تابعنا على لينكد إن

لقد تمعنت في لائحة المطعم لعدة دقائق، عانيت خلالها من عدم القدرة على اتخاذ قرار محدد، إذ كان كل صنف يغريني بطريقته. وفكرت: “ربما يحسن بي أن أطلب الأصناف جميعها…”. لكن هل هذا قرار سخيف لا يستدعي التروي؟ ربما. غير أنني أراهن أنك مررت بمثل هذا الموقف، إن لم يكن في اختيار الطعام، ففي غيره حتماً.

إننا نقضي وقتاً مبالغاً فيه ونصرف الكثير من الطاقة بشكل يومي في المفاضلة بين خيارات تتساوى في جاذبيتها. وتكمن المشكلة في أنه على الرغم من تساوي هذه الخيارات في جاذبيتها، إلا أنها تختلف في مضمون جاذبيتها إذ يتحتم عمل مفاضلة بينها للوصول إلى تسوية مقبولة. ونواجه هذا الأمر حتى عند اتخاذ قرار بين سلطة اللفت (صحية وخفيفة)، سمك السلمون (بروتين أكثر تركيزاً)، والرافيولي (لذيذة، لكنها عالية الكربوهيدرات).

فإذا كانت أمثال هذه القرارات العادية تستهلك من وقتنا وطاقتنا، فما بالك بالقرارات الأكبر التي نحتاج إلى اتخاذها في المؤسسات طوال الوقت. أي المنتجات بحاجة إلى أن نستمر بتقديمها وأي منها يستحق الإيقاف؟ من يجب علينا توظيفه ومن نسرحه من العمل؟ هل علي الخوض في ذلك النقاش الصعب؟

يتبع هذه الأسئلة عدد غير نهائي من الأسئلة الأخرى. إذا كنت سأقوم بهذه المحادثة الصعبة، فمتى علي القيام بذلك؟ وكيف أبدأ؟ هل أتصل بهم أو أقابلهم شخصياً أو أتواصل معهم عبر البريد الإلكتروني؟ هل يكون ذلك في العلن أم بخصوصية؟ ما هو كم المعلومات التي يجب علي الإفصاح عنها؟ وهكذا دواليك.

وبالتالي كيف علينا التعامل بفاعلية أكبر مع القرارات من مختلف الأنواع؟ أنا أستخدم ثلاثة أساليب، اثنان منها تناولته في كتابي “Four Seconds” (أربع ثواني)، أما الثالث فقد اكتشفته الأسبوع الفائت.

الأسلوب الأول يتمثل في استخدام العادات للتقليل من إجهاد القرارات الروتينية. وتكمن الفكرة في أنك إذا تبنيت عادة ما، مثل تناول طبق السلطة للغداء على الدوام، فإنك بذلك تتجنب اتخاذ قرار بهذا الشأن بشكل تام وتدخر طاقتك في اتخاذ القرار لأمور أخرى.

هذه الطريقة تعمل مع القرارات الروتينية التي يمكن التنبؤ بها، فماذا عن تلك التي لا يمكن التنبؤ بها؟

أما الأسلوب الثاني فهو باستخدام التفكير الشَرطي “إذا/إذاً” لجعل الخيارات الغير متوقعة روتينية. على سبيل المثال، لنقل أن أحدهم يداوم على مقاطعتي وأنا لست متأكداً من الأسلوب الأمثل في الرد. فإن قاعدة “إذا/إذاً” يمكن أن تكون: إذا قاطعني ذلك الشخص مرتين خلال المحادثة، فإني سأرد عليه.

ستساعد هاتان الطريقتان – العادات وإذا/إذاً – على تمرير كثير من القرارات الروتينية النموذجية التي نواجهها في حياتنا بشكل انسيابي.

يتبقى لدينا القرارات الأكثر استراتيجية غير الاعتيادية التي لا يمكن التنبؤ بها.

وقد اكتشفت الأسبوع الماضي وأنا في اجتماع خارج الشركة حلاً بسيطاً للقيام بالخيارات بشكل أكثر فاعلية بينما كنت برفقة المدير التنفيذي وفريق الإدارة العليا لإحدى شركات التقنية العالية. فقد كانوا يواجهون عدداً من القرارات عالية الفرادة والتي لا يمكن التنبؤ بتبعاتها بشكل دقيق.

