بصفتي مدربة قيادية، لم أفوّت فرصة لسؤال كبار المسؤولين التنفيذيين حول أهم ما يرونه ضرورياً لنجاح الموظفين والمؤسسات في بيئة العمل الحالية التي تتصف بالحيوية. لقد التقيت بنائبة رئيس تنفيذي في إحدى الشركات المصنفة ضمن قائمة "فورتشن 500″، في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، وهي قيادية أسست الكثير من فرق العمل المحلية والعالمية وكانت قائدة ملهمة لشركتها وللقطاع الذي تعمل فيه. أخبرتني هبة(اسم مستعار)، من دون تحفظ، أنّ الابتكار والإبداع يعتبران من أهم العوامل الحاسمة للنجاح – بالنسبة للشركات وكذلك للقادة وفرقهم. وقد أثبتت البحوث صحة هذه النتائج بحيث صنفت الابتكار على أنّه من أهم كفاءات القيادة في المؤسسات.

شرحت هبة أنّ القادة والمدراء لا يمكنهم الاعتماد على الأفكار نفسها التي ساهمت في نجاهم في السابق، ولا يستطيعون أن يكونوا فعالين عن طريق إحاطة أنفسهم بأشخاص يرددون أفكار القادة كالببغاء. وقالت: "لا أريد من الأشخاص الذين يعملون معي أن يكونوا متلقين للأوامر وحسب أو أن يمرروا المعلومات لي. بل أنا أشجع الفرق التي تعمل معي على المخاطرة والمجيء بأفكار جديدة وطازجة حتى لو لم تكن صحيحة بالكامل". وتابعت هبة واصفة التعقيدات التي تحيط بالسوق في الوقت الراهن بأنها تتطلّب حلولاً مبتكرة تنطوي على أساليب مزعزعة لحل المشاكل ويمكنها في الوقت نفسه أن تغيّر الوضع القائم: "بيئة الأعمال حيوية للغاية ومستوى التغيير معقد – لا يمكننا الاعتماد على الأفكار نفسها أو الطرق نفسها لحل المشاكل أو توسيع الأسواق بالتفكير نفسه الذي لطالما اعتمدنا عليه".

تبحث هبة عن موهبة تفكر بطريقة جديدة من أجل مواجهة مشكلة ما أو اتخاذ قرار ما، بدلاً من العمل في حلقة من الحلول المتوقعة. وتعتقد أنه على القادة ألا يكتفوا بالتأكّد من وجود الموهبة المناسبة في فرقهم، بل أن يتأكدوا أيضاً من أنّ بإمكان هذه الفرق أن تزدهر ضمن بيئة تسهل توليد التفكير الابتكاري والتعبير عنه، كما تلهم الموظفين للاستفادة من أفضل أفكارهم وإمكاناتهم الإبداعية غير المحدودة. ولكن كيف يمكن للقادة تحقيق رؤية هبة من أجل إطلاق العنان لأقصى درجات التفكير ضمن فرقهم؟ إليكم بعض الاستراتيجيات لحث أي مجموعة على إطلاق العنان لابتكارها:

لا تدع العملية تطوّقك

لا يندفع الابتكار بالعمليات ولا حتى بالأنظمة بل تولّده الموهبة البشرية. مهما كانت الإجراءات التي تتبعها، فإنّ ما ينقل الشركات إلى حدود جديدة ويكشف عن عالم أفضل ويعزز أداء المؤسسة الأساسي هو دافع الأفراد وثقتهم الابتكارية إضافة إلى الذكاء الجماعي للفريق.

إذا كان الفريق مقيداً من ناحية الابتكار، فإنّ الخطوة الأولى التي ينبغي للقيادة اتخاذها تتمثل في معرفة ما إذا كانت العمليات التي تحيط بالموظفين تجعلهم رهائن تفكيرهم. يمكن أن يؤدي الاعتماد المفرط على اتباع القواعد منهجياً إلى تعطيل عملية العصف الذهني التعاونية، لأن البعض قد يشعر أنه لا توجد مرونة تسمح لهم بالتعبير عن خيارات تتعارض مع العملية الاعتيادية والطريقة التي كانت تُنجز بها الأمور دائماً. إذا كان الوضع كذلك، حاول إزالة القيود المتعلقة بهياكل إجرائية معينة خلال الجلسات الابتكارية لكي يشعر الجميع بحرية أكبر في المساهمة بعيداً من أي قيود بيروقراطية.

