عندما التحقتُ بشركة كرونوس كواحد من أوائل الموظفين بها، وكنت وقتها قد تخرجت للتو من الجامعة في عام 1979، كانت الشركة تمنح الموظفين الجدد إجازة مدفوعة لمدة أسبوعين. وكان الموظف يحصل على يوم إضافي عن كل عام إضافي يمضيه في الشركة، وذلك حتى يصل إلى مستوى معين. تلك هي الطريقة التي كانت معظم الشركات تتعامل بها مع الوقت المخصص للإجازات، وعلى الرغم من اختلاف عدد أيام الإجازات، فإن تلك هي الطريقة التي ما زالت تتبعها معظم الشركات. بحلول عام 1984 تمت ترقيتي إلى منصب مدير المبيعات المحلية، وبعد ذلك بأربع سنوات توليت منصب تنفيذي، حيث أصبحت نائب رئيس المبيعات والخدمات العالمية. كانت كرونوس، المتخصصة في صناعة برمجيات وخدمات إدارة الشركات، تتبع سياسة قائمة منذ أمد بعيد تنص على أنه لا يتحتم على المدراء التنفيذيين أن يرصدوا إجازاتهم، وأن في مقدورهم الحصول على أي عدد من أيام الإجازات حسبما يرونه مناسباً. كان ذلك أمراً منطقياً. فحتى آنذاك كان يُطلب ممن يتولون المناصب العليا أن يعملوا على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع. وعندما تعمل بشكل متواصل مساء كل يوم، وفي عطلات نهاية الأسبوع وأثناء السفر مع العائلة، فإن رصد ساعات العمل أو احتساب أحد الأيام على أنه "إجازة رسمية" يكاد يكون لا معنى له. منذ ذلك الحين وأنا أتولى مناصب تنفيذية في كرونوس، ثم أصبحت الرئيس التنفيذي منذ 12 عاماً. ومن ثم لم أضطر إلى رصد إجازتي لما يقارب 30 عاماً.

إن ما تغير منذ أن التحقت بالعمل لدى كرونوس، ولعله راجع نوعاً ما إلى التقنية، هو أن الموظفين، على جميع مستويات الشركة، صار من عادتهم الآن، بعد انتهاء ساعات العمل الرسمي، أن يتحاوروا عبر هواتفهم، أو يردوا على البريد الإلكتروني، أو يؤدوا عملاً آخر. أشاهد ذلك بنفسي من خلال ابنتي التي ما فتئت في بداية حياتها المهنية. والوظائف التي شغلتها في الفترة الأخيرة لم تمنحها سوى أسبوعين إجازة وحسب، وهو ما حد من قدرتها على السفر معي أنا ووالدتها. وعندما تزورنا في عطلات عيد الشكر، فمن المعتاد أن نراها تعمل عدة ساعات يومياً طوال عطلة نهاية الأسبوع الطويلة. في زمن يظل فيه كثير من الموظفين يعملون على مدار الساعة، تذهلني سياسات العمل الرسمية التي تعتمد على تحديد متى يكونون "في عمل" أو "في عطلة" على نحو دقيق؛ من فرط تخلفها أو غبائها.

المعوقات التي تقف أمام التوظيف


منحني هذا الإدراك خلفية هامة عندما طلب مدير شؤون العاملين بالشركة مقابلتي في أواخر عام 2014، حيث كنا نعاني على مدار شهور طويلة من صعوبة في تعيين موظفين جدد. يعمل 5,000 موظف لدي كرونوس في جميع أرجاء العالم، يوجد منهم 1,500 موظف تقريباً في مقر الشركة في ماساشوستس، حيث تتسم سوق العمل التي تناسب المهنيين من خريجي الجامعات بالقصور الشديد. كان لدينا في تلك الفترة 300 وظيفة شاغرة، وكنا نجد صعوبة في شغلها؛ وكان استمرار هذا الوضع سيضر بخطط الشركة للتوسع. تحدثنا عن بعض المعوقات المحددة التي تقف في وجه التوظيف بشركتنا، وكانت سياسة الإجازات من بين تلك المسائل. كنا وقتئذ نمنح الموظفين الجدد ثلاثة أسابيع إجازةً مدفوعة الأجر، وهو ما يماثل ما تقدمه الشركات المحلية التي نتنافس معها على توظيف المواهب الجديدة. ولكن عندما كان المسؤولون عن التوظيف في الشركة يحاولون توظيف أناس في الثلاثين أو الأربعين من العمر، ممن قضوا فترات عمل طويلة في شركات أخرى، كان يتبادر إلى علمهم عادة أن مثل هؤلاء كان يحصلون على إجازة تقدر بأربعة أو خمسة أسابيع. إن للإجازات أهميتها؛ ولذلك كان إقناع الأفراد بقبول وظيفة تمنحهم فترة إجازة أقل مما كانوا يحصلون عليه تحدياً حقيقياً.

