سألت على مر السنين مئات الطلاب من التنفيذيين عن المهارات التي يعتقدون أنها ضرورية للقادة. وتلقيت بصورة متكررة الإجابة التالية: "القدرة على إعطاء آراء تقييمية قاسية". ولكن ماذا تعني بالضبط عبارة "الآراء التقييمية القاسية؟". توحي هذه العبارة أنها تحمل أخباراً غير سارة مثلما هي الحال عندما يتعين عليك إخبار أحد أعضاء الفريق أنه ارتكب خطأ جسيماً. وتعني كلمة قاسٍ كذلك اللهجة التي نعتقد أن علينا أن نلجأ إليها عند إعطاء رأي تقييمي سلبي، كأن نتحدث بحزم وصرامة وعزم.

لكن كلمة "قاس" تشير أيضاً إلى الشعور بالحرج الذي يواجهه البعض منا عند إعطاء تقييم سلبي، والتحدي المتمثل في القيام بذلك بطريقة تحفز على التغيير بدلاً من جعل الآخر يشعر بأنه في موقف دفاعي. يقع المدراء في عدد من الفخاخ الشائعة. قد نشعر بالغضب حيال موظف ونغتنم فرصة إجراء محادثة ننقل إليه خلالها رأينا التقييمي للتنفيس عن الغضب بدلاً من التوجيه. أو قد نتأخر في إعطاء الرأي التقييمي المطلوب لأننا نتوقع أن يلجأ الموظف إلى المجادلة ويرفض تحمل المسؤولية. قد نحاول تغليف الملاحظات السلبية بملاحظات إيجابية، مثل من يحاول ابتلاع قرص دواء مُر في ملعقة من العسل. ولكن مثل هذا النهج خادع، لأننا لا نريد أن نمرر الرأي التقييمي دون أن يلاحظه أحد داخل العسل. بدلاً من ذلك، من الضروري تهيئة الظروف التي يمكن للمستقبل من خلالها تلقي الملاحظات والتفكير فيها والتعلم منها.

للتعرف على ما يبدو عليه ذلك في الممارسة العملية، سأعرض جنباً إلى جنب محادثتين تتعلقان بإعطاء آراء تقييمية جرتا في أعقاب توتر في مكان العمل. كانت المعالجة الطبيعية إم جي بوليتز التي تعمل في باسيفيك نورثوست تعالج مريضاً في المستشفى في أحد الأيام عندما أرسلت زميلة لها نداء. تبعاً للإجراءات، اعتذرت من المريض وخرجت من غرفة العلاج للرد على النداء. لم ترد الزميلة التي أرسلت لها النداء على هاتفها عندما اتصلت بها، ولم تكن قد تركت لها رسالة تصف الموقف الذي برر النداء. تكرر الأمر مرتين أخريين خلال جلسة العلاج نفسها. وفي المرة الثالثة التي تركت فيها المريض للرد، فقدت أعصابها وتركت رسالة غاضبة في البريد الصوتي لزميلتها. غضبت الزميلة عند سماع الرسالة، وأبلغت المسؤول المشرف عليها أنها تضمنت إساءة لها.

عقدت الجلسة الأولى لتوجيه الملاحظة التقييمية للمدعوة إم جي في مكتب المشرف. وهي تتذكر ذلك قائلة: "عندما ذهبت إلى مكتبه، كان قد قرر بالفعل أنني المُلامة؛ كانت لديه كل المعلومات التي يحتاجها ولم يكن مهتماً لسماع ما حدث من وجهة نظري. لم يأبه للمرات الثلاث التي خرجتُ فيها من العيادة. لم يعترف أن ذلك قد يكون السبب في اشتعال غضبي". أحال المشرف إم جي إلى قسم الموارد البشرية لاتخاذ إجراء تأديبي بحقها. غادرت مكتبه وهي تشعر بالغضب والظلم.

قالت إم جي إن المحادثة التي أجرتها لاحقاً مع موظفة الموارد البشرية غيرت الأمور. "فهمت موظفة الموارد البشرية درجة انفعالي، ووضعت ذلك في اعتبارها. لقد تصرفت بطريقة ذكية: أخذت الأمور بروية، ولم تطلب مني أن أبادر بالحديث. بدلاً من ذلك، قالت: لا يسعني سوى أن أتخيل ما تشعرين به الآن. أنت هنا في مكتبي لاتخاذ إجراء تأديبي بحقك. لو كنت مكانك لشعرتُ ربما بالغضب والإحباط والحرج… هل هذا ما تشعرين به؟ لقد أحدث كلامها فرقاً كبيراً لدي".

