تابعنا على لينكد إن

هارفارد-بزنس-ريفيو-المدراء-الجددقبل فترة ليست ببعيدة، عملت مع واحدة من زبائني التي كانت وقتها قد دخلت إلى عالم الإدارة للمرّة الأولى. وكانت هذه الزبونة التي تدعى تيري، والتي تُعتبرُ موظفة محترمة للغاية في قسم التسويق في إحدى شركات الأدوية، قد كلّفت بقيادة فريق التسويق. وضمن منصبها الجديد هذا، كانت مسؤولة عن توجيه مجموعة من موظفي التسويق الأذكياء الذين كانوا من عديمي الخبرة (معظمهم كانوا أصلاً من أقرانها)، حيث طُلب منهم وضع خطط وبرامج ترويجية لمجموعة من الأدوية التي ستُباع على المستوى العالمي. وقد تطلّب ذلك تجميع بيانات حول السوق، وحول التوجهات المالية، فضلاً عن المعلومات التي تخصّ المنافسين. كما كان يتعيّن عليهم بعد ذلك العمل مع أشخاص مختصين في الحقل الطبي وفي مجال تنظيم قطاع الأدوية، ومع الوكالات الإعلانية، ومدراء المنتجات، والموظفين المحليين في كل بلد من أجل تحديد شكل الخطط النهائية.

لقد كانت تيري نفسها بارعة جدّاً في تنسيق هذه الجهود بمفردها، لكنّ العديد من أعضاء فريقها وجدوا صعوبة ومعاناة في الحصول على المعلومات المناسبة في الوقت الصحيح، وفي استخلاص أهم النتائج، وفي التعاون مع أشخاص ينتمون إلى مجموعات مختلفة ضمن الشركة. لقد أظهروا ببساطة فشلهم في وضع منتج عالي الجودة. وبما أنّ تيري لم تكن ترغب في أن تخيّب آمال مديرها بها، وفي أن تتجاوز المهلة النهائية المعطاة لها لتسليم الخطط، فقد شمّرت عن ساعديها، ونزلت إلى الميدان، وبدأت تنجز معظم العمل بنفسها، حيث كانت تستلم زمام الأمور نيابة عن أي عضو في الفريق حالما كان يواجه أي مشكلة، كما كانت تتولّى العمل مع الموظفين من الأقسام الأخرى، فضلاً عن تصحيح الخطط وإعادة كتابتها كلّما استلزم الأمر ذلك.

في الوقت ذاته طبعاً، كان يتعيّن على تيري أن تضطلع بمسؤولياتها الجديدة، والتي شملت رفع تقارير تبيّن سير الأوضاع، وتقويم برامج التسويق الحالية، وتحديد موازنات الفريق، فضلاً عن حضور اجتماعات الموظفين، واجتماعات الأقسام، والاجتماعات مع الفرق العالمية والتي تتمّ عبر الهاتف أو الفيديو، وغير ذلك من الاجتماعات التي بات حضورها الآن إلزامياً. وسرعان ما صارت تعمل لمدّة 15 ساعة يومياً مع اضطرارها إلى القدوم إلى المكتب خلال عطلة نهاية الأسبوع. ومع ذلك فلم تكن قادرة على إنجاز الأعمال المطلوبة منها بالجودة المتوقعة. كانت تعلم بأنّ هذا الوضع لا يمكن أن يدوم على هذا النحو، لكنّها لم تكن تجد الوقت المناسب لتقرّر كيف ستتصرف بطريقة مختلفة.

المؤسف في الأمر هو أنّ هذا السيناريو شائع جدّاً لدى الأشخاص الذين يتولّون منصب الإدارة للمرّة الأولى، علماً بأنّ نسب الفشل لديهم، بحسب الدراسات، تصل إلى 50% خلال السنة الأولى. ورغم أنّ بعض ذلك قد يُعزى إلى سوء الاختيار أو ضعف التدريب والإرشاد، إلا أن جزءاً منه يقع تحت سيطرة هؤلاء المدراء أنفسهم. فواحدة من أكثر العقبات شيوعاً والتي تقف عائقاً في طريق المدراء الجدد هي إخفاقهم في رسم الحدود الصحيحة في وظيفتهم الجديدة. وأنا أشير هنا إلى الحدود الواضحة التي تبيّن بجلاء ما يجب على المدير الجديد فعله، وما لا يجب عليه فعله، وما هي المدّة الزمنية التي يجب أن يقضيها في العمل، وكيف سيُقاس النجاح. وعادة ما تصبح هذه الخطوط ضبابية ومائعة مع محاولة المدير الجديد التهافت في الصعود نحو الأعلى لتبرير حصوله على الترقية، حيث أنّه غالباً ما يؤدّي أكثر ممّا هو مطلوب منه من أجل تحقيق نتائج عظيمة. وليس هناك مشكلة في هذا الأمر بحدّ ذاته. لكنّ المشاكل تنشأ عندما لا يكون هناك حوار متواصل مع أعضاء الفريق، والأقران، والمدراء بخصوص تعريف “النجاح” و”النتائج”، ومن يتحمّل مسؤولية ماذا. فدون وجود حدود واضحة، فإنّ المدراء الجدد سرعان ما يمكن أن يصابوا بالتخمة جرّاء العبء الكبير الملقى على عاتقهم والذي يفوق قدرتهم على إدارته.