طلبتُ من إدارة الموارد البشرية بالشركة وضع استراتيجيات جديدة تمنحنا قدرة أكبر على المنافسة في عملية التوظيف. ووضعت الإدارة قائمة بعدة خيارات، والتي كان من بينها التحول إلى سياسة الإجازات "المفتوحة"، وهي السياسة التي كانت شركة نتفليكس (Netflix) رائدة فيها. في ظل نظام الإجازات المفتوحة، لا يكون هناك حد معين لعدد أيام الإجازات التي يمكن للموظف الحصول عليها؛ وبدلاً من ذلك تكون الإجازة بالتنسيق بين الموظف والمشرفين.

قررنا تطبيق هذا النظام، والذي أطلقنا عليه اسم "ماي تايم" (myTime)، في بداية عام 2016. وعلى الرغم من سعادة غالبية الموظفين بهذا التغيير، كانت هناك قلة متشبثة برأيها شعرت بغضب حقيقي تجاهه. ولكي أصدقكم القول، لم أكن مستعداً لهذا الكم من العواطف والاعتراضات التي تسبب فيها هذا التغيير، حتى وإن كان من مجموعة صغيرة من الأفراد. لكننا منذ ذلك الحين تغلبنا على تلك التحديات، ولدينا الآن بيانات تُثبت أن تلك السياسة قد صبت في مصلحة كرونوس. لن تنجح سياسة الإجازات غير المحدودة في كل الشركات - ولكن بمقدور أرباب العمل الذين يفكرون في تطبيقها الاستفادة من تجربتنا.

لا يمكن للمرء أن يجرؤ حتى على التفكير في مثل هذا التغيير ما لم يكن لديه ثقة لا تتزعزع فيمن يعملون لديه. ولقد كنت دائماً أميل للثقة بالموظفين، ويعود ذلك جزئياً إلى أنني في كل مرة أولي فيها الموظفين الثقة، كانوا يثبتون صحة حكمي عليهم. منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، حصلت مجموعة من أهم الموظفات في فريقي على إجازة وضع في التوقيت ذاته تقريباً. وفي كل حالة، كانت الموظفة تتردد في العودة إلى العمل عندما تنتهي إجازتها. فقد كانت كل واحدة منهن تشعر بالقلق من أن تكون هناك صعوبة كبيرة في خلق توازن بين الأمومة وبين العمل المكتبي بدوام كامل. لم تكن لدي رغبة في خسارتهن، ومن ثم سألتهن قائلاً: "ما الذي يمكن القيام به للتغلب على هذا الأمر؟". كانت إحداهن ترغب في العمل ثلاثة أيام في الأسبوع. موافق. وأرادت كثيرات منهن العمل من المنزل عندما تدعو الضرورة لذلك. لا مشكلة. إن هذه المرونة من الأمور الشائعة في وقتنا الحالي، لكنها لم تكن كذلك حينها، عندما لم يكن هناك بريد إلكتروني وكانت الشركات لم تزل تستخدم أجهزة الفاكس. لكنني كنت واثقاً من أن أولئك الموظفات سينجزن المهام المنوطة بهن، وقد أنجزن ذلك بالفعل. لقد زادت تلك التجارب من ثقتي في موظفي شركتنا.

الأسرة تأتي في المقام الأول


لقد كنت صريحاً للغاية أيضاً أثناء عملي كمدير تنفيذي فيما يتعلق بمنح الأسرة الأولوية قبل العمل. كنت أتحدث كثيراً عن هذا الأمر حتى أن القلق كان يساورني من أن يمل الموظفون من سماعه، لكن المسألة مهمة للغاية بالنسبة لي. أخبرت موظفي الشركة مراراً وتكراراً أنه إذا كانت وظيفتهم هي أهم شيء في حياتهم - أي أكثر نشاط يهتمون به ويستثمرون فيه - فإنهم بذلك يرتكبون خطأ كبيراً ومأساوياً. فالأولوية الخالصة ينبغي أن تكون للأسرة والأقارب. وحاولت أن أتصرف بطرق تقدم نموذجاً لهذا السلوك. فعندما كان أطفالي يلعبون ضمن الفرق الرياضية في المدرسة الثانوية، حاولت ألا تفوتني أي مباراة، ولو أدى ذلك لمغادرة العمل في الساعة الثانية ظهر أيام الأربعاء. ولم أكن أتسلسل خلسة من المكتب - بل كنت أخبر الموظفين بما كنت أقوم به على وجه التحديد وأشجعهم على القيام بالمثل. إنني أؤمن بشدة بما قاله الكاتب في مجال الإدارة، جيم كولنز (Jim Collins): "إذا اخترت الموظفين المناسبين، ممن يملكون الموهبة ولديهم أخلاقيات العمل الضرورية لإنجاز مهامهم، فليس عليك أن تقضي وقتك في الإشراف عليهم. فهم سينجزون عملهم، مهما تطلب ذلك من وقت".

وبعد أن اقترح فريق الموارد البشرية في الشركة اتباع سياسة الإجازات غير المحددة، بدأت في القيام ببعض الأبحاث - وتَركَّز ذلك بشكل أساسي في القراءة عن تجارب الشركات على شبكة الإنترنت. وسرعان ما وجدت حالات لم تنجح فيها السياسة الجديدة، أو شركات جربتها بالفعل ثم عادت مجدداً إلى الأسلوب التقليدي. لم يقلقني ما قرأته كثيراً، فعدم نجاح تلك التجربة معهم لا يعني بالضرورة أنها لن تنجح مع كرونوس.

قرأت كذلك شكاوى محددة من قبل موظفين تحولت شركاتهم إلى سياسة الإجازة المفتوحة. كان الموظفين يرون أن اتباع الشركة لتلك السياسة لتوفير النفقات وليس لطيبة قلبهم هو الدافع وراء معظم الشكاوى: ينبغي على الشركات التي تتبع سياسة الإجازات "التراكمية" أن تدفع للموظفين الذي يستقيلون أو يتقاعدون مقابل الرصيد غير المستخدم من الإجازات. قد يمثل ذلك نفقات هائلة بالنسبة للشركات الكبيرة؛ وحتى بالنسبة لشركة في حجم شركتنا نفسها، فإن إجمالي ذلك يصل إلى مليونين أو ثلاثة ملايين دولار سنوياً. وعندما تتبع الشركة سياسة الإجازات المفتوحة، فإن رصيد الإجازات المتراكم لا يحتسب، ومن ثم فإن جميع ما كانت تدفعه للموظفين الذين يتركونها يضاف مباشرة إلى أرباحها النهائية.

قررنا منذ البداية ألا نحاول الاستفادة من التخلي عن النظام التراكمي، حيث كان لدينا شعور بأنه من المنطقي استثمار تلك المدخرات في مزايا أخرى تُمنح للموظفين. ومن ثم فإننا علاوة على تقديم سياسة الإجازة المفتوحة زدنا مدة إجازة الوضع، وإجازة رعاية الطفل، وإجازة التبني؛ كما زدنا النسبة التي تدفعها الشركة من خطة التقاعد الأميركية المسماة 401k والتي تتيح للموظفين ادخار جزء من دخلهم والاحتفاظ به لمرحلة التقاعد؛ حيث أنشأنا برنامجاً للمنح الدراسية لأبناء الموظفين؛ وأطلقنا برنامجاً للمساعدة في الرعاية النهارية لأطفال الموظفين، كما بدأنا في المساهمة بمبلغ يصل إلى 500 دولار سنوياً دعماً للقروض الطلابية للموظفين. وفي نهاية المطاف، تخطت كلفة المزايا ما وفرته الشركة نتيجة تغيير سياسة الإجازة، لكنني أعتقد أن الأمر كان يستحق ذلك.