عقب بناء الثقة بينهما، بدت إم جي مستعدة لتحمل مسؤولية سلوكها والالتزام بتغييره. بعد ذلك، قالت موظفة الموارد البشرية: "الآن، دعينا نتحدث عن كيفية تفاعلك مع تلك المشاعر في حينها". لقد أوجدت فسحة فتحت بفضلها حواراً حقيقياً.

كان للمحادثة اللاحقة أثر تعليمي قوي تمسكت به إم جي حتى يومنا هذا. "في كثير من الأحيان عندما تنتابنا مشاعر قوية، نذهب باتجاه ما سمته موظفة الموارد البشرية ‘مسار البقر’ لأنه محفور وضيق للغاية ويؤدي دائماً إلى المكان نفسه. لنقل إنكم تشعرون بالغضب، فماذا تفعلون؟ تنفجرون. لا بأس أن تنتابكم هذه المشاعر، لا بأس بالتنفيس عنها. وطلبت مني أن أفكر فيما يمكنني فعله للسير في طريق مختلف".

"لقد ساعدتني الملاحظات التقييمية لموظفة الموارد البشرية على تعلم إيجاد مسافة بين ما أشعر به والشيء التالي الذي يخرج من فمي. أعطتني الفرصة لكي أنمو داخلياً. ما جعل الأمر ينجح هو إنشاء مكان آمن وثقة وتواصل ثم الوصول إلى: أنت بحاجة إلى أن تتغيري. بدلاً من أن تبدأ بالقول: أنت بحاجة إلى أن تتغيري، مثلما فعل المشرف. كنت بحاجة إلى التغيير؛ كان هذا هو المغزى من الإجراء التأديبي. لكنها ما كان يمكن أن تبدأ من هناك لأن ذلك كان من شأنه أن يضعني في موقف دفاعي فأرفض التجاوب ولا أتحمل المسؤولية. ما زلت حتى يومنا هذا أعتقد أنه كان ينبغي توبيخ زميلتي في العمل. لكنني أتحمل أيضاً مسؤولية ما فعلت. أرى أنني وقعت في ’مسار البقر’ وأعلم أنني لن أفعل ذلك ثانية".

الاختلاف بين جلستي الملاحظات التقييمية اللتين نوقشتا آنفاً يتلخص في التوجيه، الأمر الذي يعمق الوعي بالذات ويحفز النمو، عكس التوبيخ الذي يحض على حماية الذات وتجنب تحمل المسؤولية. ولتلخيص ذلك، يمكننا القول أن محادثات الملاحظات التقييمية القوية ذات التأثير الكبير تشترك في العناصر التالية:

  1. النية في مساعدة الموظف على النمو، بدلاً من التركيز على إظهار أنه كان على خطأ. يجب أن تزيد الملاحظات التقييمية الحافز لدى الموظف واستعداده لبذل جهد للتغيير وليس استنزافه. عند التحضير للمحادثة، بصفتك مديراً، فكر فيما تأمل في تحقيقه والتأثير الذي تريد أن تتركه على الموظف، ربما عن طريق التأمل لفترة قصيرة قبل الاجتماع مباشرة.
  2. الانفتاح من جانب من يعطي الرأي التقييمي، وهو أمر ضروري لإقامة تواصل نوعي عالي الجودة يسهل التغيير. إذا بدأت وأنت تشعر بعدم الارتياح وبحاجة لحماية نفسك، فسوف يجاريك موظفك ويتصرف بالطريقة نفسها، وسيخرج كل منكما من المحادثة وهو يشعر بالإحباط من الآخر.
  3. دعوة الموظف للمشاركة في عملية حل المشكلة. يمكنك طرح أسئلة مثل: ماذا لديك من أفكار تقترحها؟ ما الذي تستنتجه من هذه المحادثة؟ ما هي الخطوات التي ستتخذها ومتى، وكيف أعرف؟
  4. يمثل إتقان طريقة إعطاء رأي تقييمي حول التطوير المهني الذي يحث على النمو تحدياً بالغ الأهمية، لأنه يمكن أن يحدث فرقاً بين أن يكون لديك موظف مساهم بقوة وإيجابية في الشركة وشخص يشعر أن الشركة تنتقص من قيمته فتتقلص مساهمته فيها إلى حد كبير. يمكن لمحادثة واحدة أن تحفز موظفاً أو تثبط عزيمته. والقائد الحقيقي القادر على تحفيز النمو لدى موظفيه هو الذي يرى لدى كل موظف المادة الخام التي ستجعله يتألق ويوجد الظروف التي تتيح له ذلك، حتى عندما يكون التحدي صعباً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!