إنّ إحدى الصعوبات التي نواجهها عند محاولة إنجاز الأشياء العظيمة تكمن في معرفة الطريق إلى الوصول إلى تلك الأشياء. فكل كتاب تقرأه كتبه شخص كان قد أنهى تأليف كتاب ما. وكل حفلة موسيقية تحضرها تضم موسيقيين يمكنهم العزف بشكل جيد بما فيه الكفاية ليكونوا على المنصة. يمكنك رؤية المنتج النهائي، ولكنك لا تستطيع رؤية جميع الخطوات التي يتطلبها الوصول إلى هناك.

تركز الكثير من النقاشات الدائرة حول كيفية تحقيق أهداف عظيمة على العزيمة؛ ذلك المزيج من المرونة والمثابرة المطلوبين للالتزام بالهدف الكبير ومتابعته حتى تحقيقه. إلا أنّ عاملين اثنين هما اللذين يساعدانك على تحقيق هذه الأهداف الكبيرة ولا يحظيان بالكثير من الاهتمام على الرغم من أهميتهما للوصول إلى النجاح.

أولاً، من الصعب تصور مهام محددة يلزم القيام بها لتحقيق أحد الأهداف الكبيرة. فبغض النظر عن مستوى تخطيطك للمهمة الكبيرة، إلا أنه ثمة تفاصيل معينة لا تكون ظاهرة للعيان حتى إكمال تلك المهمة. على سبيل المثال، أعرف الكثير من الأشخاص الذين تتوفر لديهم رغبة بنشر كتاب لهم. في بداية الأمر يعتقد هؤلاء أن التحدي الكبير في هذه الحالة هو كتابة الكتاب، حيث يرون أن كونهم مؤلفي كتب هو أمر يحتاج ببساطة إلى جهد كتابي متواصل. ولكن لكي تصبح مؤلفاً ناشراً يجب عليك التفكير في الحصول على وكيل وناشر وكتابة مقترح والعمل مع أحد المحررين وتطوير خطة للترويج للكتاب بعد نشره. كما يتطلب تحدي كتابة الكتاب القيام بخطوات أكثر من مجرد تلك التي يفترضها الناس بشكل أولي، ويشمل ذلك التفكير بعناية أكبر حول البنية الإجمالية للمستند والتي تُطلب عموماً لكتابة تقرير أو مقالة قصيرة.

ثانياً، أنت لا تحصل في أغلب الأحيان على آراء حول مستوى نجاحك في المهمات الكبيرة حتى تكون الكثير من أجزاء ذلك المشروع جاهزة بالفعل. ويتطلب المشروع واسع النطاق دمج جميع المهمات الخاصة بطريقة منسقة، حتى لو بدا وكأن بعض الأجزاء من تلك المهمات يتم إنجازها بشكل صحيح. وبالعودة إلى مثال الكتاب، فقد يكون من الصعب تحديد فيما إذا كان الكتاب بأكمله مترابطاً منطقياً بالاطلاع فقط على الفصول التي أكملت كتابتها. ولا تستطيع التأكد من ذلك إلا إذا توفرت لديك مسودة كاملة تمكنك من تقييم فيما إذا كان المشروع ناجحاً.

يجدر بك العمل من خلال مشاريع يمكنك إدارتها بشكل أكبر إن كانت هذه تجربتك الأولى لتحقيق هدف واسع النطاق. والفكرة من ذلك هي اختصار دائرة التعلم من خلال التعامل مع مشروع أصغر، حتى تستطيع الحصول على آراء مبكرة وصقل النهج الخاص بك قبل القيام بمهمات معقدة مرتبطة بمشروع أكبر. فالمهمات الفردية التي تأتي في إطار مشاريع كبيرة تتطلب الممارسة. ولا يمكنك توقع إنجازها على نحو مثالي من المرة الأولى عندما تضع لنفسك أهدافاً كبيرة.

فبدلاً من كتابة كتاب، ابدأ طريقك بمقالات قصيرة مثلاً، حيث توفر هذه المقالات فرصاً لتعلم كتابة أفكار مكتملة، والحصول على الآراء والملاحظات حولها، واكتشاف حجم الترويج الهائل الذي يجب القيام به بعد الكتابة، وإلا فلن يقرأ أحد ما كتبت. وبهذه الطريقة، تصبح المقالة القصيرة بمثابة اللبنة الأولى التي تُبنى عليها العملية الأكبر.

ومن هناك، يمكنك المضي نحو مشاريع أكبر والاستمرار في تطوير خبراتك في أدق مكونات هذه المشاريع. ويعتبر الحصول على المساعدة من الخبراء الذين بمقدورهم تقوية مواطن الضعف لديك أمراً ذي قيمة كبيرة في هذه المرحلة. وقد يكون من المفيد مثلاً أن تقوم بإشراك أحد المحررين في المشاريع الكبيرة لمساعدتك في كتابتك النثرية، حيث يعتبر تعلم العمل مع محرر خطوة عملية أيضاً، لذا يمكن أن يكون التدرب على ذلك بمثابة ميزة عند العمل على الكتابات الصغيرة وصولاً إلى كتابة كتاب.

هذه الأمور ليست مهمة لصناعة منتجات كبيرة فحسب، إنما هي ضرورية للحصول على وظائف جديدة ومهمة. إذ يتطلع الكثير من الأشخاص ليصبحوا قادة في محاولة للتقدم في مؤسساتهم، وتنطوي هذه المناصب على تحول من العمل التقني، الذي يقوم به الموظفون عادة عند بدء العمل في مؤسسة ما، إلى عمليات تنظيم للموظفين الآخرين وتحفيز لهم.

ومن الأفضل أن يقوم الموظف بالتدرب من خلال قيادة مشاريع محددة بدلاً من البدء بالتنقل من وظيفة إلى أخرى مباشرة. ففي أغلب الأحيان لا تكون المهارات المطلوبة لإقناع مجموعة في العمل بفعالية معاً واضحة في بداية الأمر، لذا يمكنك أن تحظى بفرصة لرؤية قيمة العناصر التي تكون مخفية، مثل التواصل وطلب الآراء التقويمية والتفويض والتقييم. كما تكون لديك الفرصة للتدرب على كل خطوة من هذه الخطوات في مشروع تكون نتيجته أقل أهمية مما يواجهه الموظفون عندما تكون القيادة جزءاً مهماً من ملفهم التعريفي.

إنّ أحد النتائج التقليدية في الكتابات النفسية هو تأثير دانينغ-كروجر (الذي سُمّي بهذا الاسم نسبة لديفيد دانينغ وجستين كروجر اللذين وصفاه أولاً): وهو ميل الأشخاص غير المؤهلين للمبالغة في تقدير قدراتهم بينما يميل الأشخاص المؤهلون للتقليل من قدراتهم. لماذا؟ يجهل الأشخاص غير المؤهلين عناصر كثيرة تدخل في نطاق عمل الخبراء، وبالتالي يثقون في قدراتهم على تنفيذ جميع المهمات الضرورية للنجاح بشكل مبالغ فيه.

ومن خلال البدء مع مشاريع صغيرة تشمل نطاقاً من المهمات المشتركة في إطار مشاريع كبيرة، يمكنك المساعدة في الحد من بعض هذه الثقة الزائدة. ستتعلم ما يتضمنه عمل الخبراء، وتحصل على الكثير من الفرص لصقل قدراتك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!