سهّل التجارب التي تحتمل الصواب والخطأ

لقد لاحظت خلال عملي مع عملائي من الشركات أنّ الفرق الممكنة فعلاً من ممارسة إبداعها تكون هادفة ومتفاعلة وملهمة لتنفيذ أمور رائعة وإيجاد طرق لتسهيل أمور العملاء. وبما أنّ هذا يُعتبر الهدف النهائي لكل مؤسسة تنافسية، يصبح من الضروري لقادة اليوم توفير البيئة المناسبة للفرق لكي يصل أعضاؤها إلى كامل قدرتهم وتفكيرهم الإبداعي. في حين  تشير الأبحاث إلى أنّ 80% من الناس يرون الإمكانات الابتكارية على أنّها مفتاح النمو الاقتصادي، يشعر 25% فقط أنّهم يتمتعون بإمكاناتهم الابتكارية الخاصة. وبالنسبة لصاحب العمل، كشف بحث لشركة "ماكنزي" أنّ أغلبية المدراء التنفيذيين – أو 94% منهم تحديداً – غير راضين عن الأداء الابتكاري لشركاتهم، وهو ما يُعتبر هدراً ضخماً في المواهب في مكان يمكن للقادة فيه إحداث تأثير كبير عن طريق جعل بيئة العمل مواتية أكثر للمساهمات الإبداعية.

من أجل تسهيل إجراء التجارب وتشجيع الموظفين على معرفة ما الذي ينجح أو ما الذي لا ينجح، اعمل على إنشاء بيئة آمنة نفسياً؛ تقول هايدي بروكس من "كلية ييل للإدارة" (Yale Business School)، في هذا الصدد: "إنّ القائد يفعل ما يقول ولا يكتفي بالطلب من الموظفين أن يعبّروا عن تفكيرهم بطريقة خارجة عن المألوف، وإنما يبرهن هذه السلوكيات بنفسه أيضاً". يتعين على المدراء من أجل بثّ روح الابتكار أن يشجعوا على الصراعات والنقاشات الصحية. وعليه، بدلاً من اعتماد الإدارة التفصيلية، اعمل على تمكين الآخرين وتقليدهم زمام الأمور لكي يستكشفوا المخاطر ولكي يخاطروا، بما يمكن أن يؤدي إلى اتجاهات غير متوقعة.

اكشف "الأنماط التي تعيق التقدم"

يمتلك كل شخص الأسس اللازمة لكي يصبح مبتكراً، ويبدأ الأمر مع أعضاء الفريق الذين يرون أنفسهم على أنهم منتجون للأفكار ويتمتعون بالقدرة على أن يصبحوا صوتاً مقنعاً للمفاهيم الابتكارية. عندما يتبنى أحد أعضاء الفريق اعتقاداً مخالفاً – بحيث يرى نفسه غير مبتكر بطبيعته – يمكن أن يصل بك الأمر إلى ما أطلق عليه اسم "الأرضية الدبقة" (أي الأنماط التي تعيق التقدم): الاعتقاد بمحدودية القدرات الذاتية أو الافتراض بإمكانية تخريب النجاح.

بصفتك قائداً، يكمن جزء من دورك في إدارة الفرق في استخدام الذكاء العاطفي لتحديد ما إذا كان أي عضو من أعضاء الفريق ينكفئ من دون قصد عن الاستفادة من موهبته وإمكاناته الكاملة، وذلك لأن الفريق بأكمله سيعاني في حال كان شخص واحد يخبئ قدراته الابتكارية خلف تواضعه. اتبع نهجاً استباقياً من أجل مواجهة هذه المشكلة: ساعد العضو في الفريق على معرفة "الأرضية الدبقة" وقدم له التدريب والدعم بشأن التعبير عن الأفكار الابتكارية في إطار الفريق.

