“إنقاذ الكوكب من كارثة بيئية” فرصة بـ 12 تريليون دولار

5 دقائق
علينا التأكيد أنه فقط إذا نجحنا في التحول من منطق التدرج إلى منطق الطفرة، ستدرك الأعمال حينها قيم السوق الهائلة التي يتم التنبؤ بها الآن ويمكننا إنقاذ الكوكب من كارثة بيئية قادمة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

كيف يمكننا فتح فرص في الأسواق تقدر قيمتها بـ 12 تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2030؟ وماذا عن كسبها مع تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة؟ وماذا عن إنقاذ الكوكب من كارثة بيئية قادمة؟ تلك الأهداف طموحة للغاية، وتضم مجموعة من 17 هدفاً مترامياً و169 هدفاً ذا صلة تدعمها الأمم المتحدة. لكن تقريراً حديثاً يخلص إلى أن تحقيق الأهداف في أربعة قطاعات فقط من أصل 60 قطاعاً (وهي تحديداً قطاعات الغذاء والزراعة، والمدن، والطاقة والمواد، والصحة والرفاهية) قد يفتح بالفعل فرصاً في السوق تصل قيمتها إلى 12 تريليون دولار سنوياً في أقل من 15 عاماً.

إنقاذ الكوكب من كارثة بيئية قادمة

من أجل للوصول إلى هناك، يتعين علينا الخروج من منطقة التغيير التدريجي أو ما نطلق عليه “التغيير المعتاد”. إذ إن هذا التدريج له فوائده. ولكن، يجدر بنا أن نشعر بالقلق حينما نرى حتى قادة الأعمال الملتزمين يتعاملون مع الأهداف كأجندة تغيير تدريجي، منطلقين من الافتراض التالي: “إذا بذلنا المزيد فيما عملنا فيه، ولكن بشكل أسرع وأفضل قليلاً، فسيمكننا تحقيق العديد من الأهداف، إن لم يكن معظمها، بحلول الموعد المستهدف وهو عام 2030. هذا الافتراض خاطئ للغاية. إنه خطأ فادح.

اقرأ أيضاً: لماذا يقل استخدام الناس للطاقة عندما يعتقدون أن جيرانهم يهتمون بالبيئة؟

إذ يتعيّن علينا أن نعترف بأن كوكبنا له حدود صارمة بشأن الأنشطة التي يمكنه دعمها، وما أن نتجاوز هذه الحدود فإننا نساعد تغير المناخ على التعجيل بوتيرة تنذر بالخطر. لذلك، هناك حاجة ملحة ومكثفة للتحول نحو طفرات حقيقية.

وللمساعدة في دعم أولئك الذين يتحركون في هذا الاتجاه، تضافرت جهود شركتي “فولانز” (Volans) و”بي إيه للاستشارات” (PA Consulting) مع الميثاق العالمي للأمم المتحدة، والذي يعد أكبر منصة أعمال مستدامة في العالم، وأكثر من 9,000 عضو من الشركات بهدف إنشاء “مشروع الطفرة” (Project Breakthrough). وفي إطار هذه العملية، طورنا ما نسميه “بوصلة الطفرة”، لرسم خريطة للمشهد الناشئ للمخاطر والفرص. وكان استنتاجنا كالتالي: بدلاً من السعي لتحقيق أهداف إضافية، نحتاج إلى بدء مطاردة الأهداف التي سيكون لها عشرة أضعاف أو مائة ضعف الأثر على أشخاص يتراوح عددهم بين مليون ومليار شخص.

إنقاذ الكوكب من كارثة بيئية

يتتبع المحور الأفقي (التأثير) مجموعة النتائج المترتبة على الأعمال من نتائج سلبية إلى نتائج إيجابية. قد يبدو المقياس المتأثر بمليار شخص بعيد المنال، لكن الشقيقين كارل ولاري بيج يحددان الحدود الخارجية. فيستثمر لاري مؤسس شركة “جوجل” في الحلول التي يُحتمل أن تعود بالنفع على مليار شخص، بينما يركز شقيقه كارل – في “معهد الأنثروبوسين” (Anthropocene Institute) – على المشكلات التي قد تلحق الضرر – بما فيه حتى القتل – بنحو مليار شخص. بينما ينتقل المحور الرأسي (المقياس) من التغيير التدريجي إلى النتائج الأسية بشكل متزايد.

لمعالجة حقائق تغير المناخ والطرق الأخرى التي نتجاوز بها حدود الكواكب بشكل متزايد، يجب أن نحول الآن كل من عقلياتنا، وتقنياتنا، ونماذج أعمالنا من اليسار إلى اليمين ومن القاعدة إلى القمة.

اقرأ أيضاً: أبرز عشر قصص حول الاستدامة في مجال الأعمال لعام 2017

العقليات

إذا قمت بزيارة إلى مؤسسات مثل “إكس برايز فاونديشن” (X Prize Foundation)، ومنشأة “إكس” (X) التابعة لـ “جوجل”، و”جامعة سينغيولاريتي” (Singularity University)، ستشعر بالدهشة على الفور إزاء قناعتهم بأن تحدياتنا العالمية لن يتم حلها عن طريق تحقيق 1% أو حتى 10% من الأهداف الموضوعة، ولكن بدلاً من ذلك يجب أن تتبنى الأعمال “تفكير العشرة أضعاف” (10X) الذي يهدف إلى تحقيق تحسينات عشرة أضعاف على الأقل. ونخلص، هنا، إلى أن هذا هو الموقف المطلوب الآن لإحراز تقدم حقيقي في الاستدامة.

لقد أمضيت فترة طويلة في استكشاف أطراف التفكير الأسيّ، محاولاً معرفة كيف يمكن أن يؤثر هذا التفكير على أجندة أعمال مستدامة. في عام 2005، زرت المحرر المؤسس لمجلة “وايرد” (Wired)، كيفن كيلي، في منزله في كاليفورنيا. ساعدني كتاباه “خارج عن السيطرة” (Out of Control) و”القواعد الجديدة للاقتصاد الجديد” (New Rules for the New Economy) على تحويل رؤيتي للاستدامة من مستقبل الندرة إلى مستقبل يتسم بالوفرة على نحو متزايد.

بعد سنوات قليلة من زيارتنا، كتب كيلي مقالة مؤثرة عبر مدونته الشخصية تسجل لغز التحول إلى العقلية الأسية:

“في حين يسير التقدم عبر منحنيات الأسية، تمضي حياتنا الفردية قدماً بطريقة خطية. فنحن نعيش يوماً بيوم، وسيكون اليوم دائماً أقيم من أحد أيام المستقبل، لأننا لا نملك أي ضمانة بأننا سنحصل على هذا اليوم الإضافي لنحياه إلى حد كبير. الشيء نفسه بالنسبة للحضارات. وفي الزمن الخطي، فإن المستقبل ما هو إلا خسارة. ولكن نظراً لأن العقول والمجتمعات البشرية يمكنها تحسين الأمور بمرور الوقت ومضاعفة هذا التحسن في الدوائر الفاضلة، فإن المستقبل في هذا البعد هو مكسب. لذلك يتطلب التفكير طويل المدى التقاء النهرين الخطي والأسيّ”.

إن التحول إلى عقلية الأسية هو تحدي كبير  للأسباب التي قالها كيلي على وجه التحديد. وهو أمر حيوي الآن أيضاً للأسباب ذاتها.

التكنولوجيا

جادل بيتر ديامانديس، المؤسس المشارك لمؤسسة “إكس برايز” و”جامعة سينغيولاريتي”، طويلاً حول أن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في خلق ما يسميه “عالم الوفرة”. ويمضي في جداله حول أن العالم يملك الكثير من الموارد من مياه وطاقة وغيرهما، لكن عدم قدرتنا على الوصول إليها بكفاءة هو ما يعيقنا عن الاستفادة منها. ويقول في نهاية المطاف: “التكنولوجيا هي قوة لتحرير الموارد. قد تساعدنا في حل قيود مواردنا”.

وعلى الرغم من أن التكنولوجيا هي عنصر محوري لعقليات الأسية والوفرة، فإن الكثير من عالم الاستدامة ما يزال مشتتاً بفعل التحسينات التدريجية للتكنولوجيا الحالية من السيارات التي تعمل بالبنزين وحتى أنظمة تكييف الهواء التي تعتمد على الطاقة والكيماويات المكثفة. لنتجاوز ذلك كله، نحتاج الآن إلى بذل المزيد من الجهد لفهم وتشكيل تفكير وأولويات أولئك الذين يعدون بمنحنا (أو يهددونا) بالذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والآلات ذاتية القيادة، وعلم الأحياء الاصطناعية، وحتى الهندسة الجيولوجية التي يصر البعض عليها. وهذا، تحديداً، هو المجال الذي يقع في صميم تطوير مبادرة “مشروع الطفرة”.

اقرأ أيضاً: 6 طرق يتحدث بها قادة الشركات عن الاستدامة

فيما يتعلق بالإيجابيات المحتملة، إليك مثال من أحد البلاد التي زرتها في شهر أبريل/ نيسان الماضي. هناك ضغط كبير على المياه في هذا البلد حتى مع جفاف البحر هناك بسبب الظمأ الشديد. ومع هذا، هناك نمو للزراعة الهوائية التي تنطوي على زراعة نباتات في الضباب أو حتى الهواء بدلاً من التربة أو الماء. وتزرع إحدى الشركات الآن 50 أضعاف عدد النباتات في المتر الواحد، وهي في هذه العملية تستخدم كمية مياه أقل بـ 20 ضعف الكمية المستخدمة في الزراعة التقليدية.

أما من حيث الجوانب السلبية المحتملة، أُذكّر الناس بتوماس ميدغلي، الابن، وهو مهندس بارع وكيميائي في شركة “جنرال موتورز” (General Motors) و”دوبوت” (DuPont). حصل ميدغلي على أكثر من 100 براءة اختراع. توصل إلى البنزين المحتوي على الرصاص (وهو طفرة في التكنولوجيا المضادة للزعزعة، لكن كان له عواقب وخيمة غير متوقعة فيما يتعلق بالأجهزة العصبية للأطفال). وولّف أيضاً الفريونات المبكرة، وهي المواد الكيميائية التي أحدثت ثقباً في طبقة الأوزون الستراتوسفيرية. وكتوضيح أخير للجوانب السلبية لبعض الابتكارات، أشير إلى تطوير ميدغلي لسرير آلي باستخدام الحبال والبكرات يساعده في الدخول والخروج من الفراش عندما أصيب بشلل الأطفال. ولكن في عام 1944، خنقه السرير.

نماذج الأعمال

لقد حددت صناعة الاستدامة القضايا “المادية” عبر “الحصيلة الثلاثية”، أي من النواحي المالية والبيئة والاجتماعية، وليس من الناحية المالية فقط. وطورت أدوات معقدة لمساعدة الشركات على بناء واختبار حالة العمل للتحرك واتخاذ إجراء من عدمه. لكن الأضواء يجب أن تتسع لتشمل نماذج الأعمال، والتي هي جوهر كيفية تكوين الثروة.

تحتاج نماذج الأعمال إلى أن تصبح آسية وأكثر اجتماعية ورشاقة وتكاملية ودائرية. إذ يكمن التحدي في ضمان تلبية التقنيات الناشئة للأهداف الاجتماعية صعبة المنال، على أن تظل “رشيقة” عبر أشكال نادرة من رأس المال، وتكاملية من نقطة الاستخدام وصولاً إلى أطراف الغلاف والمحيط الحيوي، وكذلك أن تكون جزءاً من الاقتصاد الدائري.

يأتيك أحد الأمثلة على ذلك من باتريك توماس، الرئيس التنفيذي لشركة “كوفيسترو” (Covestro) للمواد الكيميائية المتقدمة. ففي مقابلة أجراها مؤخراً فريق “مشروع الطفرة” معه، ناقش سبب تطوير شركته تكنولوجيا تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى البلاستيك ومن ثم اختيارها منح تراخيص ذلك للآخرين.

وأوضح توماس: “إذا حققت طفرة في مجال الابتكار، فلا يمكنك الاحتفاظ بها لنفسك. هذا مهم جداً جداً. فهو أمر مختلف عن كيفية كسب المال. الاحتفاظ بالطفرة لنفسك ينطوي على خطر الموت، أما إذا أعطيت رخصة استخدامها للآخرين، فأنت تضمن بذلك أن يغيروا نظرتهم وطريقة عملهم ويتبنون التكنولوجيا التي ابتكرتها. هذا هو السبب في أننا انتقلنا في أقل من عشر سنوات من لا شيء إلى مُصنّع تجاري لأحد المنتجات في وتيرة أسرع بكثير من تقنيات الابتكار التقليدية التي يظل فيها كل شيء سرياً. يجب أن تسود سياسة الانفتاح”.

في نهاية المطاف، علينا التأكيد أنه فقط إذا نجحنا في التحول من منطق التدرج إلى منطق الطفرة، ستدرك الأعمال حينها قيم السوق الهائلة التي يتم التنبؤ بها الآن ويمكننا إنقاذ الكوكب من كارثة بيئية قادمة. وإذا نجحنا في تسريع وصول كتلة حرجة من قادة الأعمال إلى منطقة الطفرة، وستشع توقعات الاستدامة حقاً.

اقرأ أيضاً: عشر قصص حول الاستدامة في مجال الأعمال

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!