facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

تتسبب الأحداث المفاجئة أو الصدمات بزعزعة أعمالنا الروتينية المعتادة، وترمي بنا خارج مناطق الراحة وتدفعنا لطرح أسئلة كبيرة بشأن ما يهمنا والأمور الجديرة بأن نقوم بها. فلا عجب إذن أن كثيراً من الناس يعيدون النظر في حياتهم المهنية في ظل الأزمة الحالية.

اشترك رقمياً اليوم ونحن نضمن لك تحقيق الفائدة، وإن لم تحقق الاستفادة المرجوة من اشتراكك، يمكن إلغاؤه في أي وقت واستعادة المبلغ للمدة المتبقية من الاشتراك.

لكن، هل هذا الوقت مناسب حقاً؟ فقد زادت الجائحة الغموض، حتى بالنسبة لمن حالفهم الحظ ولم يصابوا بالعدوى وليسوا مضطرين للاعتناء بأحد المرضى ولا يعانون في سعيهم لكسب رزقهم، وأتتنا على حين غرة دون أن تفسح لنا مجالاً للاستعداد نفسياً ومالياً، ولا لإعداد البنى التحتية. يبدو الوضع خطيراً، وكما وضح علماء النفس، فإن الأوضاع الخطيرة تدفعنا للتصرف على نحو متحفظ، على عكس ما يتطلبه التفكير بالتغيير المهني. ومن الصعب أن تشرع في إعادة ابتكار حياتك المهنية بكل ثقة إذا كنت تشعر بالخوف من المجازفة أو القلق من فرص نجاحك.

كيف لنا أن نوازن بين ضرورة تأمين الاحتياجات الأساسية لبقاء عائلاتنا ومؤسساتنا، والحاجة الملحة المتنامية إلى القيام بشيء جديد بعد انتهاء هذه الأزمة؟

قمت بدراسة التغيير المهني على مدى العقدين الماضيين، وهي فترة تبدأ من تشكل فقاعة طفرة الويب (دوت كوم) وانفجارها، مروراً بالأزمة المالية عام 2008 والسلسلة التي تلتها من فترات تصاعد السوق (سوق الثور)، وصولاً إلى الجائحة التي نشهدها اليوم. علمتني هذه التجربة أن هناك بضعة مبادئ بسيطة قادرة على مساعدة من يمر بأوقات عصيبة على الاستمرار في التركيز على إعادة ابتكار حياته المهنية.

ضع عدداً من التصورات الممكنة لذاتك

عندما لا يكون بإمكانك معرفة ما يمكن أن يحصل في المستقبل، أو عندما يتغير المسار الذي ظننت أنك تسلكه فجأة، من المنطقي أن تسعى للحصول على مجموعة متنوعة من الخيارات بدلاً من حصر تفكيرك في خيار واحد. لن يكون التغيير المهني عملية متسلسلة تماماً حتى في أفضل الأوقات. بل هو رحلة استكشاف لا بد أن تتسم بالفوضى، وكي تقوم بها على النحو الصحيح يجب أن تجري اختبارات على مجموعة التصورات الممكنة لذاتك وتجربها وتتعرف عليها.

التصورات الممكنة للذات هي الأفكار التي تملكها عن الشخص الذي تود أن تكونه، بعضها ملموس وقائم على التجربة، في حين يكون البعض الآخر غامضاً مشوشاً وجديداً وغير مختبر. وبعضها واقعي، في حين يكون البعض الآخر محض خيال. ومن الطبيعي أن يكون بعضها أكثر إقناعاً من البعض الآخر.

سيكون الدرب الذي يؤدي بك إلى حياتك المهنية الجديدة ملتوياً أكثر من أي وقت مضى. ومن أجل استكشاف جميع الزوايا التي يجب عليك استكشافها، من الضروري أن تتخيل مجموعة متنوعة من التصورات الممكنة لذاتك ومستقبلك. اتبع هذه الخطوات واستكشف أكبر عدد ممكن من هذه التصورات.

تقبل مرورك بالفترة "الحدية"

السمة المميزة لعملية التغيير المهني هي التجربة العاطفية لفترة الغموض الحدي، أي المرحلة الانتقالية الحالية ما بين ماض انتهى بالتأكيد ومستقبل لا يزال غامضاً. يمكن أن تكون مرحلة الغموض الحدي هذه مزعجة من الناحية العاطفية، فمن يمر بها يشعر بأنه مرتبك وتائه يتأرجح ما بين التمسك بالحاضر والتخلي عنه. لكن هذه المرحلة المشحونة هي جزء ضروري من الرحلة، لأنها تتيح لك فهم كثير من المشاعر المعقدة والرغبات المتضاربة، وتجنبك الانسحاب في وقت مبكر وتفويت الخيارات الأفضل التي ستتاح لك في المراحل المقبلة.

