تابعنا على لينكد إن

بطبيعة الحال، لا نجد أي نقص في الأخبار الرائجة التي تتعلق بالتأثير الكبير الذي سيحدثه الذكاء الاصطناعي في عالم الأعمال في المستقبل القريب. لكننا أيضاً لا نجد الكثير مما ينشر حول الكيفية الواضحة التي ينبغي على الشركات أن تبدأ بها في استخدام الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، قمنا خلال بحثنا وفي كتابنا الذي ألفناه، بتفكيك الذكاء الاصطناعي إلى أبسط عناصره الاقتصادية، واستخلصنا من ذلك منهجية واحدة يمكن للشركات أن تستخدمها في خطوتها الأولى لتبني الذكاء الاصطناعي.

بدأنا ذلك برؤية بسيطة تتمثل في: أنّ التطويرات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي تتمحور حول تخفيض تكلفة بحوث التوقع. وذلك لأن الذكاء الاصطناعي يجعل بحوث التوقع أفضل وأسرع وأرخص تكلفة. لا يتعلق الأمر فقط بتسهيل عملية توقع المستقبل أكثر وحسب (مثلاً حالة الطقس في الأسبوع القادم)، لكنه يتيح لك أيضاً توقع الحاضر (ما هي الترجمة الإنجليزية لهذا الموقع الإسباني مثلاً؟). وبهذا الصدد، تتمثل عملية التوقع في استخدام المعلومات التي لديك لتوليد المعلومات التي لا تملكها. ولذلك نجد أنّ عملية التوقع آلية مناسبة للاستخدام في حال كان لديك الكثير من المعلومات (البيانات) التي تريد ترشيحها أو ضغطها أو تصنيفها ضمن رؤى مفيدة تسهل عليك عملية اتخاذ القرار. والخبر الجيد هو أنّ بإمكان الآلات فعل ذلك في الوقت الحالي.

تبرز ضرورة إيجاد توقعات أفضل عندما تريد أن تتخذ القرارات في مواجهة الأحداث اللامتوقعة، كما تفعل ذلك جميع الشركات بشكل مستمر. لكن ما الذي يتطلبه الأمر لدمج آلات التوقع في عملية اتخاذ القرارات في شركتك؟

أثناء تدريسنا لهذا الموضوع لخريجي ماجستير إدارة الأعمال بكلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو، قدمنا للطلبة أداة بسيطة لاتخاذ القرارات سميناها: مخطط الذكاء الاصطناعي، حيث يحتوي كل فراغ من هذا المخطط على أحد متطلبات عملية اتخاذ القرار باستخدام الآلة، حيث يبدأ المخطط مع عملية التوقع.

ولنشرح كيفية عمل مخطط الذكاء الاصطناعي، سنستعمل في هذا المقال مثالاً أنجزناه أثناء إحدى ورشات عملنا في موضوع استراتيجية الذكاء الاصطناعي، حيث قدمها كريغ كامبل، الرئيس التنفيذي لشركة بيلوتون إينوفايشنز (Peloton Innovations)، حول مشروع متخصص في قطاع الأمن باستخدام الذكاء الاصطناعي. (وهو مثال واقعي، مبني على منتج تسوّق له شركة بيلوتون، يدعى  RSPNDR.ai)

وفي هذا القطاع، تخبرنا الإحصاءات أنّ 97% من المرات التي ينطلق فيها جرس الإنذار في البيوت المؤمنة، هي إنذارات كاذبة. وهذا يعني أنّ هناك شيئاً آخر أطلق هذا الإنذار، عدا دخول مقتحم أو وجود تهديد حقيقي. وهذه القضية تستوجب من شركات الأمن اتخاذ قرار للتعامل معها: استدعاء الشرطة أو إرسال حارس؟ الاتصال بمالك المنزل؟ تجاهل الإنذار؟ وفي هذا السياق، نجد أنّ الإحصائيات مجدداً تخبرنا أنّ شركات الأمن عندما تقرر التصرف، فإنّ 90 من واقع 100 مرة، يكون هذا التصرف مضيعة للوقت والجهد. مع ذلك، تعني الاستجابة لكل جرس إنذار ينطلق، التعامل مع الإنذارات التي أطلقها بالفعل تهديد حقيقي، حيث تتمكن الشركة من التعامل معه.

لو كنت صاحب شركة أمن، كيف تستطيع أن تقرر ما إن كان استعمال آلة توقع في شركتك سيحسن من أدائها أم لا؟، هنا يأتي دور مخطط الذكاء الاصطناعي كأداة بسيطة تساعدك على تنظيم ما الذي عليك معرفته في سبع فئات تتيح لك بشكل منهجي تقييم قرار إدراج الذكاء الاصطناعي في عملية اتخاذ القرارات في شركتك. وبهذا الشأن، قمنا بإنجاز مثال عملي عن حالة شركة أمن.

