار أميركي لكل من وزارة العدل ولجنة الأوراق المالية والبورصة لتسوية الأمر. كانت هذه الغرامة قليلة نسبياً بسبب الإفصاح الذاتي والتعاون من جانب شركة رالف لورين.

يقدم المعيار إطاراً موحداً مع مؤشرات قابلة للقياس ويمكن تتبعها، حيث ستعزز الاتساق على مستوى الشركة. لا يفضل المعيار عن قصد النظام القانوني أو الهيكل التنظيمي لبلد ما على حساب بلد آخر، إنما يهدف إلى تحديد مجموعة من الممارسات التي يمكن استخدامها من جانب الشركات بغض النظر عن مكان عملياتها.

توالي الممارسات الجيدة من خلال سلسلة التوريد: بالإضافة إلى امتلاك شركات تابعة وعمالة في جميع أنحاء العالم، تمتلك العديد من الشركات الآن شبكة معقدة من الأطراف الثالثة التي تدعم أعمالها. هذا ينطوي على فوائد ومخاطر، ويُعد دفع رشوة من جانب أحد شركاء الأعمال واحداً من هذه المخاطر. وبالإضافة إلى الإجراءات اللازمة والمراقبة والمراجعة لممارسات هذه الأطراف، يمكن استخدام المعيار من جانب الشركة كأداة لقياس قدرة الطرف الثالث وقوة برنامج الامتثال الخاص به. ويمكن القيام بذلك عن طريق الاستناد إلى الاعتماد أو من خلال سؤال الأطراف الثالثة لإثبات التزامها بالمعيار. ونظراً لأن المعيار أداة عالمية طورت على يد مجموعة عالمية من أصحاب المصلحة الخبراء ولم تكن هذه المجموعة مرتبطة بقوانين أو توجيهات بلد معين، فربما تلقى قبولاً أكبر من جانب البعض كلغة مشتركة لمكافحة الرشوة.

الميزة التنافسية: مكافحة الرشوة تبني سمعة وقيمة العلامة التجارية؛ فالشركات التي يمكنها أن تثبت مطابقتها لمعايير مكافحة الرشوة المقبولة دولياً قد تجذب شركاء الأعمال والمستثمرين الذين يتوقعون قدراً أكبر من الشفافية المالية والكشف عن الأنشطة لتحديد مخاطر الرشوة. ووفقاً لبيانات جمعها معهد إيثيسفير، فإن الشركات التي تطبق برامج فعالة تحقق ما يطلق عليه "قيمة الأخلاقيات" بنسبة 10.72%. كما تظهر الأبحاث أن الشركات الأخلاقية تتمتع بمعدل دوران أقل بين موظفيها، ويولي المستهلكون قيمة أعلى إذا ما كانت الشركة تتبع ممارسات أخلاقية أيضاً.

بدأت الشركات في جني هذه الفوائد، وتستخدم العديد منها هذا المعيار لتعزيز جهودها. تشمل قائمة الشركات المعتمدة كل من شركات ليغ ماسون (Legg Mason) الأميركية وألستوم (Alstom) الفرنسية ومابي (Mabey) البريطانية وسي بي أيه غلوبال (CPA Global) الأميركية من بين شركات أخرى. ومع ذلك، ما زال المعيار في مرحلة مبكرة من التطبيق وسيحتاج إلى المزيد من الوقت لاكتساب الأهمية. كانت وتيرة إصدار اعتمادات بطيئة حتى الآن، ربما بسبب العدد القليل لمراجعي الحسابات المعتمدين المتاحين لإصدار الاعتمادات. ربما يشهد المعيار تطبيقاً أوسع إذا بدأت الحكومات في طلب الاعتماد كشرط لمنح العطاءات على العقود العامة.

سيتعين علينا الانتظار لرؤية ما إذا كان معيار أيزو 37001 سيصبح أكثر تطبيقاً على نطاق واسع. في الوقت ذاته، وفي ظل استخدام الشركات للمعيار ومشاركة تجاربها، يمكن لهذه المحادثات أن تساعد في تقليل قوة ممارسات الفساد في الأعمال بجميع أنحاء العالم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!