أهم الشكاوى


بينما كنت أثقف نفسي فيما يتعلق بسياسات الإجازة المفتوحة، كان موظفو الموارد البشرية بالشركة يجرونأبحاثاً أكثر منهجية، حيث استعانوا بمستشار كان قد ساعد من قبلُ شركات أخرى على إجراء هذا التغيير. ألقى المستشار محاضرة عن محاسن ومساوئ هذا النظام، حيث قال إن 95% من الموظفين في معظم الشركات يفضلون الإجازة المفتوحة، ولكن في العادة يرفضها 5% - لأسباب سوف أذكرها بعد برهة. وذكر المستشار أيضاً أن أكبر مشكلة في هذا النظام تتمثل في أن بعض الموظفين يحصلون في واقع الأمر على إجازات أقل، في ظل السياسة الجديدة، مما كانوا يحصلون عليه في ظل السياسة القديمة، وذلك لتخوفهم من الإفراط في طلب الإجازات. كانت لدينا رغبة في عدم حدوث ذلك في كرونوس، لأن ذلك سوف يُضيع الهدف من التغيير.



ولذلك اتخذنا قراراً مهماً منذ وقت مبكر جداً: على الرغم من أننا لن نضع حدوداً لفترة الإجازات بعد الآن، لكننا سنستمر في رصد طلبات الإجازة من كل موظف وفترة الإجازة التي يحصل عليها فعلاً، وذلك لأننا كنا نرغب في تحليل مدى نجاح السياسة الجديدة وللتأكد كذلك من تطبيق المدراء لها بصورة عادلة.

أعلنا عن السياسة الجديدة في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2015. تحدثت في مقطع مصور بُث في جميع أنحاء الشركة قائلاً: "أشكركم على خلق بيئة نثق فيها ببعضنا البعض بدرجة تجعلنا نقدم على خطوة كهذه". كانت السياسة الجديدة ستدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير (كانون الثاني). وكما توقع المستشار، جاء رد فعل معظم الموظفين إيجابياً - لكن قلة قليلة لم تحذ حذوهم، وشرعوا في انتقاد السياسة سريعاً وبصورة صاخبة.

اندرجت شكواهم بشكل عام تحت واحدة من ثلاث مجموعات. جاءت الأولى من مجموعة صغيرة من المدراء ممن اعتقدوا أن عدم وجود سياسة رسمية للإجازات سوف يزيد من صعوبة عملهم. كانوا يشعرون بالقلق من أن يفرط الموظفون في طلبات الإجازة، أو أن يقضي المشرفون وقتاً طويلاً في الحكم على الطلبات، كل حالة على حدة. كانوا يشعرون بعدم الارتياح تجاه غموض النظام الجديد، ويفضلون بدلاً منه سياسة تكون فاصلة في بنودها تجعل اتخاذهم للقرار أمراً تلقائياً.

تمثلت المجموعة الثانية في الأفراد الذين كانوا يتعاملون مع رصيد إجازاتهم وكأنها رصيد بنكي، حيث كانوا ينظرون إلى هذا الرصيد على أنه دولارات وليس ساعات. وكانوا يتوقعون أنهم عندما يتركون الشركة سيحصلون على بدل نقدي للإجازات التي لم يستغلوها. أتذكر أحد هؤلاء الموظفين تحديداً: كان في العقد السادس من عمره، وقد خطط للتقاعد في غضون عام أو عامين. لم يكن يهتم بإجازة الحمل، ولا المساعدة في القرض الطلابي، أو الاستحقاقات الجديدة الأخرى، وذلك لأنها لم تكن تنطبق عليه. كان رصيد إجازاته يعادل راتب عدة أشهر، وكان يعوِّل على الحصول على بدل تلك الإجازات عند تركه للشركة.

جاءت المجموعة الثالثة من الشكاوى من أفراد كانوا يعتقدون أن السياسة الجديدة غير عادلة لأنها تمنح كل الموظفين شيئاً كان مقصوراً فيما سبق على الموظفين أصحاب سنوات الخدمة الطويلة. وكان النص المعتاد لشكواهم المُرة كما يلي: "لقد مكثت في الشركة 15 عاماً كي أحصل على هذا الكم من الإجازات، وليس من العدل أن يحصل الموظفون الجدد على الفترة نفسها من أول يوم لهم في الشركة".

من أجل حل مشكلة قلق المدراء، وفرنا التدريب والتوجيه الفردي، مع التأكيد على أن قسم الموارد البشرية سيمد يد العون متى دعت الحاجة لذلك. كما شددنا على رغبتنا في أن يحصل الموظفون على فترة إجازة أطول لا أقل في ظل السياسة الجديدة، وعليه فقد شجعنا المدراء على قبول غالبية طلبات الإجازة. وتعاطينا مع الشكاوى الأخرى خلال مناقشات غير رسمية. أجريت بنفسي عشرات من هذه المناقشات؛ وأنا واثق من أن قسم الموارد البشرية قد أجرى منها عدداً أكبر من ذلك بكثير.



تعلمت منذ وقت طويل أن مشاعر الغير حق لهم وحدهم، وليس من شأني أن أملي عليهم ما ينبغي أن يشعروا به. وعندما كنت أتحدث إلى الموظفين الذين كانوا يكدسون فترة الإجازات للحصول في مقابلها على مبلغ طائل، كنت أتعاطف معهم، لكنني كنت أوضح لهم أن ذلك لم يكن الغرض منها. كنت أقول لهم: "من المفترض أن تستغلوا هذا الوقت، لا أن تدخروه من أجل أن يتحول إلى مكافأة تقاعد". وعندما تحدثت مع الموظفين القلقين من مسألة "عدالة" النظام الجديد، كنت أدحض حجتهم بلطف. قلت لهم: "نحن لا نأخذ شيئاً منكم - في الواقع، إننا نمنحكم القدرة على الحصول على المزيد من الإجازات. وإن ما يحصل عليه أي موظف آخر من إجازات ليس له تأثير عليكم". وصل الضيق بحفنة من الموظفين لدرجة جعلتهم يفصحون عن عزمهم على الاستقالة، لكنني لا أعتقد أن أياً منهم قد ترك كرونوس فعلياً بسبب هذا التغيير في السياسة.

لم يكن بوسعنا تعميم السياسة الجديدة في كل مكان. حيث تتبع بعض البلدان قواعد صارمة بالنسبة للطريقة التي تحسب بها الشركات فترة الإجازات واستحقاقات الموظفين، ولذلك كان من الضروري التمسك بالسياسة التراكمية القديمة. وعليه، طبقنا سياسة "ماي تايم" في بداية الأمر في الولايات المتحدة وكندا.

تشجيع الموظفين على قص حكايات إجازاتهم


عندما أطلقنا السياسة الجديدة، بدأنا كذلك في مراقبة الأرقام المتعلقة بالإجازات لنرى إن كان الأفراد يحصلون على المزيد منها أم لا. وبالفعل ازدادت كمية الإجازات قليلاً. وسمح تتبع الإجازات بالشفافية والتواصل بشأنها. فإذا لاحظ أحد المسؤولين بقسم الموارد البشرية أو أحد المدراء المساعدين أن موظفاً لم يحصل في الربع الأول على أي إجازة مطلقاً، فإن النتيجة المحتملة لذلك هي محادثة تبدأ بهذا السؤال: "لماذا لم تحصل على المزيد من الإجازات؟"، وبمقدور مسؤول الموارد البشرية التدخل في الحالات التي لا يوافق فيها المدراء على طلبات الإجازات. وبحسب تقديري، فإن 10% من المدراء ينتمون لهذه الفئة. إن هؤلاء المدراء عادة ما يديرون فرقاً تتعامل مع العملاء، والتي يتسبب غياب الموظفين بها في حدوث تعقيدات في قوائم المواعيد، أو يعملون في مواقع كانوا يظنون أن حصول الموظفين فيها على عدد أكبر من الإجازات سيؤثر سلباً على بيان الربح والخسارة. أخبرْنا المدراء بشكل واضح أن من المهم أن يشعر الموظفون في مختلف الإدارات بأنهم يلقون المعاملة نفسها. كما أخبرناهم بأن تقييم الموظفين لهم يؤثر بشكل مباشر على راتبهم الإجمالي، ومن ثم فعليهم أن يتبنوا سلوكاً يعكس سياسات الشركة المنصوص عليها.

سمعنا روايات عن كيفية استفادة الموظفين من المرونة التي حصلوا عليها مؤخراً. قضى أحد الموظفين، على سبيل المثال، عدة أسابيع وهو يشارك في رحلة بالدراجات النارية جابت 48 ولاية لجمع التبرعات، مع الاستمرار في توفير الدعم لعملائه كلما دعت الحاجة. ورافقت موظفة أخرى بناتها بينما كن يشاركن في عرض متجول لمسرحية "آني" (Annie) وكانت تنجز عملها أثناء الترحال. كانت إحدى الموظفات قد ادخرت  في وقت سابق جميع إجازاتها من أجل زيارة عائلتها في الهند، وهو ما كان يعني أنها لن تستطيع الحصول على أي إجازات لبقية العام؛ وأما الآن فإن بمقدورها قضاء بضعة أسابيع في الهند، وما زال لديها بُحبوحة من الوقت تنعم بها أثناء العطلات. وصلتني بعض الرسائل الإلكترونية من موظفين يقولون إن السياسة الجديدة قللت كثيراً من الضغوط التي كانت تكتنفهم عند الارتباط بمواعيد للحصول على رعاية طبية أو زيارة طبيب الأسنان. بل وصل الأمر حتى إلى أن بعضاً ممن هاجموا السياسة عند الإعلان عنها صاروا من أشد المعجبين بها، وهو أمر يبعث على الرضا.

وبحسب ما سمعتُ، فإن الموظف الذي حصل على أكبر عدد من الإجازات في العام الماضي قد أخذ ما يزيد قليلاً عن ستة أسابيع (في ظل السياسة القديمة، كان من الممكن أن يحصل على هذا العدد نفسه من الإجازات موظف قديم من حقه الحصول على أربعة أسابيع من الإجازات في العام، وقد ادخر إجازات لم يستخدمها من السنة السابقة). ولكن حسبما تبادر إلى علمي، لم يستغل أي موظف هذه السياسة، كما لم يتأثر سلباً بسببها ولو عميل واحد.

اعتقدت في بادئ الأمر أن الشباب من جيل الألفية سيكونون أكثر المتحمسين لسياسة الإجازة المفتوحة. ولكن في الواقع، يبدو أن الموظفين الذين في الثلاثينات والأربعينات من العمر، ولديهم أطفال في سن المدارس، كانوا هم أكثر المستفيدين منها. في الماضي، كانوا يعانون من أجل التوصل لطريقة يمددون بها وقت الإجازات ليغطي مختلف العطلات المدرسية. أما الآن فإنهم يشعرون بحرية في الحصول على المزيد من الوقت، مما يؤدى إلى تقليل تلك الضغوط السابقة.

أفضل سنة في تاريخ شركتنا على الإطلاق


لم نكن في حاجة للاعتماد على حكايات الموظفين لمعرفة إن كانت السياسة الجديدة مجدية أم لا؛ وذلك لأننا كنا نتتبع البيانات ونقارنها. حصل موظفو كرونوس على ما متوسطه 2.6 يوم من أيام الإجازات الإضافية في عام 2016 مقارنة بعام 2015. وكان المتوسط أعلى بكثير في بعض الإدارات. ومع ذلك، كان عام 2016 هو أفضل عام على الإطلاق من الناحية المالية في تاريخ الشركة. ولا أظن أن ذلك جاء بمحض المصادفة. إن باستطاعة الموظفين السعداء المنخرطين بشدة في عملهم أن يزيدوا من ربحية الشركة، وسياستنا تُشعر الموظفين بقدر أكبر من السعادة وتزيد من مشاركتهم في العمل. يمكننا إثبات هذا الأمر بالبيانات أيضاً؛ فقد تتبعنا مدى انخراط الموظفين على مدار خمسة عشر عاماً، وظلت نسبة الموظفين الذين يوافقون أو يوافقون بشدة على أن كرونوس تعد مكاناً جيداً للعمل فيه ثابتة عند 84% دون تغير على مدار بضعة أعوام قبل 2016 (لا ضير في هذه النسبة، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار بأن متوسط نسبة الانخراط في العمل في شركات تقنية المعلومات العالمية تبلغ 60% تقريباً). ارتفعت نسبة الانخراط بعد مرور عام من إطلاق سياسة ماي تايم إلى 87%. كما انخفضت نسبة الدوران الطوعي للموظفين من 6.4% إلى 5.6%، وذاك أمر له دلالته وأهميته. وتعليقات الموظفين دون الإفصاح عن هويتهم في موقع جلاسدور (Glassdoor)، وهو موقع يستخدمه العديد من الباحثين عن وظائف للبحث عن عمل، عبرت عن مشاعر إيجابية تجاه السياسة. ومثال ذلك ما جاء على لسان أحد المعلقين: "لقد تحسنت كرونوس كثيراً فيما يتعلق بتعويضات الموظفين نتيجة لسياستها الخاصة بالإجازات غير المحدودة".

من ناحية ما، يبدو من المفارقة أن تتحول شركتنا إلى هذا النظام، وذلك لأننا نقوم بتوفير تطبيقات إدارة الشركات، ولأن تتبع وإدارة استحقاقات الإجازات هو من بين الأِشياء التي تقوم بها منتجاتنا. ألن تختفي إحدى مزايا منتجنا إذا تحولت جميع الشركات إلى سياسة الإجازة المفتوحة؟ كلا، لن تختفي إن تم تطبيق سياسة الإجازة المفتوحة بالطريقة الصحيحة. يعد تتبع فترة الإجازة التي يحصل عليها موظفونا سبباً من أهم الأسباب وراء نجاح سياستنا الجديدة. فإذا لم تفعل ذلك، فيكف يمكن لك أن تعلم إن كان الموظفون يحصلون على إجازات كافية لتجديد نشاطهم وإعادة شحن طاقاتهم أم لا، أو إذا كان المدراء يضربون مثلاً سيئاً أو يديرون مسألة الإجازات بصورة غير عادلة؟ إن التتبع يؤدى إلى الشفافية والتواصل بصورة أفضل، وإذا طُبق بصورة صحيحة، فسوف يبني مزيداً من الثقة والولاء بين موظفينا.

في الوقت الحالي، تُطبق سياسة الإجازات غير المحدودة لجميع الموظفين في واحدة من بين كل عشرين شركة أميركية، أو أقل من ذلك قليلاً. وهناك سبب وراء ذلك. فليست كل مؤسسة تمتلك المزيج نفسه من الموظفين أصحاب الأداء المرتفع، والاهتمام الشديد بتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية، والثقة القوية بموظفيها والتي تعد ضرورية لنجاح مثل هذا النظام. وأنا أشعر بأنني محظوظ للغاية لقيادتي شركة تمتلك كل ذلك.

سؤال وجواب


التحديات غير المتوقعة


ريتش فورستنبرغ (Rich Fuerstenberg) شريك أساسي في نشاط الاستشارات الصحية في شركة ميرسر (Mercer)، وهو متخصص في إدارة الغياب. أجرت هارفارد بزنس ريفيو معه حواراً عن السبب وراء تحول بعض الشركات إلى سياسة الإجازات غير المحددة - وإلى أي مدى يمكن أن يصل هذا التوجه. فيما يلي مقتطفات محررة من هذا الحوار.

متي تَسارَع مؤشر اهتمام الشركات بسياسات الإجازة المفتوحة؟

ترامى إلى مسامعي تبني شركات هنا وهناك لتلك السياسة، ولكن في عام 2013 تقريباً بدأت العديد من الشركات في وادي السيليكون في تبنيها. وكان ذلك هو الوقت الذي تحولت فيه من مجرد ظاهرة عابرة إلى توجه.

ما الذي يدعو الشركة عادة للتفكير في التحول إلى سياسة الإجازات غير المحدودة؟ 

هناك عدة حوافز وراء ذلك، ومن بينها التقنية. ومع زيادة عدد الموظفين ممن يعملون على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، إضافة إلى اتباع مواعيد عمل مرنة وممارسة العمل من أي مكان، فكيف لنا إذَن أن نميز بين الأوقات التي يعمل فيها الموظفون وبين تلك التي لا يعملون خلالها؟ تُدرك الشركات أنه حتى عندما يُسجل الموظفون حصولهم على إجازة في فترة معينة، فإنهم في الغالب يعملون خلال تلك الفترة أيضاً. وهناك عامل آخر يتمثل في أن الشركات كانت في ظل سياسات العمل التقليدية تحسب الإجازات غير المستخدمة في صورة التزامات مادية. ومع زيادة تلك الالتزامات، بدأت الشركات في البحث عن طريقة أخرى للتعامل مع الإجازات المدفوعة الأجر.

تشير البيانات الصادرة عن شركتك إلى زيادة عدد الشركات التي تقدم الإجازات المدفوعة غير المحددة للمدراء التنفيذيين فقط. هل يسبب هذا مشكلات تؤثر على الروح المعنوية بالنسبة لباقي الموظفين؟

في هذه الحالات، لا يحصل سوى عدد قليل من المدراء التنفيذيين على فترات إجازة مدفوعة غير محددة - وتكون هي المجموعة نفسها التي ربما يحق لها استخدام طائرة الشركة الخاصة أو غير ذلك من المميزات. وهؤلاء هم مجموعة صغيرة جداً من الأفراد، وعليه فغالباً لا يعلم بقية الموظفين بتلك السياسة. لكن قد يتردد صداها مع اتساع نطاق تلك الدائرة - وذلك عندما لا يقتصر الأمر على مدراء الإدارة العليا بل يمتد ليشمل كذلك نواب الرئيس ورؤساء الإدارات، فيتجاوز عدد الدائرة العشرة أفراد ليصل إلى 100 فرد. وعند الوصول إلى مستوى معين يكون التكتم أمرأ صعباً، ويمكن للمرء عندئذٍ أن يواجه مشكلات في التواصل مع الموظفين.

ما هي التحديات التي تٌحذر الشركات منها عند تفكيرها في خوض هذا التحول؟

يتوقف هذا على الشركة وعلى ثقافتها. فمن المحتمل أن يكون في الشركة بعض المناطق التي ربما مال الموظفون بها لإساءة استخدام سياسة الإجازات المدفوعة غير المحددة. ويتمثل الحل هنا في عدم تطبيق هذه السياسة بالنسبة لتلك الاختصاصات. يواجه المدراء عدم اليقين فيما يتعلق بمدة الإجازات التي سوف يحصل الأفراد عليها فعلياً - ونحن ندرك من أبحاثنا أنه عندما تقوم الشركات بهذا التحول، فإن العديد من الأفراد يحصلون فعلياً على إجازات أقل، وذلك يؤدي إلى المخاطرة باستنفاذ طاقة الموظفين. وفي مثل هذه الحالة، ينبغي على الشركة أن ترسخ ثقافة يرى الموظفون من خلالها أنه لا بأس بالحصول على الإجازات. يتمثل التحدي الثاني في أن بعض الموظفين - وبخاصة من قضوا سنوات طويلة بالشركة - قد يكون لديهم عدد كبير من الإجازات المتراكمة. وتدفع العديد من الشركات مقابلاً لهذه المدة، ويكون هذا المقابل في العادة مادياً - إما دفعة واحدة عندما يتركون الشركة أو على مدار عدة سنوات. وتلك مسائل ذات أهمية كبيرة. نرى كثيراً من الشركات تستكشف طريق التحول، لكن القليل منها فقط هو الذي ينطلق فيه.

إذا كانت تلك هي التحديات المتوقعة، فما هي التحديات غير المتوقعة التي تلاحظها؟

قرأت عن بعض أرباب العمل - وهم ليسوا من عملائنا - ممن تحولوا من سياسة تقليدية إلى سياسة الإجازات المدفوعة غير المحددة ثم عادوا أدراجهم ليتبعوا شكلاً من أشكال السياسة المحددة بشكل أوضح، مثل "الحصول على إجازة لا تتعدى أربعة أسابيع". يساعد تحديد رقم معين في شعور الموظفين بالأمان عند حصولهم على إجازات. وتؤدي أنظمة الإجازة المفتوحة في كثير من الأحيان إلى ألعاب نفسية - فقد يظن أحد الموظفين أنه لا ينبغي أن يحصل على إجازة حتى يحصل زميله على إجازة أولاً - وإذا حصل زميله على يومين، يحصل هو على يوم واحد فقط. ومن ثم فإن الشركات التي تختار تطبيق نظام الإجازات المدفوعة غير المحددة قد تضطر في بعض الأحيان لبذل الجهد لمكافحة هذا السلوك.

إلى أي مدى حسب اعتقادك قد تنتشر سياسة الإجازات المدفوعة غير المحددة؟

لقد رأينا تلك السياسة تنتشر بين المدراء التنفيذيين ثم تتوسع لتشمل الفريق التنفيذي بأكلمه. وعلى الرغم من ذلك، نعتقد أن هناك حدوداً لهذا الانتشار. ذلك أنك عندما تتوسع فيها بصورة مفرطة، فإنك ستطبقها حينئذٍ على أفراد لا يعملون في واقع الحال على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع. وأرى كذلك أن سياسة الإجازات غير المحدودة يتعذر تطبيقها كلياً في بعض المجالات، مثل البيع بالتجزئة والتمريض ومراكز الاتصال. فهناك حاجة في تلك الأماكن لوجود عدد معين من الموظفين محدد مسبقاً، في أماكن عملهم. وحسبما أرى، فإن تطبيق هذه السياسة يعد أمراً غير واقعي بالنسبة لغالبية أرباب العمل؛ ومن ثم فإنني أعتقد أننا سنشهد توسعاً تدريجياً في تطبيقها بدلاً من تبنيها على نطاق واسع.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!