أولاً، قم بتحديد ما الذي تحاول توقعه بالضبط. في حالة جرس الإنذار، تريد شركة الأمن أن تعرف سبب إطلاق الجرس، هل هو شخص مجهول أم لا (أي هل هو إنذار كاذب أم حقيقي؟). تمكّنك آلات التوقع من الإجابة عن هذا السؤال؛ لأنه بطبيعة الحال نجد أنّ جرس الإنذار المزود بمستشعر للحركة يعتبر بالفعل نوعاً من معدات آلات التوقع. وباستخدام تقنية تعلم الآلة يمكنك أن تدرج مجموعة واسعة من مُدخلات المستشعرات لتحديد ما الذي تريد توقعه بالفعل: وهو ما إن كانت هذه الحركة بسبب شخص مجهول أم لا. وباستعمال المستشعرات المناسبة (لنقل مثلاً إدراج كاميرا في المنزل لتحديد الوجوه المعروفة للبشر والحيوانات الأليفة، ومفتاح باب يتعرف على وجود الشخص أو غيابه، وما إلى ذلك) تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية توفير المزيد من التوقعات الدقيقة. وهكذا لا يصبح إطلاق جرس الإنذار متعلقاً بالمعادلة التالية “اكتشاف حركة = إطلاق الإنذار” بل يتعلق -على سبيل المثال- بالمعادلة التالية “اكتشاف حركة + وجه غير معروف= إطلاق الإنذار”. وهذه العملية الأكثر تعقيداً من التوقع تخفّض عدد الإنذارات الكاذبة، ما يجعل قرار إرسال استجابة من شركة الأمن، بدلاً من محاولة الاتصال بالمالك، عملية أسهل مما سبق.

مع ذلك لا يوجد عملية توقع دقيقة 100%. وبالتالي، ومن أجل تحديد قيمة الاستثمار في إدراج آليات توقع أفضل، ينبغي عليك معرفة كم يكلفك الإنذار الكاذب، مقارنة بتكلفة تجاهل الإنذار عندما يكون التهديد حقيقياً. يختلف الجواب حسب الحالة، ويتطلب حكماً بشرياً لتحديده بدقة. كم تكلفك إجراء مكالمة هاتفية للتحقق من الذي يحدث في المنزل المؤمّن؟ كم يكلفك إرسال حارس أمن استجابة لأحد الإنذارات؟ كم تكلفك الاستجابة السريعة للإنذارات؟ كم سيكلفك الأمر إن لم تستجب للإنذار في حال تبين دخول مقتحم حقيقي للمنزل؟ هناك العديد من العوامل التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار، ولذلك لا بدّ من الحكم البشري لإعطاء قيمة نسبية لكل عامل منها.

وهذا الحكم سيغيّر من طبيعة آلة التوقع التي تنوي استخدامها في شركتك. في حالة جرس الإنذار، قد يكون وضع آلات كاميرا في كامل المنزل الحل المثالي لتحديد وجود مقتحم غريب من عدمه. لكن العديد من الأشخاص لن يرتاحوا لهذه الفكرة. وبعض الناس سيرغبون في تحمل تكلفة الإنذارات الكاذبة مقابل الحفاظ على خصوصياتهم. وأحياناً يتطلب الحكم تحديد القيمة النسبية للعوامل، الأمر الذي ينطوي على صعوبة في حسابه بشكل كمي ومقارنته مع غيرها من العوامل. لأن حساب تكلفة الإنذارات الكاذبة قد يكون سهلاً، لكن قياس قيمة الخصوصية ليس كذلك.

بعد ذلك، ينبغي عليك تحديد التصرف الذي ينبغي إجراؤه بناء على التوقعات الناتجة. وقد يكون هذا التصرف بسيطاً، متمثلاً في شكل ثنائي مثل “أرسل حارس أمن/لا ترسل حارس أمن”، أو قد يكون أكثر تعقيداً. وفي هذا السياق، قد لا تقتصر خيارات التصرف على إرسال حارس أمن، بل تنطوي أيضاً على إجراء مراقبة فورية عن بعد للشخص الموجود في المنزل أو إجراء اتصال بمالك المنزل.

المهم إجراء تصرّف يؤدي إلى نتيجة. على سبيل المثال، ترسل شركة الأمن حارس أمن (تصرف)، حيث يكتشف حارس الأمن اقتحام غريب للمنزل (نتيجة). بعبارة أخرى، وعند تقييم الوضع في وقت لاحق، سنستطيع تحديد كل قرار ما إن كان التصرف الصحيح أم لا. وهذه المعلومات مهمة لأنها تتضمن إمكانية تحسين التوقعات بمرور الوقت. لأنك في حال ما لم تعرف ما النتيجة التي تريدها، سيكون تحسين التوقعات أمراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.

يوضح الصف العلوي من المخطط -التوقع، الحكم، التصرف، والنتيجة- الجوانب الرئيسية لأحد القرارات. في ما يضم الصف السفلي من المخطط، الاعتبارات الثلاثة الأخيرة وجميع هذه العناصر تستند إلى البيانات. ولكي تحصل على توقع مفيد، ينبغي عليك أن تعرف ما الذي يحدث في الوقت الذي تعتزم فيه اتخاذ القرار؛ وفي حالتنا هذه، يعتبر الوقت الذي ينطلق فيه جرس الإنذار. وفي مثالنا هذا، يتضمن الأمر كذلك بيانات الحركة وبيانات الصور التي جمعت من المنزل في الوقت الحقيقي. وهذا ما يكوّن لديك بيانات المدخلات الأساسية الخاصة بك.

لكن تطويرك لآلة التوقع خاصتك يتطلب منك في الأساس تدريب نموذج من نماذج تعلم الآلة. ويتم ذلك عن طريق بيانات تدريب تربط بيانات المستشعر المحفوظة مع النتائج السابقة بغية معايرة الخوارزميات الكامنة في قلب آلات التوقع. وفي حالتنا هذه، تصوّر جدولاً كبيراً جداً يتضمن كل صف منه الوقت الذي أطلق فيه الإنذار، ويقابله ما إن كان هناك مقتحم فعلي للمنزل أم لا، وعدة بيانات أخرى مثل الوقت المحدد من اليوم والموقع. وفي هذا السياق، كلما كانت البيانات أغنى وأكثر تنوعاً، أصبحت التوقعات الناتجة عنه أفضل. وفي حال لم يكن لديك مثل هذه البيانات، عندها ستضطر إلى تطبيق توقع آلي متواضع القدرات وتنتظر الوقت حتى تتجمع البيانات وتتحسن آلة التوقع خاصتك بمرور الوقت.

تأتي هذه التحسينات من بيانات ردود الفعل. وهي البيانات التي تجمعها عندما تشغّل آلات التوقع في حالات حقيقية. وغالباً ما تنتج بيانات ردود الأفعال مجموعة بيانات أكثر ثراء من بيانات التدريب. وفي مثالنا هذا، يمكنك أن تربط النتائج بالبيانات المجموعة من المستشعرات عبر النوافذ، حيث تؤثر هذه الأخيرة على الطريقة التي ترصد بها الحركات والطريقة التي تلتقط بها الكاميرات صور الوجوه، الأمر الذي يعد أكثر واقعية من البيانات المستخدمة للتدريب. وبهذه الطريقة، تستطيع أن تحسن دقة التوقعات أكثر فأكثر بالتدريب المستمر باستخدام بيانات ردود الفعل. وبهذا الصدد، قد تجد بعض بيانات ردود الفعل مخصصة لمنزل بعينه. وفي أحيان أخرى، قد تتمكن من جمع البيانات من العديد من المنازل.

إن توضيح هذه العوامل السبعة التي تعد عناصر حاسمة لكل عملية اتخاذ قرار في مؤسستك سيساعدك على الشروع في تحديد الفرص التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي لك سواء من ناحية تخفيض التكاليف أو تحسين الأداء. وفي ما سبق قمنا بمناقشة عملية اتخاذ القرار في حالة معينة. أما من ناحية عامة، إن أردت الشروع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإنّ التحدي الذي سيواجهك يتمثل في تحديد القرارات الرئيسية الخاصة بمؤسستك، حيث تتصف نتائج القرارات بعدم اليقين. مع ذلك، لن يخبرك ملء مخطط الذكاء الاصطناعي ما إن كان ينبغي عليك تطوير تقنية الذكاء الاصطناعي بنفسك أو شراء واحدة من إحدى المؤسسات، لكنه سيساعدك على توضيح إلى أي مدى سيساهم الذكاء الاصطناعي في مؤسستك (عمل التوقعات)، وكيف يتفاعل مع البشر (الحكم)، وكيف يمكن استخدامه للتأثير على القرارات (التصرف)، وكيف سيقيس النجاح (النتائج)، ونوعية البيانات المطلوبة لتدريب وتشغيل وتحسين تقنية الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا الجانب، لا شك أنّ إمكانيات الذكاء الاصطناعي هائلة بالفعل. وتتجلى إحدى هذه الإمكانيات، على سبيل المثال، في إرسال أجهزة الإنذار التوقعات إلى أحد العملاء عن بعد. ويعود بعض أسباب فعل ذلك في أنّ هناك العديد من الإنذارات الكاذبة. لكن تأمّل هذا: في حال أصبح آلات التوقع خاصتك جيداً جداً بحيث تنعدم الإنذارات الكاذبة، هل سيبقى إرسال حارس أمن هو الاستجابة الصحيحة للإنذارات؟ يستطيع المرء تخيل استجابات أخرى، مثل آلية تمسك بالمقتحم في المنزل ذاته (مثلما يحدث في الرسوم المتحركة!)، الأمر الذي يمكن أن يكون أكثر جدوى إن كانت لدينا توقعات أكثر دقة وصحة بكثير. لكن من ناحية عامة، ستخلق التوقعات الأفضل فرصاً أكثر وتتيح طرقاً جديدة كلياً في قطاع الأمن، بحيث من المحتمل أن تتوقع نية المقتحمين باقتحام المنزل قبل حتى أن يدخلوه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz