facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

أثناء الأزمات الشديدة كجائحة "كوفيد-19″، من المغري بالنسبة إلى القادة أن يستجيبوا للمشكلات الكبيرة باتخاذ خطوات جريئة، وهي استراتيجية متشددة لتجديد الأعمال المتعثرة وتحسينها، وتحول طويل الأجل إلى الفِرق الافتراضية والتعاون عن بُعد. في الواقع، يقول الكثير من الخبراء الذين يعلقون على جائحة "كوفيد-19″، وكما ورد أيضاً في التقرير الذي أعدته شركة "ماكنزي آند كومباني" (McKinsey & Company)، أننا على حافة "الوضع الطبيعي الجديد" الذي "سيشهد عملية إعادة هيكلة هائلة للنظام الاقتصادي والاجتماعي الذي كانت تُدار فيه الأعمال والمجتمع بشكل تقليدي".

حمّل تطبيق النصيحة الإدارية مجاناً لتصلك أهم أفكار خبراء الإدارة يومياً، يتيح لكم التطبيق قراءة النصائح ومشاركتها.

أرى أننا حتى إذا كنا نواجه "وضعاً طبيعياً جديداً"، فإن أفضل طريقة يمكن للقادة المضي قدماً بها ليست بإحداث تغييرات جذرية وإنما بتبني نهج للتغيير يتسم بأنه تدريجي وارتجالي ومتواصل دون تذمر، وهذا هو ما أطلق عليه كارل ويك، واضع النظريات التنظيمية والأستاذ المتميز في جامعة ميشيغان، اسم "الإنجازات الصغيرة". يُعد ويك من كبار المفكرين؛ فعلى مدار الخمسين عاماً الماضية شكّلت مفاهيمه، مثل التقارن الضعيف واليقظة الذهنية وبناء المعنى، فهمنا للحياة المؤسسية. ولكن ربما رؤيته الأقوى هي تلك التي تتعلق بالطريقة التي يمكننا اجتياز الفترات العصيبة لأنها تذكرنا أنه عندما يتعلق الأمر بقيادة التغيير، فإن تحقيق القليل من الإنجازات عادة ما يكون أكثر فاعلية من تحقيق الكثير.

أبدى ويك، في ورقة بحثية نُشرت عام 1984، حسرته على فشل علماء الاجتماع أمثاله في فهم المشكلات الاجتماعية وحلها، حيث حذّر قائلاً: "النطاق الواسع الذي يتم تصوُّر المشكلات الاجتماعية من خلاله غالباً ما يحول دون الابتكارات". وأضاف: "غالباً ما يعرّف الأشخاص المشكلات الاجتماعية بطرق تطغى على قدرتهم على فعل أي شيء حيالها". ومن المفارقة، كما اختتم كلامه، أن "الأشخاص لا يستطيعون حل المشكلات إلا إذا رأوا أنها ليست مشكلات".

ولذلك فإن للإنجازات الصغيرة قوة. استند الكثير من العلماء إلى رؤى ويك لأنها طوّرت حججهم حول أفضل الطرق للعمل والقيادة وإحداث تغيير. وربما أبرزها ما ورد في الكتاب المؤثر "مبدأ التقدم" (The Progress Principle) لتيريزا آمابيل وستيفن كرايمر منذ ما يقرب من عقد من الزمان؛ حيث أظهرا كيف يمكن للإنجازات الصغيرة أن "تشعرنا بالسعادة وتعزز الاندماج والابتكار في العمل". فكما أوضحا، "حتى الأحداث التي اعتقد الأشخاص أنها ليست مهمة كان لها تأثيرات قوية على حياة العمل الداخلية".

وعندما تسوء الأمور حقاً تصبح هذه الإنجازات الصغيرة ضرورية بوجه خاص، حيث يعرّف ويك الإنجاز الصغير بأنه "نتيجة ملموسة وكاملة ومطبَّقة وذات أهمية متوسطة". والإنجاز الصغير (كالمطاعم التي تبيع أغراض البقالة والوجبات الخارجية في آن واحد أو رجال الدين في ولاية نيويورك الذين يبرمون عقود الزواج من خلال لقاءات عبر الفيديو) "قد يبدو غير مهم" بمفرده، كما يقول ويك. ولكن "سلسلة الإنجازات" تبدأ في الكشف عن "نمط قد يجذب الحلفاء ويردع المعارضين ويحد من مقاومة المقترحات اللاحقة". فالإنجازات الصغيرة "متماسكة وملموسة وإيجابية وغير مثيرة للجدل". علاوة على ذلك، بما أن "الإنجازات الصغيرة متناثرة، فإن العثور عليها وتجميعها أصعب من العثور على الإنجاز الكبير الذي يلاحظه كل فرد…يرى أن العالم كاللعبة التي لا غالب فيها ولا مغلوب".

واليوم تُعد ورقة ويك البحثية معلماً بارزاً ليس فقط بسبب استراتيجياتها المخالفة للتوقعات حول كيفية تحسين المجتمع والمؤسسات، ولكن لأن هذه الاستراتيجيات قائمة على رؤى متعمقة حول علم النفس الإنساني. (نُشرت الورقة البحثية في مجلة "علم النفس الأميركية" American Psychologist). يقول ويك: "عندما يزداد حجم المشكلات في سبيل حشد الجهود، تنخفض جودة التفكير والعمل لأنه تم تنشيط عمليات كالشعور بالإحباط والانفعال والضعف". ولذلك فإن التحدي بالنسبة إلى الأفراد والفِرق، كما يقول ويك، يتمثل في إدارة التعارض بين "الضغط" و"الصلابة".