ويبدو أن الأزمة الحالية ستجعل هذه المرحلة المتوسطة أطول بالنسبة لكثير منا، وعلى الرغم من أنها مزعجة في بعض الأحيان إلا أنها تتمتع ببعض المزايا. وكما كتب بيل بريدجز في كتابه "الانتقالات" (Transitions): "ليس من الضروري أن نشعر بالحاجة إلى اتخاذ موقف دفاعي في فترة التوقف غير المنتجة التي نعيشها عندما تمر حياتنا بمنعطف ما… ففي وحدتنا التي نعيشها من دون أن نقوم بأي نشاط هادف، نقوم ببعض الأعمال الهامة في دواخلنا".

تشير دراسات العلوم العصبية إلى أن استثمار المراحل الحدية الانتقالية للقيام بتلك "الأعمال الداخلية" قد يكون ذا فائدة أكبر من فائدة الانشغال بجهود تحسين الذات المربكة. ففترة التوقف عن العمل ضرورية من أجل إعادة ملء مخازن الانتباه والتحفيز في الدماغ ودعم العمليات المعرفية التي تتيح لنا تطوير إنسانيتنا وتنميتها بصورة كاملة. وبهذه الطريقة نقوم بترسيخ ذكرياتنا، ودمج الأمور التي تعلمناها، والتخطيط للمستقبل، والتمسك ببوصلتنا الأخلاقية، وبناء إحساسنا بأنفسنا.

ابدأ العمل على بعض المشاريع

أكثر الطرق الشائعة لإعادة ابتكار المستقبل المهني تتضمن القيام بعمل جانبي ما، كاكتساب المعارف والمهارات وجمع الموارد والإمكانات وبناء العلاقات، إلى أن نكتسب القوة اللازمة لاستكشاف مستقبل مهني جديد. البعض يسجلون في دورات تعليمية مسائية أو في أيام عطل نهاية الأسبوع، ويقدمون خدمات تطوعية أو استشارية، ويبتكرون أفكاراً لمشاريع جديدة. في البحث الذي أجريته من أجل كتابي "هوية العمل" (Working Identity) المخصص لموضوع إعادة ابتكار المستقبل المهني، توصلت إلى أن معظم الناس يعملون على عدة احتمالات دفعة واحدة، ويقارنون الميزات والمساوئ لكل منها. هذا النشاط ضروري، فهو يساعدك على التوصل إلى إجابات عن الأسئلة العملية والوجودية التي يقوم عليها التغيير المهني، وهي: من أنا؟ من أود أن أكون؟ أين يمكنني المساهمة بأفضل طريقة؟ يمكننا معرفة من نود أن نكون عن طريق اختبار الخيال والواقع، وعن طريق العمل بالتأكيد.

بالطبع، باتت الاحتمالات المتاحة محدودة في ظل ظروف العزل الصحي والإغلاق العام التي نعيشها اليوم. ولطالما استعنا بأعمال التعاقد المستقل أو الأعمال الاستشارية من أجل استكشاف خيارات جديدة أو تمويل مشاريع جديدة مثلاً، لكن اليوم نفدت الميزانيات غير الأساسية وسُدّت هذه الطرق.

ومع ذلك، فإن كثيراً من الناس يجدون أن هذه الظروف سهلت إعادة تخصيص الوقت والموارد للمشاريع المتروكة جانباً أكثر من ذي قبل. وقد بدأ الكثيرون باستثمار هذه الفترة بالفعل. أدير حلقة دراسية عبر الإنترنت (ويبينار) أدرس فيها مادة إعادة ابتكار الحياة المهنية، وأجريت في إحدى جلساتها استفتاء طلبت من المشاركين فيه أن يصفوا استجابتهم لأزمة فيروس كورونا، فقال 50% من المشاركين الذين وصل عددهم إلى 2,000 شخص إنها منحتهم "فرصاً لتجريب أشياء جديدة أو تعلم مهارات جديدة". وفي بعض الحالات، كانت هذه المهارات الجديدة مرتبطة مباشرة بالعمل عن بعد. وهذا ما حدث معي تماماً، إذ اضطررت، مثل غالبية زملائي من المدرسين، لتعلم طريقة التعليم عبر الإنترنت بسرعة.

ليس عليك حصر مشاريعك بمجال التغيير المهني الذي ترغب فيه، واليوم، يقوم كثيرون بعمل مجز ويكتشفون أموراً مفاجئة عن طريق المشاركة في مبادرات الاستجابة للأزمة في مؤسساتهم أو في الأعمال التطوعية في المجتمع. الهدف هو أن تقوم بعمل جديد ومختلف مع أشخاص جدد مختلفين، لأن ذلك يشكل فرصة لتتعلم أموراً عن نفسك وعن الأمور التي تفضلها والأمور التي لا تعجبك، وعن أنواع البيئة والأشخاص الذين يساعدونك على إخراج أفضل ما فيك.