في حالة المديرة تيري، هي شعرت بأنها مسؤولة عن التأكّد من أنّ كلّ ما ينجزه فريقها كان مثالياً، ممّا كان يعني بأنّها كانت تضطّر غالباً إلى التدّخل لإنجاز بعض الأشياء بنفسها. هذه العادة السيّئة بعثت برسالة إلى الآخرين مفادها بأنّهم يتحمّلون مسؤولية “أقل”. ونتيجة لذلك، لم يكن فريقها يتعلّم كيف ينجز عملاً عالي الجودة بنفسه. كما أنّ موظفو الأقسام الأخرى لم يكونوا يتعاونون بكفاءة (فقد كانوا يرسلون المعلومات بطريقة مشتتة ومتقطعة وبأيّ شكل يناسبهم). ولم يكن مديرها يضطلع بأي دور في مساعدتها في تحسين العملية. وكان كلّ شيء يقع على كاهل تيري.

في نهاية المطاف، وبمساعدة من أحد المرشدين، علمت تيري بأّنها يجب أن ترسم حدوداً من خلال توضيح دورها مع جميع الأطراف المعنيّة.

بادئ ذي بدء، عمدت إلى التأكّد من أن أعضاء فريقها يعلمون “بأنهم” مسؤولون عن وضع خطط عالية الجودة، وبأنّها “هي” من سيزوّدهم بالأدوات، والتدريب، والإشراف الضروري لإنجاز هذه المهام. بعبارة أخرى، لم تكن وظيفتها تتمثّل في التغطية على الآخرين، أو في التدخّل في كلّ مرّة لم يكونوا واثقين فيها ما الذي يجب عليهم فعله؛ بل كانت وظيفتها هي أن تساعدهم في أن ينجحوا اعتماداً على قدراتهم الذاتية. وللقيام بذلك، فقد اعتمدت تيري على تجربتها كمسؤولة تسويق متفوّقة. فقد وضعت نماذج للخطط الجيدة، وما تتضمّنه من عناصر رئيسية، وعرضت هذه الخطط على أعضاء فريقها. وأقامت جلسات حوارية بهدف مراجعة الجوانب المختلفة لعملية التخطيط – مثل تحليل البيانات السوقية وإدارة عملية الامتثال – وأدارت بعض النقاشات بين أعضاء الفريق وخبراء الشركة. كما عقدت تيري اجتماعات دورية شخصية مع كل موظف يعمل تحت أمرتها، بحيث يكون بمقدورها تقديم رأيها فوراً إلى الموظف بما يسمح له بأن يحسّن أداءه.

بالنسبة لمعظم المدراء الجدد، لا تُعتبرُ هذه النقلة نحو التدريب والتوجيه سهلة. فقد يبدو أنّ من الأسهل لك أن تنجز كلّ شيء بيديك، لكننّا رأينا كيف يمكن لهذه النزعة أن تكون مدمّرة للغاية. كما أنّ المدراء الجدد مثل تيري يمكن أن يظلّوا عالقين في حالة من أداء العمل نيابة عن مرؤوسيهم، الأمر الذي يمنع أعضاء فرقهم هؤلاء من تطوير المهارات التي يحتاجونها للنجاح.

كما تعلّمت تيري أيضاً كيف ترسم الحدود مع أقرانها الجدد، أي رؤساء الأقسام الأخرى في الشركة. فقد اجتمعت مع هؤلاء المدراء لوضع مجموعة من الترتيبات بخصوص مستوى الخدمة، وكيفية حصول التعاون بين مختلف الأقسام والوظائف. وبهذه الطريقة، فإنّ أيّ معلومات كان فريقها يحتاجها من قسم المالية أو المبيعات أو أيّ قسم آخر، كانت تصل في الوقت المحدّد وبالشكل المطلوب. وفي نهاية المطاف، سمح هذا الأمر لفريقها بإدارة سير العمل بطريقة أفضل، وأصبح من الأسهل بالنسبة لها أن تقدّم يد العون عندما كان يحصل أي سوء تفاهم.

أخيراً، جلست تيري مع مديرها لتعرّف دورها بوضوح أكبر، ولكي تقرّر معنى النجاح بالنسبة لها. فواحدة من الأخطاء الشائعة التي يرتكبها المدراء الذين يتولّون منصبهم للمرّة الأولى هي الافتراض بأنّ كلّ هدف مهمٌ، ويحتاج إلى أن يُنجز في أسرع وقت ممكن. وبما أنّ تيري لم تكن تمتلك صورة واضحة عن التغيّر الذي طال أولوياتها السابقة بعد توليها لمنصبها الجديد، فقد وقعت في ذلك الفخ؛ حيث حاولت أن تفعل كلّ شيء. وعندما عملت أخيراً مع مديرها من أجل التمييز بين أولوياتها القديمة والجديدة، تمكّنت من أن ترى وبوضوح ماذا كان مُنتظراً منها في منصبها كمديرة.

إنّ البدء بخوض هذه النقاشات المتعلّقة برسم الحدود، ومعاودة طرحها عندما تقتضي الضرورة، هو جزء أساسي من تعلّم كيفية الإدارة. فهو يتطلّب الشجاعة في المقام الأول (وخاصّة إذا كانت تحاول أن تبرّر ترقيتك أمام مديرك). ولكن دون هذه النقاشات، فإنّك ستقع في فخ تضطر معه إلى تولّي مسؤوليات غير واقعية، الأمر الذي سيحدّ من نجاحك ونجاح فريقك. كما أنّ ضبط هذه الحدود بفعالية يمنحك طريقة لمضاعفة أثرك عبر الآخرين، وهذا دور جوهري لأيّ مدير، في نهاية المطاف. ناهيك عن أنّ ذلك ينطوي على قدر أكبر من المتعة مقارنة مع العمل لمدّة 15 ساعة يومياً. وإذا لم تصدّق فما عليك إلا أن تسأل تيري عن هذا الأمر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

3 تعليقات على "إلى المدراء الجدد: لا تحاولوا إنجاز عمل فريقكم نيابةً عنه"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Abdulkarim4587
زائر
Abdulkarim4587
1 سنة 11 شهور منذ

مقال رائع جدا. خلال حياتي الوظيفية مر علي ثلاثة مدراء وكلهم وقعوا في مطب الحدود الواضحة والصحيحة في وظيفتهم الجديدة , وفي رأيي الشخصي ان ذلك يعود لثلاثة اسباب:
اولا: انهم لم يعطوا انفسهم الوقت الكافي لمعرفة وفهم مسئولياتهم الجديدة, بل كانوا يعيشون نشوة المنصب والحماس اللامحدود للانتاجز
ثانيا: لم يبادروا بمعرفة الموظفين عن قرب والجلوس معهم لمعرفة مهامهم ومايواجهونه من صعوبات تعيق الحصول على النتائج المطلوبة
ثالثا: الثقة المفرطة في النفس والتقليل من شأن الموظفين , على اعتبار ان ه}لاء الموظفين غير جديرين بالثقة كونه لم يتم تعيين احدهم مديرا عندما كان المنصب شاغرا وتم تعيين مدير جديد من خارج الادارة.

ribery1
زائر
ribery1
1 سنة 11 شهور منذ

دعم الإدارة للمدير الجديد امر هام جداً في وضع الحدود بين الأعمال التي يقوم بها وبين الأعمال التي ينجزها فريقه ، ايضاً الدعم النفسي يكسبه ثقة كبيرة خاصة اذا اصبح يدير موظفين كان واحداً منهم ويعمل معهم سابقاً وهذا الدعم سيوفر وقت وجهد كبير لجميع الأطراف والمستفيد الأخير هي المؤسسة أو الشركة التي يعملون بها

twitter_azizhamad70
Member
twitter_azizhamad70
4 شهور 3 أيام منذ
إذا كانت الإدارة محترفة فإن تلك العقبات تحل تلقائيا، لإن النظام العام في المنشأة هو من يتكفل بتحديد المهام ودعم المدير التنفيذي بالأدوات اللازمة لإنجاز المطلوب، فتقتصر مهمته على المتابعة بعد منحه الصلاحيات اللازمة لتذليل الصعوبات، فقط في الإدارات غير المحترفة تبرز تلك المشاكل، فتتم مطالبة المدير بالإنجاز دون منحه أية صلاحيات لذلك يكون مصيره الفشل في ظل إدراك فريقه لأهم نقاط ضعف المؤسسة والتي تتلخص في الإدارة السيئة والتي منها حتما أن المحاسبة سوف تطاله هو فقط مما سوف يشجع الفريق لعدم التعاون معه بما أنه الوحيد الذي سوف يتحمل نتائج كل شئ لمعرفتهم بعدم وجود أية صلاحيات لديه… قراءة المزيد »
wpDiscuz