أي جهد يُبذَل لتغيير الشركة أو تحسين المجتمع يُسبب الشعور بالضغط الذي يؤدي قدر معين منه إلى الالتزام والعمل وما يطلق عليه ويك "الانفعال". ولكن الكثير للغاية من أي شيء هو أمر سيئ؛ "فالأشخاص المنفعلون للغاية يجدون صعوبة في تعلم استجابات جديدة أو إجراء عصف ذهني أو التركيز أو مقاومة التصنيفات القديمة". ولكن التعرض للمستوى المناسب من الضغط، كما يقول ويك، وهو المستوى الذي يولده البحث عن الإنجازات الصغيرة، يخلق الصلابة النفسية التي تسمح للقادة وحلفائهم بالاستفادة من "سعة الخيال والمعرفة والمهارات والخيارات".

دونالد بيرويك الذي شارك في تأسيس "معهد تحسين الرعاية الصحية" (Institute for Healthcare Improvement) أو (IHI)، الذي يُعد من أهم الجهات في العالم التي تُحدث تغييراً إيجابياً في مجال مشهور بأنه معقد، أضاف لمسته على رؤى ويك حول الضغط والصلابة النفسية. فكما يقول، وظيفة وكلاء التغيير في مجال الرعاية الصحية هي "تحفيز" زملائهم مع الحرص على عدم "الإفراط في تحفيزهم"؛ وذلك بتحفيزهم للمضي قدماً دون عرقلة عزمهم على التغلب على الانتكاسات والإحباطات.

خاض بينغ غوردون، مطور ألعاب الفيديو المشهور والمستثمر المغامر (الجريء)، النقاش نفسه حول تحديات التكنولوجيا الكبيرة. وأطلق على فكرته اسم "التصغير" (smallifying). في شركة "إلكترونك آرتس" حيثما كان غوردون المدير الإبداعي، الفرِق التي عملت على المشاريع المعقدة طويلة الأجل "لم تتسم بالكفاءة والفاعلية وسلكت مسارات غير ضرورية"، كما أوضح بيتر سيمز في كتابه "رهانات صغيرة" (Little Bets). وأضاف: "ولكن عندما قُسّمت المهام إلى مشكلات محددة يتعين حلها، وكانت قابلة للإدارة ويمكن معالجتها في غضون أسبوع أو أسبوعين، كان المطورون أكثر إبداعاً وفاعلية".

مبادرات التغيير القائمة على الإنجازات الصغيرة لها ميزة أخرى: عندما تسوء الأمور، كما يحدث في الغالب، يؤدي الفشل إلى حدوث إحباطات بسيطة وليس انتكاسات كارثية. في ورقة بحثية نُشرت بعد 8 سنوات من إطلاق ويك فكرة "قوة الإنجازات الصغيرة"، وفي إشارة واضحة إلى هذا العمل، قدّم سيم سيتكين، الأستاذ في جامعة ديوك، فكرة "استراتيجية الخسائر الصغيرة". يقول سيتكين أن المشكلة بالنسبة إلى القادة الذين يفكرون بعمق كبير ويهدفون إلى التحرك بسرعة كبيرة للغاية هي أن زملاءهم العاديين في العمل يرون أيضاً أنه من المحتمل حدوث أخطاء وعثرات ويفهمون المخاطر التي ستحدث عندما تسوء الأمور. ولذلك غالباً لا يتصرف الأشخاص من الأساس بدلاً من أن يتصرفوا ثم يفشلوا، لأنهم أقل ميلاً إلى المعاناة من عواقب الخطوات الجريئة التي لم يتخذوها.

فكما يقول سيتكين، هناك "عدم تماثل بين المخاطر المتأصلة" في المؤسسات والمجتمعات. "فالمشكلات الناتجة عن المخاطرة غالباً ما تؤدي إلى إنزال عقاب" ولكن "المشكلات الناتجة عن تجنب الأفعال التي تنطوي على مخاطرة نادراً ما تعزى إلى البشر وتؤدي في بعض الأحيان إلى إنزال عقاب". وهناك نموذج أكثر استدامة للتغيير، كما يقول سيتكين، يتمثل في اغتنام فرص "الإخفاقات الذكية"؛ أي الأخطاء والعثرات التي تمنحنا "جرعات صغيرة من الخبرة لاستكشاف الشكوك غير المتوقعة مسبقاً".

لا يُعد هذا بأي حال من الأحوال حجة ضد المشاعر التي تحفز الأشخاص وتشعل جذوة الابتكار مثل الشغف أو الالتزام أو الحماسة. فقد كتب جون غاردنر الباحث في القيادة والتغيير بجامعة ستانفورد: "يمكن المضي قدماً في تجديد المجتمعات والمؤسسات فقط إذا كان هناك مَن يهتم. فالرجال والنساء غير المبالين لا ينجزون شيئاً. وهؤلاء الذين لا يؤمنون بأي شيء، لا يمكنهم بالتالي تغيير أي شيء إلى الأفضل".

ولكن هناك فرق بين الاهتمام العميق واتخاذ خطوات متهورة وبين مواجهة المشكلات الوخيمة والمجازفة غير الحكيمة. ولذلك في خضم هذه الأزمة الكبيرة، ينبغي للقادة التركيز على قوة الإنجازات الصغيرة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!