وقد تنوعت هذه القرارات ما بين كيفية الرد على تهديد من منافس تجاري، أي من المنتجات يستأهل مزيداً من الاستثمار فيه، كبف ندمج استحواذاً بشكل أفضل، أين يتوجب خفض النفقات، كيف ننظم علاقات التقارير، وهكذا دواليك.

تلك هي أنواع القرارات التي قد تبقى عالقةً لأسابيع، أو شهور، أو حتى سنوات، معرقلةً تقدم مؤسسات بكاملها. حيث يستحيل إدراج هكذا قرارات ضمن منظومة العادات كما أنه لا يمكن حلها بقواعد “إذا/إذاً”. وما يزيد الأمر تعقيداً هو أن تلك القرارات لا يوجد لها حل وحيد واضح وصحيح.

وعادة ما تميل الفرق القيادية إلى التحفظ على هذا الصنف من القرارات لمدة طويلة بهدف جمع مزيد من البيانات، والمفاضلة الشمولية بين المزايا والمساوئ، واستقدام المزيد من الآراء، متسببين بمزيد من التأخر بينما هم ينتظرون، على أمل أن تظهر لهم إجابة واضحة جليّة.

لكن ماذا إن كان بوسعنا الاستفادة من غياب إجابة واضحة لتسريع عملية اتخاذ القرار؟

كنت أفكر في ذلك خلال اجتماعنا بينما كنا نتناقش في ذات القرار الذي تداولناه سابقاً بشأن عمل تجاري معين، حين قام المدير التنفيذي جاهراً بصوته:

“إنها الثالثة والربع بعد الظهر”، “علينا اتخاذ قرار خلال الربع ساعة القادمة”.

“رويدك”، رد المسؤول المالي، “هذا قرار معقد، ربما علينا إكمال النقاش خلال العشاء، أو خلال اجتماعنا الخارجي المقبل”.

“كلا”، قالها المدير التنفيذي بحزم. “سنتخذ قراراً خلال الربع ساعة القادمة”.

فهل تعلمون ماذا حصل؟ لقد قمنا بذلك فعلاً.

وهكذا توصلت إلى طريقتي الثالثة في اتخاذ القرار: استعمل عداداً للوقت.

إذا تم درس الأمور ومناقشتها بشكل شامل ومعقول، ولم تزل الخيارات جذابة بشكل متساوٍ، ولا إجابة واضحة، فما عليك إلا الاعتراف بأن لا طريقة أفضل، والمضي لاتخاذ قرار.

قد يساعدك جعل القرار أصغر حجماً وأقل استثماراً بهدف اختباره. لكن إذا تعذر ذلك، فامض واتخذ القرار، فالوقت الذي توفره حين تتوقف عن الشرود بغير هدف سيكون مردوده عليك عظيماً في جانب الإنتاجية.

قد تعترض وتقول “رويدك”! إذا أنفقتُ مزيداً من الوقت عليه، فإن الإجابة ستظهر. بالتأكيد، ربما. لكن (1) لقد أضعتَ وقتاً ثميناً بانتظار هذا الوضوح، (2) إن وضوح هذا القرار سيغويك لتماطل بشكل يعاكس الإنتاجية في أمل غير مثمر بأن تتوصل إلى نفس القرار الواضح في كثير من المسائل الأخرى.

فقط خذ قراراً وتقدّم إلى الأمام.

جرب ذلك الآن. اختر قراراً كنت تؤجله وامنح نفسك ثلاث دقائق ثم قم باتخاذه. وإذا كنت غارقاً بقرارات كثيرة، فالتقط ورقة ودوّن لائحة بتلك القرارات.

أعط نفسك مهلة زمنية محددة ثم قم باتخاذ أفضل قرار ممكن في كل منها، واحداً تلو الآخر. إن اتخاذ قرار – أي قرار – سيقلل من قلقك ويدعك تمضي إلى الأمام. فترياق الشعور بتفلت الأمور هو زخم التقدم إلى الأمام.

أما بخصوص وجبة الغداء، فقد طلبت سلطة اللفت. هل كان الخيار الأفضل؟ لا أدري. لكنني على الأقل لم أعد جالساً هناك محاولاً اتخاذ قرار ما يجب أن أتناوله.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz