تستطيع منهجية الشركة الناشئة الرشيقة، كما قيل لنا، أن تمكّن الشركات الكبيرة من الابتكار بسرعة وفعالية في مواجهة الزعزعة المستمرة، ويمكن لهذه المنهجية أيضاً تحويل المؤسسات إلى مراكز مزدهرة من النمو الجديد المتواصل. واستجابة لهذه الآفاق الواعدة، شرعت عدة شركات في تنفيذ هذه الأفكار: وجدت إحدى الدراسات الحديثة التي شملت 170 من المؤسسات التي تجني مليار دولار أو أكثر من العوائد، أنّ 82% من هذه المؤسسات تستعمل منهجية الشركة الناشئة الرشيقة في بعض جوانب أعمالها التجارية.

لكن مع كل ما تملكه هذه الشركات والمؤسسات من موارد ومصادر تعينها على تطبيق المنهجية الرشيقة على أحسن وجه، إلا أنها لم تحقق الكثير من النتائج بعد. صحيح أنها حققت وتيرة أسرع في تسويق المنتجات الجديدة، وسجلت مرونة أكبر في عملياتها التجارية، وتركيزاً أعظم على المستهلك (العلامات الشائعة لتطبيق المنهجية الرشيقة بنجاح)، وهي أمور إيجابية ولا شك. إلا أنها بالكاد تعرض لنا التحوّل الذي تعد به هذه المنهجية عند استخدامها.

ما العامل المفقود إذاً في معادلة النمو هذه؟

إنّ العامل المفقود هنا هو جزء لا بأس به، ولكي نتحدث بدقة، يمثل هذا العامل نصف معادلة النمو. إذ يتضمن نموذج خلق فرص نمو جديدة، كما نراه في مراكز الابتكار الناجحة في جميع أنحاء العالم، جانبين هما: الجانب الريادي، وهو المسؤول عن إدارة الاكتشاف (الاختراع أو الابتكار)، والتحقق من صلاحية الأفكار، وتطوير نماذج العمل الجديدة؛ والجانب الجريء، وهو المسؤول عن إدارة محفظة الأعمال التجارية التي ابتكرها الجانب الريادي، وضخ الاستثمارات الجريئة فيها وتمويل القرارات المخطط لها، بغية تشكيل القيمة الاقتصادية الجديدة في نهاية المطاف. هكذا نجد أنّ النمو لا يعتمد على عامل أو نشاط أكثر من “التفاعل المستمر” بين هذه الجانبين.

لذلك لا يكفي أن تطبق المنهجية الرشيقة في مؤسستك، لأنّ ذلك نصف المعادلة فقط. إن أردت أن تنشئ بيئات نمو ناجحة في مؤسستك، تحتاج إلى أكثر من تطبيق منهجيات الشركات الناشئة الرشيقة، لأنك بحاجة أيضاً إلى اتباع منهجيات وآليات الاستثمارات الجريئة. باختصار، تحتاج مؤسستك إلى ما نسميه “مجلس نمو”.

ما هو “مجلس النمو”؟ يتمثل هذا المجلس في مجموعة من كبار المدراء التنفيذيين في المؤسسة، حيث يجتمعون بانتظام لمراجعة ومناقشة مبادرات النمو الجديدة، وفي نهاية المطاف، الخروج بقرار تمويلها أو رفضها. ويعمل هذا المجلس بمثابة هيئة استثمار جرئ تابعة للمؤسسة، ويتبع نفس المنهجيات والمقاربات التي تتبعها صناديق الاستثمار الجريء وهيئاتها في تقييم الفرص وتقرير تمويلها من عدمه. وفي هذا السياق، قمنا خلال السنوات القليلة الماضية، بتأسيس وجمع أعضاء مجالس النمو في أكثر من 10 شركات ضمن لائحة “فورتشن 200″، وذلك لنتمّ لهم الطرف الآخر من معادلة تأسيس بيئات نمو جديدة ناجحة.

وقد حققت المجالس المؤسسة نتائج جوهرية بالفعل. وبهذا الصدد، يقول جود لينفيل، الرئيس التنفيذي لشركة سيتي غلوبل كاردز (Citi Global Cards)، “لقد غيّرت مجالس النمو بشكل جذري الطريقة التي كنا نرعى بها النمو وندعمه في شركة سيتي كاردز. أتاحت لنا مجالس النمو أن نتحرك بسرعة لاستغلال الفرص الكبيرة، وأجبرتنا على إيقاف الشركات الناشئة عندما يقتضي الأمر ذلك، وساعدتنا على التفكير مثلما يفعل المستثمرون في الشركات الناشئة، أن نكتفي بالإجابات الجيدة بدل مطالبة فرق عملنا بتوقعات لا يمكن التنبؤ بها”.

وفي حال تم تأسيس مجالس النمو بشكل صحيح ومناسب، فإنها لن تكون مجرد امتداد لمجلس كبار المدراء التنفيذيين يتمتع بالعقلية الريادية ويطبق المنهجيات الرشيقة وحسب، بل سيضيف بعداً جديداً تماماً للمناقشات التي تجري حول المبادرات التجارية في المؤسسة. وبضم كل هذه الأبعاد مع بعضها، ينتج لدينا أفضل أساس ممكن لاستكشاف المبادرات الناجحة وتنميتها وتطويرها.

وبهذا الصدد، تقول هانا جونز، نائبة مدير قسم الابتكار في شركة نايكي، أنّ الشركة تستخدم مجالس النمو للبحث عن الفرص الجديدة التي تخدم الرياضيين بشكل أفضل وتدفع بقوة عجلة النمو المربح والمستمر. “تمثل هذه المنهجية الدقيقة إطاراً نستخدمه لحل نزاعات العملاء وتلبية احتياجاتهم المطلوبة، وهكذا يتاح لنا التركيز على استيعاب وفهم الدروس الحقيقية التي نستفيدها من السوق”.

إنّ مجالس النمو هيئات معقدة، وتتضمن الكثير من العوامل والأبعاد، ولا يمكن بسهولة اختزالها إلى مجموعة من الخطوات أو تنفيذها مباشرة كمنهجية جاهزة. وفيما يلي بعض النصائح التي يجب عليك أخذها بعين الاعتبار عندما تريد تأسيس مجالس نمو ضمن خطة الابتكار الحالية في مؤسستك:

الحرص على اجتماع أعضاء مجلس النمو بانتظام. لن تعمل مجالس النمو بشكل جيد وكما ينبغي لها إلا إن كانت تتبع وتيرة منتظمة، وكان جميع أعضائها حاضرين دائماً. لا تفكر بمجلس النمو على أنه اجتماع لمرة واحدة، بل تصوره كجلسة نقاش مستمرة تقام في فترات زمنية منتظمة. أما فيما يخص الطرق الجديدة للتفكير بالفرص، فلا بدّ أن يضعها المجلس بصفته فريقاً، بمعنى أن يعمل كفريق على وضع منهجيات التفكير الجديدة بالفرص. وتعد الاجتماعات الفصلية (كل ثلاثة شهور)، مع حضور جميع أعضاء المجلس لمناقشة ومراجعة واتخاذ القرارات، أفضل طريقة لتنظيم مجلس النمو في مؤسستك. وبهذا الصدد، تذكّر أنّ التصويت الغيابي، والالتحاق بالاجتماع في وقت لاحق لن يجديك نفعاً؛ فلا بدّ من أن تكون جزءاً من النقاش والاجتماع (شخصياً) وتشارك فيه.

توقع أن يقوم المجلس بضخ استثمارات كبيرة. مثلما هو الحال في شركات رؤوس الأموال المغامرة، تركز مجالس النمو على محافظ المشاريع والشركات الناشئة، ولا تهتم فقط بالفرص المعزولة. ومن هنا ينبغي على اجتماع مجلس النمو أن يركز على عدد كاف من الاستثمارات الجريئة ويبنيها حول منهجية نمو متماسكة. ومن خلال العمل على محفظة مشاريع، سيتعلم مجلس النمو في مؤسستك الدروس المستفادة من كل فرصة ويستخدمها للتعامل مع الفرص الأخرى، ما يرفع من وتيرة التعلم وسرعته. كما أنّ دراسة مجموعة متنوعة من الفرص يرفع من حظوظ مؤسستك في اكتشاف مشاريع تحقق نجاحاً كاسحاً.

وبمجرد أن ينتقل مدراء المؤسسة من عقلية التفكير بضخ استثمار جرئ واحد إلى الاستثمار في محفظة مشاريع، سيمكّنون فرق العمل في مؤسستك من رفع عدد الأفكار التي يجربونها بشكل كبير (من فكرتين أو ثلاثة إلى 20 أو 30 فكرة) كما يوفّر لهم كذلك معدل فشل عالي. (ما يتيح لمؤسستك أن تعرف بسرعة عدم جدوى إحدى الأفكار). وهذا التغيير مثمر بالفعل: لأنه سيجعلك تتخلى عن تخيل ما تعتقد أنّ المستقبل سيبدو عليه، وتستخدم بدل ذلك منهجية محفظة المشاريع لاكتشاف النسخة الصحيحة للمستقبل (من بين سيناريوهات عدة) في الوقت المناسب.

اطرح الأسئلة المناسبة. بعد أن تجمع فريقك من كبار المدراء التنفيذيين، وتضعون معاً منهجية نمو، وتطلقون محفظة من الفرص والمشاريع، ينبغي عليك أن توجه المجلس إلى طرح الأسئلة الصحيحة والمناسبة. وفي هذا السياق، تختلف الأسئلة المناسبة حسب المراحل التي تمر بها الشركات الناشئة، لكنها تتماشى دوماً مع الواقع التجاري أكثر من بيئة الابتكار.

في مرحلة البذرة (أحد مراحل الشركات الناشئة)، ينبغي أن يطرح السؤال حول سرعة وتكلفة التعلم؛ ما هو الدليل الذي لدينا لكي نوافق على فكرة الشركة الناشئة أو نرفضها؟ عند تقييمك لشركة ناشئة في هذه المرحلة، ينبغي عليك البحث عن علامات تدلك على أنّ فريق الشركة يمضي في الطريق الصحيح، بدلاً من قياس الشركة بالمعايير الكمية التي ستثقل فقط الأفكار الناشئة بعبء لا طائل منه.

أما في مرحلة “المنتج في صورته الأساسية” (MVP)، فينبغي أن تطرح الأسئلة حول العملاء وحالة سوق المنتج، بالإضافة إلى المعايير الاقتصادية التي ستساهم في رفع قيمة الشركة. وتمثل الأسئلة التالية “ما نوع الجهاز الذي تصنعه الشركة الناشئة؟ إلى أي مدى أحبه العملاء؟ وما هي القيمة الاقتصادية التي يمكن للمنتج أن يقدمها للمؤسسة في نهاية المطاف؟”، نموذجاً عن الاستجواب المناسب لهذه المرحلة.

لكن لا يجب عليك أن تطرح الأسئلة عن العوائد وهوامش الربح وتوقعات الإيرادات إلا في مرحلة “التوسع”. وانتبه إلى أنه من الخطأ الفادح أن تقيس الشركة الناشئة بالنسب المالية للمؤسسة.

موّل الفرق ومجموعات حل المشاكل وليس الأفكار. عادة يفكر المدراء التنفيذيون، أثناء تمويلهم للمبادرات الجديدة، في نوع الاستراتيجيات التي ينبغي اتباعها وكيفية تنفيذها. إلا أنّ مجالس النمو، خلاف ذلك، تمول نطاق المشكلة المطلوب حلها والفريق الذي يعمل على ذلك، ولا تشغل نفسها بتمويل الفكرة أو الاستراتيجية بحد ذاتها. ومثلما هو الحال مع شركات الاستثمار الجريء، تركز مجالس النمو معظم اهتمامها على تمويل حل المشاكل الكبيرة الحقيقية ودعم الفرق التي تعمل على ذلك. ولماذا لا نركز على الحل أو الفكرة؟ لأن الحل ذاته قد يتغير أثناء تقدم الفريق وتعلمه خلال عمله على حل المشكلة. لذلك نجد أنّ مجالس النمو من خلال التركيز على الفرق والمشاكل بدلاً من الحلول والأفكار، تكتشف النمو وتصل إليه عوض التخطيط له. وبهذا الصدد، لا يتمثل دورك كأحد أعضاء مجلس النمو، في إدارة الأفكار إنما في منح الأذونات اللازمة للحصول على أقصى قدر من المميزات لمؤسستك.

تعلّم بسرعة وامض قدماً بسرعة. تتمحور مجالس النمو حول التعلم من المشاريع والأفكار أكثر من تمويلها أو قطع تمويلها. وتتمثل ميزة تقييم مختلف الحلول في مجال واحد معين، في اكتساب فهم أعمق لذلك المجال أكثر مما توفره أي طريقة أخرى. لكن قيمة هذا التعلم والفهم تقل في حال تعثر مجلس النمو وفريقه في بعض القضايا أو ما شابه، ولم يتمكن من متابعة التقييم بشكل كامل. ولكي تتجنب ذلك، وتحصل على أقصى استفادة من مجلس النمو في مؤسستك، اكتشف ما يمكن تعلمه من المشروع المعني، من ثم اتخذ قرارك بإيقافه أو المضي فيه قدماً. لاحظ أنّ سرعة التعلم هنا عامل حاسم؛ لأن من يتعلم أسرع يربح أكثر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!