شجع على عقلية النمو بالتوازي مع الوعي التام

في إطار تدريب أعضاء الفريق على الخروج من الأرضية الدبقة، من الضروري أن تساعدهم على فهم كيفية تطوير عقلية النمو. يشير مصطلح عقلية النمو الذي صاغته الدكتورة كارول دويك إلى كيفية تفكير الشخص حيال قدراته المتعلقة بالذكاء والتعلم. والأشخاص الذين يتمتعون بعقلية النمو يمتلكون اعتقاداً ضمنياً بأنهم يستطيعون تحسين أنفسهم بمجهودهم الخاص، ويتقبّلون الإخفاقات ولا يرونها بمثابة فشل بل هي فرص للنمو والتعلم من خلال عملية تحسّن تدريجي. يشكل هذا المفهوم عنصراً مكملاً لعقلية ثابتة تدفع الموظفين للإيمان بأنّ لديهم مستوى معيناً من الموهبة (أو من عدم وجود الموهبة) في مجال محدد لا يمكنهم تغييره مهما حاولوا. عند مواجهة القادة لأرضية دبقة مرتبطة بالابتكار، عليهم أن يدرّبوا أعضاء فريقهم وأن يشرحوا لهم كيف أنّ الاعتقاد بقدرتهم على أن يصبحوا مبتكرين يساعدهم على الاستمرار بتطوير مهاراتهم مع مرور الوقت والتعلم من أخطائهم وتحسين أنفسهم. بالمختصر المفيد، يكمن تطوير عقلية النمو في مساعدة الموظفين على الانتقال من الخوف إلى الشجاعة وتخطي عقدة الكمال نحو السعي إلى مستوى من التميز "جيد بما فيه الكفاية". يستدعي هذا التحدي القيادي توجيه الموظفين للابتعاد عن المألوف، وتخطّي فرضياتهم القديمة، والانفتاح على احتمالات جديدة للرؤى الابتكارية.

تشير بعض الدراسات إلى أنّ ممارسة الوعي التام يمكن أن تساعد الفرق على تعزيز نتائج عقلية النمو عن طريق تقبّل الابتكار. لقد فقد الكثير من قادة اليوم قدرتهم على التوقف وإيلاء الأولوية لما هو مهم، أو لتخصيص وقت من أجل التخطيط والابتكار، بالتوازي مع إلهام الآخرين على فعل الأمر نفسه. يُعتبر هذا التقصير خطأ، وذلك في ضوء ما يكشفه أحد الأبحاث من أنّ حسن التدبير يحفّز الدوافع الابتكارية بعدّة طرق، بدءاً من تحسين الذاكرة العاملة، مروراً بزيادة المرونة الإدراكية، وصولاً إلى القدرة على العصف الذهني. يمكن أن يكون تعزيز الوعي سهلاً كالسير في منتصف النهار مع التركيز على المحيط. تجنّب الميل إلى تعدّد المهام عن طريق التخلّص من حالات الإلهاء التي تسببها التكنولوجيا في الأوقات المخصصة للتفكير الحر، وشارك في تمرين تنفس بسيط بحيث تتنشق الهواء لكي توّد دماغك بالأوكسجين وتوقد شرارة الابتكار. وإذا كان يمكن لعملية التوقف من أجل التنفس والتفكير أن تعزّز روح الابتكار لدى الفريق، فهي خطوة تستحقّ التنفيذ.

الهدف الذي يتمثل في دفع فريقك للتفكير بطريقة خارجة عن المألوف أمر بديهي، ولكن إيجاد طريقة لتحقيق المزيد من الابتكار الجماعي ليس كذلك. وبالتالي، من المهم أن تتعامل مع هذا الأمر كما تتعامل مع أي تحد إداري آخر: بطريقة مبتكرة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!