أصبحت بعض قنوات قطاع الإعلام التقليدي تميز نفسها عن غيرها بالجودة، في حين لم تصل وسائل الإعلام الاجتماعي إلى تلك المرحلة بعد. فنحن لا نجد موقعاً اجتماعياً يشابه بقيمته صحيفة "نيويورك تايمز"، التي تمثل الوجه المعاصر للصحف والكتب الذي نتج عن قرون من التطور، لأن "الإعلام الحديث" لم ينتج أسماء وفئات تتمتع بذات القوة بعد.

ولكن وعلى الرغم من عدم وجود لاعبين مهيمنين على هذا القطاع، إلا أنّ هناك شركات شبكات اجتماعية تسعى لتحقيق "الجودة العالية". فأكثر الخطط الشائعة تتمثل في التخصص في أحد أمرين، إما بالمعلومات ذات الجودة العالية أو العلاقات العاطفية العميقة. وبالطبع يستخدم الناس الاتصالات والبرامج الاجتماعية للحصول على المعلومات الجيدة والعلاقات الوطيدة، كبرنامج المحادثة المحبوب سلاك الذي يستخدمه الأزواج والمتحابون والعائلات على نطاق واسع. إلا أنّ برنامج سلاك يستهدف سوق الشركات عموماً ولا يتخصص بالعلاقات الحميمية. وبالمثل، لا يتخصص فيسبوك بتقديم محتوى إخباري، على الرغم من استخدام أغلبية شركات الأخبار له في نشر مقالاتها.

وعلى الرغم من ظهور الكثير من الشركات في هذا المجال وأفولها، إلا أن المشاكل التي تسعى هذه الشركات لحلها أصبحت مؤخراً ملحة بصورة أكبر للجمهور الذي يتزايد وعيه لثغرات الإعلام الاجتماعي، بدءاً بمشكلات الخصوصية ووصولاً إلى التصيّد والدعايات السياسية شديدة الانتشار. وفي الحقيقة، نشر مارك زوكربيرغ نفسه مؤخراً رسالة مطولة على صفحته على موقع فيسبوك يتعهد فيها بدعم قادة المجتمع الذين يستخدمون موقعه فيسبوك كمنصة لهم وأن يعزز صناعة الأخبار وما إلى ذلك (على الرغم من وجود انتقادات أيضاً لهذه الرسالة).

هل يمكن لمواقع الإعلام الاجتماعي المتخصصة القيام بهذه الوظائف على نحو أفضل من اللاعبين المهيمنين؟ كيف ستبدو منصات الإعلام الاجتماعي ذات الجودة العالية؟ وماذا عن إنشاء منصات أكثر "حصانة" أو أكثر "قابلية للاستهداف"؟ وماذا عن إنشاء منصات "الرفاهية" أو منصات "فكرية"؟ وماذا عن إنشاء منصات "إعلام اجتماعي متخصصة بالنشرات التجارية"، أو منصة تخدم المجالات غير المهنية ولكن تخدم أسواقاً متخصصة واضحة المعالم؟ والسؤال الأهم طبعاً، ما هو نموذج العمل لكل ما سبق؟

تشكل المقاييس جزءاً من أسباب صعوبة حل هذه المشكلات، فمن الصعب تحديد العوامل التي تؤدي إلى تحديد المعلومات أو الاتصالات عالية الجودة وقياسها. وفي الحقيقة، إنه لمن الصعب تحديد الجودة وقياسها في الإعلام كله، أياً كان نوعه.

