هناك قصة مشهورة حول عامل تنظيفات في وكالة ناسا، سأله جون كينيدي عن طبيعة عمله فأجابه قائلاً: "أنا أعمل في مساعدة الإنسان للصعود إلى سطح القمر". وغالباً ما يُستشهد بهذه الحكاية لإظهار كيف أنّ أكثر الأعمال والوظائف وضاعة يمكن النظر إليها بوصفها ذات معنى ومغزى شريطة توفّر الذهنية السليمة والقيادة الحكيمة.

واليوم، يتنامى عدد الموظفين الذين لا يكتفون في وظائفهم بمرتبات لائقة وكريمة. فالمال يُغري الناس عموماً ويدفعهم للقبول بالوظيفة، غير أنّ الهدف والمغزى والتطلع إلى عمل ممتع وقيم هي الركائز التي تُحدد مدة بقائهم في الوظيفة وسوية جدهم واجتهادهم فيها. ويُعتبر البحث عن المغزى في العمل أمراً بالغ الأهمية لدرجة أنّ ثمة تصنيفات عامة لأكثر الوظائف معنى في العالم. وفي حين أنّ هناك عواملاً عديدة تُحدّد سمات الوظائف المرغوبة، نجد أنّ تلك التي تُسهم في تحسين حياة الآخرين هي التي تتصدر القائمة (مثل وظائف الرعاية الصحية والعمل الاجتماعي). ومن المثير للاهتمام أنّ دراسات تحليلية أظهرت وجود رابط طفيف وهامشي بين مقدار الراتب ودرجة الرضا في الوظيفة. فالمحامي الذي يتقاضى مرتّباً سنوياً قدره 150,000 دولار ربما لا يكون أكثر رضاً واندماجاً في عمله من المصمم الذي يعمل لحسابه الخاص ويكسب سنوياً 35,000 دولار فقط.

تُظهر الأبحاث باستمرار أنّ الناس الذين يملكون وظائفاً ذات معنى يتمتعون بصحة أفضل ومقدرة أكبر على الاندماج والعمل بروح الفريق، كما بإمكانهم تجاوز النكسات والخروج منها بسرعة أكبر، ومن المرجح أنهم أكثر قدرة على النظر إلى أخطائهم بوصفها رافعات أكثر منها إخفاقات. بعبارة أخرى، من المرجح أن يزدهر الناس عموماً ويتطورون في عملهم عندما يقيمون وظائفهم بوصفها ذات مغزى. لذلك، نجد أنّ الشركات التي تمتلك حساً قوياً وواضحاً لأهدافها تحقق أداء مالياً أفضل. ومن غير المستغرب أنّ الشركات الأكثر نجاحاً في العالم تُوفر أيضاً أفضل بيئات العمل في العالم.

على مدار العقود القليلة الماضية، أظهر عدد كبير من الأبحاث أنّ للقادة دوراً أساسياً ومهماً في مساعدة الموظفين على إدراك أهمية ومغزى أدوراهم الوظيفية. علاوة على ذلك، تعكس خصائص القيادة التي تعزز ثقافة معنى العمل والهدف منه شخصية القائد، التي ثبت أنّ لها تأثيراً قوياً على أداء الفريق والمؤسسة ككل.

تُبيّن الأبحاث، على وجه الخصوص، وجود 4 خصائص أساسية لشخصية القائد تُحدّد مقدرته على جعل أعمال موظّفيه أكثر معنى، وهي:

الفضول وحب الاطلاع

تُظهر الأبحاث أنّ الناس عموماً يعدّون عملهم ذا معنى عندما يشعرون بأنهم يُسهمون في خلق شيء جديد، خاصة عندما يشعرون بأنهم قادرين على الاستكشاف والتواصل مع الآخرين والتأثير فيهم. والقادة الفضوليون والمحبون للاطلاع يساعدون موظفيهم على استنباط المعنى في عملهم من خلال الاستكشاف وطرح الأسئلة وإشراكهم في الأفكار والرؤى المستقبلية. وبطريقة ما، يُساعد هؤلاء القادة موظفيهم على إيجاد المعنى في عملهم من خلال توفير طيف واسع من إمكانات إنجاز مهامهم، بدلاً من إلزامهم بأسلوب عمل محدد وتدخلهم في كل شاردة وواردة. ومن المرجح أيضاً أن يكون القادة الفضوليون أكثر عرضة للملل ويكرهون الرتابة، لذلك يبحثون دوماً عن الأشخاص الذين يأتون بأفكار جديدة لكي يجعلوا عملهم أكثر متعة.