عد إلى علاقاتك "الخامدة"

يحتاج التعارف إلى الاحتكاك بالآخرين، وهذا ما يجعله صعباً في ظروف الإغلاق العام الحالية. ويتساءل كثيرون اليوم عن طريقة بناء العلاقات التي يحتاجون إليها من أجل إعادة ابتكار أنفسهم في ظل البيئة الحالية، كيف سيتمكنون من بناء العلاقات مع أشخاص يواجهون صعوبة في التأقلم مع هذه الظروف القاسية أيضاً؟

تتمثل القاعدة الذهبية للتعارف من أجل التغيير المهني في حشد علاقاتك الضعيفة، أي العلاقات التي تربطك بأشخاص لا تعرفهم جيداً أو لا تراهم كثيراً، من أجل زيادة فرصك في تعلم الأشياء التي لا تعرفها إلى أقصى حد ممكن. لأن مشكلة الأصدقاء والعائلة والزملاء المقربين، أي علاقاتك القوية، هي أنهم يعرفون ما تعرفه. لا شك في رغبتهم بمساعدتك، ولكنهم لن يتمكنوا من مساعدتك على التفكير في مستقبلك بطريقة مبتكرة، بل سيعزلونك على الأرجح.

لكن هناك مشكلة فيما يتعلق بعلاقاتك الضعيفة. على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص يشكلون مصدراً للمعلومات والموارد الجديدة المفيدة غالباً، فإنهم على الأرجح لن يشعروا بدافع لمساعدتك، وخصوصاً إذا كانوا خاضعين للضغوط هم أيضاً. لهذا، في الأوقات التي يملؤها الغموض، يعتمد الناس أكثر على علاقاتهم القوية المبنية على الالتزام والثقة والواجب.

إذن، فنحن نواجه معضلة العلاقات الضعيفة والعلاقات القوية. وإحدى الطرق لتجنب الوقوع فيها هي الاستفادة من "العلاقات الخامدة"، أي علاقاتك مع أشخاص كنت مقرباً منهم يوماً ولكنك لم تتواصل معهم منذ ثلاثة أعوام أو أكثر. في إحدى الدراسات، طُلب من أكثر من 2,000 مسؤول تنفيذي أن يتواصلوا مجدداً مع أشخاص كانت تربطهم بهم علاقات قوية فيما مضى، والاستفادة من هذا التواصل للحصول على معلومات أو نصائح قد تساعدهم في مشروع عمل هام. قال المسؤولون التنفيذيون أن النصائح التي تلقوها من هؤلاء الأشخاص كانت عموماً قيّمة وحديثة أكثر من التي قدمها من تربطهم بهم علاقات نشطة أكثر.

تحدث عن الأمر

في خضم الارتباك الذي يتسبب به التغيير المهني، يأمل كثير منا أن يمنحنا تأمل النفس ومضات من الرؤى المتعمقة. ولكن، ما تعلمته من خلال بحث "هوية العمل" هو أن تأمل النفس الانفرادي يكون خطيراً إذا لم يقترن بالاختبار النشط. لأنه قد يحتجزنا في أحلام اليقظة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وبالتالي لن نحصل على وظيفة مربحة ولن نحقق أي إنجاز مهني.

ومن عجيب المفارقات أن التأمل الذاتي هو ممارسة تتغذى على التحدث بصوت عال في التفاعلات الاجتماعية مع أرواح متشابهة تستجيب وتتعاطف وتواسي وتسأل وتقرأ لغة جسدك وتتحدث عن تجاربها. وأحد أسباب استفادة من يودون إجراء تغييرات مهنية من حضور دورات تعليمية، هو أن زملاءهم فيها يمثلون مجتمعاً جاهزاً من الأرواح المشابهة التي يمكنهم التحدث إليها. ومجرد إنشاء قصة وسردها عما تود فعله أو سبب رغبتك في التغيير، سيوضح طريقة تفكيرك ويمنحك دفعة إلى الأمام من خلال إلزامك بإجراء التغيير أمام الآخرين. وأي راوٍ مخضرم للقصص سيقول إنه ليس هناك بديل عن ممارسة رواية القصص أمام جمهور حي.

لكن وعلى الرغم من صعوبة القيام بذلك في ظل العزل الذاتي والتباعد الاجتماعي في هذه الفترة، فمن الممكن أن تتوصل إلى طرق لشرح أفكارك بصوت عال مع شيء من المبادرة والابتكار، ربما عن طريق ترتيب مواعيد للمشي مع الآخرين مع مراعاة التباعد الاجتماعي، أو العمل مع مدرب مهني عبر الإنترنت، أو إنشاء مجموعة على منصة "زوم" (Zoom) وعقد الاجتماعات مع أفرادها بصورة منتظمة للتحدث عن خططكم.

في الختام، عندما يتعلق الأمر بإعادة ابتكار حياتك المهنية في هذه الأزمة، تذكر هذه النقطة المهمة: الآن هو وقت البدء، ولكن لا تعمل بمفردك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!