غالباً ما تناقش التقنيات مشكلة "المقاييس الزائفة"، وهي أساليب لقياس العائد على الاستثمار تُشعر صناع المنتج بالرضا (أو تجعلهم يظهرون بمظهر جيد أمام المؤسسين) ولكنها لا تقود في نهاية المطاف إلى منتج رائع. ففي الصحافة على سبيل المثال، تجد أن مقياس عدد مرات "عرض الصفحة" (pageview) معيباً لدرجة كبيرة، ويعتمد كثير من الناشرين في قياس نجاح المقال على عدد مرات تحميل صفحته (وذلك جزئياً بسبب بيع الكثير من الإعلانات بناء على مقياس عرض الصفحة)، ومع ذلك يرى الكثيرون أن مقياس عرض الصفحة زائف. وفي الحقيقة، يكتب الصحفيون المستاؤون من نموذج عرض الصفحة مقالات بعناوين مثل: "صحافة عدد مرات عرض الصفحة تقتلنا" ويشيرون بذلك إلى "مؤشر عرض الصفحة الصناعي".

لقد كثرت هذه النقاشات حول منصة ميديوم (Medium)، وهي منصة نشر تضم العديد من ميزات المنصة الاجتماعية، بعد أن قامت بطرد 50 موظفاً في شهر يناير/كانون الثاني من العام 2017، حيث كتب مؤسسها إيفان ويليامز منشوراً يبين فيه أن طرد الموظفين أتى من وحي قرار ميديوم بالابتعاد عن نموذج العمل القائم على الإعلانات، لأنه بحسب قوله: "يجب مكافأة الأشخاص الذين يكتبون الأفكار ويشاركونها على قدرتهم على التنوير والإعلام وليس لقدرتهم على جذب الانتباه لعدة ثوانٍ فحسب". وبكلمات أخرى، خلص وليامز إلى أن النماذج القائمة على الإعلانات كانت تشجع مصممي المنتج وصانعيه في شبكة ميديوم على التركيز على أرقام عرض الصفحة فقط، وهذا أمر سيئ.

كتب أحد مستثمري موقع ميديوم في جوجل فينتشرز، إم جي سايغلر، لدعم إعلان ويليامز: لقد نشر موقع ميديوم حوالي ملياري كلمة في العام الماضي، و7.5 مليون منشور، وأصبح اليوم عدد القراء المسجلين باشتراك شهري 60 مليون قارئ. ها قد ارتفعت أرقام عرض الصفحة، فالخطوة الثانية هي ببساطة وضع بعض الإعلانات على الموقع، ثم تأتي الخطوة الثالثة وهي الربح، أليس كذلك؟ ولكن الحقيقة التي لربما أصبحت رؤيتها صعبة بوجود أرقام كهذه، هي أنها لا تلزم أحداً لمتابعة المسير في درب إذا كان يعلم أنه لن يكون ناجحاً في النهاية. ولذلك، يكون العمل الحكيم وشديد الصعوبة في الوقت ذاته، هو وضع أرقام المقاييس المرتفعة هذه جانباً وتصحيح مسارك.

يمكن أن تكون الأرقام خادعة، وحتى تلك التي تثير الإعجاب على نحو جنوني. فهي قادرة على خداعك حتى إذا لم يكن هدفك الحقيقي هو بناء الموقع على أساس أرقام عرض الصفحة الكبيرة على الإنترنت. ولن يكفيك أن تكون هذه الأرقام كبيرة فحسب. وكن واثقاً أن هذا جزء من المعادلة. وهناك جزء آخر منها على ذات القدر من الأهمية وهو الاستمرار بالابتكار في المنتج والخبرة الجوهريين وبناء نموذج عمل دائم في الوقت ذاته من أجل ضمان تحقيق القيمة الحقيقية من المحتوى لجميع الأطراف، الناشرين والقراء على حد سواء، وعلى المدى الطويل.

هناك العديد من منصات الإعلام الاجتماعي الأخرى التي تكسب المال عن طريق الإعلانات وأرقام عرضها، وهذا ما يجعلها حساسة تجاه المشكلات التي وصفها سايغلر آنفاً: "المقاييس التي تفخر بها المنصة والضغط من أجل زيادة الحجم". ولذلك، كما هو حال منصة ميديوم تماماً، تنتشر المواقف المضادة لهذه المقاييس بين الشركات التي تسعى لبناء شبكات اجتماعية من أجل تحقيق قيمة عميقة على المدى الطويل. وفي الحقيقة تقاوم بعض الشركات هذا الضغط عن طريق رفض تلقي نقود الاستثمار رفضاً باتاً، إذ يمكن لممولي المشاريع أحياناً ممارسة بعض الضغط على الشركات من أجل زيادة الحجم بسرعة أكبر.