التحدي والمثابرة

من أكبر المشاكل التي تواجهها المؤسسات والتي يتوجب حلّها هي الخمول والركود اللذان يتبعان تحقيق النجاح أو حتى مجرد توقعه. وتُظهر الأبحاث أنّ الناس المتفائلين الذين يتوقعون على الدوام أن يبلوا بلاء حسناً لا يجتهدون مثل أولئك الذين يتوقعون مواجهة المصاعب أو الفشل. والقادة الذين يحافظون على سوية عالية من الطموح حيال الفشل كما النجاح والذين يحفزون موظفيهم على أن يبقوا غير راضين تماماً عن إنجازاتهم، إنما يغرسون في نفوس أفراد فريقهم ومؤسستهم ككل إحساساً أعمق بمغزى أعمالهم وإنجازاتهم. نتيجة ذلك يمتلك الموظفون شعوراً بإحراز التطور والتجديد والنمو، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى خبرة عمل أكثر إيجابية وأعظم مغزى.

العمل على توظيف من ينسجم مع قيم وثقافة مؤسستهم

تُظهر الأبحاث أنّ الناس لا يجدون قيمة إلا في من ينسجم مع احتياجاتهم ودوافعهم الأساسية. لذلك، فإنّ الاتساق بين القيم التي يحترمها الأفراد وثقافة المؤسسة التي يعملون فيها، هو عامل دفع مهمّ جداً لأدائهم. وفي الواقع من الأفضل لك كقائد ألا تسعى إلى توظيف أفضل الناس، بل أكثرهم انسجاماً مع قيم مؤسستك. فالقيم تعمل بالنسبة لنا كبوصلة داخلية أو كعدسة نرى من خلالها مغزى الأشياء من حولنا. ولا شكّ في أنّ القادة الذين يُعيرون انتباههم للقيم التي يحترمها الأفراد، هم الأكثر احتمالاً لأن يوظّفوا أناساً من السهل عليهم التواصل مع زملائهم والانسجام داخل المؤسسة ككل، ما يساعد في نهاية المطاف على تحفيز الجميع لأن يكتشفوا مغزى عملهم في المؤسسة.

المقدرة على الوثوق بالآخرين

يكره غالبية الناس أن يتدخل قادتهم في كل كبيرة وصغيرة في عملهم. ولا شكّ في أنّ القادة المبالغين في التحكم والسيطرة يُشكلون مصدر إزعاج وإحباط للموظفين. فمن شأن ذلك أن يحرم الموظفين إحساسهم بأنهم يمتلكون دوراً فاعلاً في عملهم ويُشعرهم بأنهم عديمو الفائدة. وعلى العكس من ذلك تماماً، فإنّ القادة الذين يعرفون كيف يثقون بالناس من حولهم يميلون أكثر لأن يمنحوا موظّفيهم حيزاً أكبر من الحرية ليجرّبوا ويتطوروا وينموا. وعلى وجه الخصوص يساعد أولئك القادة موظفيهم على قولبة أدوارهم في العمل، الأمر الذي يسميه الباحثون "صياغة العمل". فالموظفون الذين تُتاح لهم فرصة تكييف وظائفهم وفق إمكاناتهم وحاجاتهم يميلون لأن يختبروا قدراً أكبر من الأهمية والقيمة لأنهم يشعرون أنّ مدراءهم يثقون بهم فعلاً.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ جميع الصفات الأربع آنفة الذكر يجب أن تتوفّر معاً. فالقائد المثابر الذي لا يثق بموظفيه، قد يعمل على إبقائهم في حالة تأهب دائم من خلال تقلّبه وغموضه، ما يؤدّي بالتأكيد إلى انخفاض سوية أدائهم ومعنوياتهم. والقائد الذي يحب التحدّي لكنه لا يتمتّع بالفضول وحب الاطلاع ربما يتنمّر في سلوكه، في حين أنّ القائد الواثق بموظفيه لكنه لا يدفعهم إلى المهام الصعبة وقبول التحدي يجعلهم يكتفون بإنجاز المهام السهلة. بعبارة أخرى، هنالك فرق واضح بين جعل العمل له مغزى وجعله مرحاً وسهلاً، تماماً كما أنّ هنالك فرق واضح بين الموظف المنخرط والفعّال في عمله والموظف المسرور والسعيد في عمله. في حين يؤدي الانخراط في العمل إلى الحماسة والاندفاع والتحفز، وكلها عوامل تعزز الأداء المتميز وتشكّل بالتالي قيمة مضافة للمؤسسة. من المرجح أن يفضي الشعور بالسعادة في العمل إلى التهاون في إنجازه على أكمل وجه. ولذا يتعيّن عليك كقائد مساعدة موظفيك على اكتشاف مغزى أعمالهم وإنجازاتهم، بدلاً من أن يكتفوا بالاستمتاع بوقتهم في مكاتبهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!