إذن، ما هي مقاييس الإعلام الاجتماعي عالي الجودة؟

في عالم منشورات المحتوى الرقمي، أنصح عملائي غالباً بقراءة الكتاب الإلكتروني المجاني "عالم مقاييس المحتوى الجديد" الذي نشرته وكالة ومنصة تسويق المحتوى كونتنتلي (Contently) عام 2014. (وهذا الكتاب الإلكتروني جيد على الرغم من عدم مشاركتي في إنتاجه!). يحدد هذا الكتاب المقاييس الزائفة والمقاييس التي يمكن أن تجربها شركات المحتوى إذا كان هدفها هو تحقيق عائد على الاستثمار على المدى الطويل. وهذه المقاييس طويلة الأمد هي: 1) "وقت التفاعل" (Engaged Time) وهو الوقت الذي يحظى المحتوى فيه على انتباه القارئ ويقاس عن طريق التمرير (scrolling) ووضع الإشارات التمييزية (highlighting) وما شابه. 2) "القراء وعودة القراء" (Readers and Returning Readers) وهو عدد القراء الذين يعودون إلى المحتوى ووقت تفاعلهم في كل مرة. و3) "متوسط الإنهاء" (Average Finish) وهو النسبة المئوية للقراء الذين ينهون قراءة المنشور.

هل يمكن تطبيق مقاييس المحتوى هذه على المواقع الاجتماعية؟ فبعضها يعمل على كل من منصات المحتوى والمنصات الاجتماعية (على سبيل المثال، هناك مقياسا عودة المستخدمين ووقت التفاعل). ولكن على الرغم من كون هذه المقاييس أفضل من مقياس عرض الصفحة، إلا أنها لا تزال قادرة على تضليل من يصنعون المنتج. على سبيل المثال، قد يتمتع أحد منتجات الإعلام الرقمي بأرقام عالية على مقياس وقت التفاعل لأنه منتج يسبب الإدمان عليه، لا لأنه يحقق قيمة عميقة طويلة الأجل للمستخدمين.

إذن، أي المقاييس قادرة على قياس مدى عمق الأفكار التي تنشأ في محادثة ما أو دفئها أو تناغمها أو قيمتها؟ ربما كان بالإمكان تخفيض الضجيج وتشجيع المستخدمين على اعتبار فعل المشاركة قيماً عن طريق تقييد كمية المعلومات التي يمكن للمستخدمين نشرها من خلال منصة ما. وبالتالي، تتمثل إحدى الاستراتيجيات بتقييد المستخدمين بنشر رابط واحد يومياً. وهناك شركتان جربتا اتباع هذه الاستراتيجية، أغلقت إحداهما وهي شركة ذيس. (This.). في حين لا تزال الأخرى تعمل وهي كاتش بول (Catchpool) علماً أن الشركتين انطلقتا للعمل في عام 2014.

وهناك طريقة أخرى للتفكير بتخفيض الضجيج وهي بإجبار المستخدمين على طلب الانضمام إلى الشبكة أو التركيز على مواد اختصاصية، كالشبكات الاجتماعية للمنشورات التجارية. خذ شركة كويب (Quibb) على سبيل المثال، التي تطالب مستخدميها بالانضمام إليها وتسمي نفسها "شبكة مهنية لمشاركة أخبار القطاع وتحليلاتها" ضمن قطاع التقنية. (واعتراف صريح مني: كانت شركة كويب أحد عملائي السابقين).

ومن ناحية أخرى، إذا كان المستخدم يستثمر وقتا طويلاً في مساعدة مجتمع ما، أي إذا تطوع للحفاظ عليه أو تحسينه، أو إذا دفع رسم الاشتراك لدعمه فهذا المجتمع يشكل قيمة بالنسبة لهذا المستخدم، وهذه المقاييس صعبة التحقيق ولكنها ليست صعبة القياس. وهناك بعض المجتمعات الرقمية التقليدية التي تبني استمرارها على نماذج كهذا، مثل موقع ميتافيلتر (MetaFilter) الذي أسس عام 1999 والذي كان يدعم نفسه على موقع جوجل آد سينس (Google AdSense). ولكن أجبرته التغيرات في خوارزميات جوجل على البحث عن نموذج آخر عام 2014، وأصبحت الاشتراكات اليوم جزءاً أساسياً من نموذج عمل الموقع.

ثم هناك برامج مثل مايتي نيتووركس (Mighty Networks) الذي أطلق عام 2011 من أجل دعم العديد من الشبكات الاجتماعية التي تركز على اختصاصات معينة. أسست جينا بيانشيني برنامج مايتي نتووركس باسم مايتي بيل (Mightybell) بداية، وكانت قد تشاركت قبل ذلك مع مارك أندرسن لتأسيس برنامج "نينغ" (Ning) وهو من أوائل برامج المجتمعات المتخصصة، حيث يمكّن برنامج مايتي نتووركس مؤسسي المجتمعات من كسب المال من مجتمعاتهم حسبما يناسبهم عن طريق توفير أدوات قابلة للتعديل لهم. مثلاً، قد يرغب مؤسس مجتمع ما اتباع طريقة الاشتراك، أو يرغب باستخدام برامج الرعاية، وكلا الخيارين يدعمهما برنامج مايتي نيتووركس، سواء كان ذلك بصورة منفردة أو مجتمعين.

وبهذه الطريقة يسعى برنامج مايتي نيتووركس إلى تحقيق التوافق بين نموذج عمله ومحفزات العمل لدى المستخدمين الذين ينشئون مجتمعات مخصصة صغيرة ويحافظون عليها. وكما قالت لي بيانشيني في اتصال هاتفي: "نظراً لكون منصتنا مخصصة لشبكات الهوية والاهتمامات، يكون من واجبنا مساعدة مؤسسي المجتمعات على جني الكثير من المال. وهذا يختلف كثيراً عن نموذج العمل القائم على الإعلانات الموجهة. فنحن لسنا مقدم محتوى مركزي لمواقع الإعلام الاجتماعي يحاول أن يكون كل شيء بالنسبة للجميع".

ومن هذه الفلسفة يأتي نموذج الخدمة لمؤسسي المجتمعات. وهذا أيضاً ينعكس في ميزات برنامج مايتي نتووركس القابلة للتعديل، والتي يمكن لكل مؤسس مجتمع تشغيلها أو إيقافها، وهذا يعني احتمال اختلاف المقاييس المثالية من مجتمع لآخر ضمن مايتي نتووركس. على سبيل المثال، يتيح برنامج مايتي نتووركس لأفراد مجتمعه إجراء محادثات بطرق مختلفة، حيث يمكن لمؤسس المجتمع اختيار طريقة الصور أو الرسائل النصية أو الفيديو أو مجموعة طرق تشملها جميعاً. قالت لي بيانشيني: "إن مستقبل الاهتمامات المشتركة والهوية يسمح لمؤسسي المجتمعات تعديل المنصة من أجل السماح بنشوء اتصالات جديدة".

في النهاية، ربما لا يصل حجم برنامج المنصة التي تتفوق في مجال معين مثل "أفضل المعلومات" أو "العلاقات الأكثر عمقاً" إلى مليار مستخدم، ولن يشكل ذلك أي مشكلة. فيمكن أن تبقى المنصة صغيرة أو أن يزداد حجمها ضمن مجتمع صغير واحد في كل مرة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!